الصين والعقوبات الأميركية على إيران... من يملك النفس الأطول؟

لنفوذ واشنطن حدود

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء عزف النشيدين الوطنيين لبلديهما خلال حفل استقبال أقيم في قاعة الشعب الكبرى في بكين في 14 مايو 2026

الصين والعقوبات الأميركية على إيران... من يملك النفس الأطول؟

قبل نحو شهر من زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن، أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترمب عملية "المنبوذ الاقتصادي" ضد إيران، والتي قالت إنها تتضمن "أقوى عقوبات في التاريخ".

جاءت العودة إلى سلاح العقوبات، بديلاً عن التصعيد العسكري، مع انتهاء هدنة هشة دامت شهرين منذ توقيع مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، فيما تتعثر المفاوضات التي تهدف إلى طي صفحة الحرب الإيرانية التي بدأت في فبراير/شباط الماضي.

كما جاءت الخطوة الأميركية في وقت أظهرت فيه بكين أنها الأقل تضرراً من اضطرابات مضيق هرمز، وتمكنت عبر خفض الطلب من لجم ارتفاع أسعار النفط، بينما زادت صادراتها من وقود الطائرات. وهو ما بدا نقضاً لقراءات أولية رأت في الحرب الإيرانية جزءاً من الضغط الأوسع على بعض مصادر القوة الصينية، لا سيما قدرتها على الحصول على النفط الرخيص.

ورغم عقود من العقوبات الأميركية على إيران، تبدو هذه المرة مختلفة، لأن واشنطن لا تختبر فقط قدرتها على خنق الاقتصاد الإيراني، بل إلى أي حد تستطيع القيام بذلك من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الصين، وهي مواجهة باتت كلفتها ترتفع يوماً بعد يوم، فيما تختبر أيضاً قدرة الصين على حماية مصالحها في مواجهة أدوات الإكراه الاقتصادي الأميركي.

تهديدات مباشرة

ووجدت الصين نفسها في مرمى "الهجوم الاقتصادي" الأميركي، كما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت، ليس فقط لأنها الشريك الاقتصادي والمشتري الأكبر للنفط الإيراني، بل أيضاً لأن بيسنت وجّه إليها تهديدات مباشرة. وقال إن أي بنك صيني يسهّل تحويل عائدات النفط الإيراني سيواجه عقوبات، مهدداً بعزل أي دولة تؤدي دور "الشريان المالي" لإيران أو تواصل التجارة معها عن النظام المالي القائم على الدولار.

خط أحمر صيني

وشملت الموجة الأولى من العقوبات الأميركية عشرات الشركات والكيانات الصينية، ضمن حزمة طالت 60 فرداً وكياناً وسفينة في عدة دول حول العالم، فيما تطال عملياً قطاعات كاملة تضم آلاف الشركات. ومن بين الأهداف الصينية شركات متهمة بالعمل كواجهات لتأمين تكنولوجيا حساسة "مزدوجة الاستخدام" لصالح البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية، مثل "شنتشن سويت أوشن"، وشركات الخدمات اللوجستية والشحن البحري، مثل "شنتشن هوامي ليانيون" و"إنترناشيونال لوجيستكس"، إلى جانب مصافي النفط المستقلة المعروفة باسم "أباريق الشاي"، والتي تعد المشتري الأساسي للنفط الإيراني في الصين.

وبذلك تكون إدارة ترمب قد تجنبت في المرحلة الأولى التي وصفها بيسنت بأنها "طلقة تحذيرية"، استهداف المؤسسات المالية والمصارف الصينية الكبرى، وهو الأمر الذي يُعتقد أنه خط أحمر قد يشعل حرباً تجارية ومالية مفتوحة بين البلدين.

تفعيل "حظر الامتثال"

جاء الرد الصيني على العقوبات الأميركية مزدوجاً. فعلى المستوى الدبلوماسي، أكدت الخارجية الصينية أن "التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وإيران يتم في إطار القانون الدولي، وينبغي عدم عرقلته أو تقويضه أو التدخل فيه"، محذرة من أن الحرب الاقتصادية لن تساعد في حل القضية الإيرانية، بل ستؤدي إلى مزيد من تصعيد التوتر وخلق مخاطر تمتد تداعياتها إلى أطراف أخرى.

أ.ف.ب.
الرئيس الصيني شي جينغ بينغ يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال حضوره قمة شنغهاي، في مدينة تيانجين، الصين 15 يوليو 2025

وعلى المستوى العملي، أعادت وزارة التجارة الصينية تفعيل قواعد "حظر الامتثال"، في ثاني استخدام لها هذا العام، ووجهت الشركات الصينية، بما فيها المصافي النفطية الصينية الصغيرة المملوكة للقطاع الخاص، والتي تعد المشتري الأساسي للنفط الإيراني، والمعروفة إعلاميا في الصين باسم "أباريق الشاي"، إلى عدم الامتثال للعقوبات الجديدة.

وتأتي هذه الخطوة رداً عملياً على تهديدات واشنطن بتوسيع العقوبات إلى المؤسسات المالية الصينية. فبينما تلوّح الولايات المتحدة بالذهاب أبعد في الضغط على بكين، تبعث الصين، بتفعيلها قواعد "حظر الامتثال"، برسالة مفادها أنها مستعدة للذهاب بعيداً في مقاومة هذا الضغط، ما يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز العقوبات على إيران إلى صلب الصراع الاقتصادي بين القوتين.

أعادت وزارة التجارة الصينية تفعيل قواعد "حظر الامتثال"، ووجهت الشركات الصينية، بما فيها المصافي النفطية الصينية الصغيرة إلى عدم الامتثال للعقوبات الجديدة

لا تبدو الموجة الأولى من العقوبات الأميركية كافية لدفع الصين إلى تغيير جوهري في تعاملها مع النفط الإيراني. فبكين تملك خبرة تمتد إلى ربع قرن في إدارة العلاقة مع إيران تحت العقوبات، وطورت خلال هذه الفترة مقاربة تقوم على الالتزام بالعقوبات الأممية، مع تقليل انكشاف الشركات والمؤسسات الأكثر ارتباطاً بالنظام المالي الأميركي، وترك مساحة أوسع لشبكات تجارية ومالية أقل تعرضاً للعقوبات.

ويقول الدكتور شو مينغشي، أستاذ الاقتصاد في جامعة بكين، لـ"المجلة"، إن الصين لا تتعامل مع العقوبات "باعتبارها كياناً اقتصادياً واحداً"، بل تفرز الشركات والمؤسسات بحسب درجة انكشافها على الأسواق والنظام المالي الأميركي. وبموجب هذا النهج، تكون الشركات الحكومية العملاقة، مثل شركة النفط الوطنية الصينية "سينوبك"، والمصارف الكبرى، مثل بنك الصين، أكثر حذراً في التعاملات المعرضة للعقوبات، بينما تتولى شركات ومصافٍ أقل انكشافاً، إلى جانب شبكات الشحن والدفع، الجزء الأكبر من التعامل مع النفط الإيراني.

وتوفر "أباريق الشاي" المستقلة، وشبكات الشحن الوسيطة وأساطيل الظل، وقنوات الدفع البديلة، الأدوات الأساسية لهذا النهج. وتستحوذ هذه المصافي على نحو خُمس الطاقة التكريرية الصينية، فيما تطورت قنوات التسوية باليوان، ومنها نظام الدفع "CIPS"، الذي وسّع نطاق خدماته إلى أكثر من 5 آلاف مؤسسة مالية في نحو 190 دولة ومنطقة بنهاية 2025.

ولا يعني ذلك أن العقوبات لن تؤثر في التجارة الصينية مع إيران، بل إن تأثيرها المرجح سيكون في شكلها أكثر من حجمها. وكما يقول شو، يمكن أن "تغير تركيبة التجارة قبل أن تغير حجمها"، عبر انتقال المزيد من التعاملات إلى شركات وسفن وقنوات مالية أقل انكشافاً على الولايات المتحدة. وبذلك، من المرجح أن تتعامل بكين مع الموجة الأولى من العقوبات بإعادة توزيع المخاطر، لا بقطع مصالحها مع طهران.

ماذا تغير؟

لكن كل ذلك لا يكفي لتقييم الطريقة التي ستتعامل بها الصين مع عملية "المنبوذ". فنقطة التحول في التعامل الصيني مع الضغوط الاقتصادية الأميركية جاءت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما دفعت قيود بكين على صادرات 12 معدناً حرجاً، رداً على الرسوم الجمركية الأميركية، دفعت ترمب إلى التراجع. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد بكين تكتفي بتقليل انكشافها على العقوبات والالتفاف عليها، بل باتت أكثر استعداداً لاستخدام نقاط قوتها الاقتصادية لرفع كلفة الضغط الأميركي عليها.

رويترز
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يتحدث حول فرض عقوبات جديدة على إيران في مقر الوزارة بواشنطن، 24 أغسطس 2026

وتزداد أهمية هذا التحول في حالة إيران تحديداً، لأن تداعيات الحرب أفرزت نتائج لم تكن كلها في مصلحة واشنطن. فقد تحولت الصين، إلى حد ما، إلى مستفيد من تداعيات الحرب، ولا سيما أزمة مضيق هرمز، وفق ما يوضح الخبير في شؤون الطاقة أنس الحجي في مقال نشر أخيراً. وأظهرت بكين قدرتها على امتصاص اضطرابات سوق الطاقة، بل والاستفادة منها، فيما ساهم خفض الطلب الصيني في لجم ارتفاع أسعار النفط وزادت صادراتها من وقود الطائرات.

وهذا ما يجعل التعامل الصيني مع عملية "المنبوذ" مختلفاً عن جولات العقوبات السابقة. فلم يعد السؤال فقط كيف ستتجنب الصين العقوبات أو تلتف عليها، وإنما ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتحمل كلفة الرد الصيني. فاستمرار الوضع الحالي يفيد بكين، بطريقة أو بأخرى، فيما تتعثر محاولات تغييره عسكرياً أو دبلوماسياً، أما اللجوء إلى العقوبات فيضع واشنطن أمام خطر فتح حرب تجارية مع الصين قد تكون كلفتها الاقتصادية والسياسية باهظة. 

ثلاث محطات لشي جينبينغ

قد تحمل ثلاث محطات مرتقبة في جدول شي جينبينغ، في قرغيزستان ومصر والولايات المتحدة، مؤشرات مهمة إلى مسار المواجهة بين واشنطن وبكين.

كما تتداول وسائل إعلام هندية معلوماتٍ لم تؤكدها بكين بعد، تفيد باحتمال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ نيودلهي للمشاركة في قمة "بريكس" يومَي 12 و13 من الشهر الجاري.

في بشكيك، سيكون اللقاء المرتقب بين شي والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، موضع رصد، في ظل بدء انعكاس الخلافات داخل النخبة السياسية والعسكرية الإيرانية على العلاقة مع الصين، وعلى طبيعة ما تريده طهران من بكين.

أما في مصر، فتتزامن زيارة شي مع العرض الذي قدمته شركة "هواوي" للحكومة المصرية لبناء بنية تحتية متقدمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتحرك فيه واشنطن لتقديم عرض مضاد باستخدام شركات وتقنيات أميركية. وستكون الزيارة اختباراً لمدى استعداد بكين للمضي في هذا المسار، في تحد واضح لمحاولة واشنطن احتواء النفوذ التكنولوجي الصيني لا سيما بعد فرض عقوبات على فرع بنك مصر في الإمارات.

وتبقى المحطة الأهم واشنطن، حيث سيكون السؤال المركزي ما إذا كان شي وترمب سيتمكنان من التوصل إلى اتفاق جديد، بدل الهدنة التجارية القائمة التي تنتهي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولا سيما في ظل التصعيد الأميركي الأخير في الحرب التجارية بعد التفاؤل الحذر الذي أعقب زيارة ترمب إلى بكين في مايو/أيار الماضي.

مسار عملية "المنبوذ" لن يتحدد في بشكيك أو القاهرة، بل في واشنطن وطهران معاً

غير أن مسار عملية "المنبوذ" لن يتحدد في بشكيك أو القاهرة، بل في واشنطن وطهران معاً. فإذا كان كثير من المراقبين يرجحون أن الضغط الأميركي لن يكون كافياً لانتزاع تنازلات جوهرية من طهران، فإن ذهاب ترمب إلى تصعيد مفتوح مع بكين قد يشتت هذا الهدف نفسه. فبدلاً من أن تكون الصين عاملاً مساعداً في دفع إيران نحو تسوية، قد يصبح من مصلحتها تقديم الدعم لطهران بما يعقد النزاع.

ويذهب شو إلى أبعد من ذلك في ربط الملفين، معتبراً أن قضية إيران "تبدأ في الاندماج مع المفاوضات الأوسع بين الولايات المتحدة والصين"، لكنه لا يتوقع بالضرورة صفقة مباشرة من نوع خفض الصين مشترياتها من النفط الإيراني مقابل تنازل أميركي في الرسوم. فالمساومة بين القوتين، في رأيه، تتم عبر القيمة الإجمالية للعلاقة، حيث تتداخل ملفات إيران والرسوم الجمركية والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق وقيود التصدير.

رويترز
سفن تنتظر عبور مضيق هرمز، قبالة السواحل العمانية، 17 أغسطس 2026

ويضاف إلى ذلك عامل الانتخابات النصفية، إذ سيكون ترمب أكثر حساسية تجاه أي حرب تجارية واسعة مع الصين يمكن أن تضر بالأسواق والاقتصاد وتنعكس على الناخبين. لكن شو يحذر من اختزال الدافع الأميركي في الحساب الانتخابي، ويرى أن العامل الأهم هو اقتراب زيارة شي، التي تمنح الطرفين حافزاً لتجميع أوراق تفاوضية مع تجنب إجراءات تجعل التوصل إلى اتفاق مستحيلاً.

ولذلك قد تكون التهديدات الأميركية الحالية مجرد ورقة ضغط مزدوجة، لدفع بكين للمساعدة في انتزاع تنازلات من طهران، وفي الوقت نفسه ورقة تفاوضية في القمة المرتقبة مع شي للحصول على تنازلات صينية في الملفات التجارية والاقتصادية.

ومن هنا فإن المراقبين يرجحون أن تنتهي المواجهة الحالية بتسوية دون الذهاب إلى صراع مفتوح. ويرى شو أن هناك مساحة واقعية للمساومة من دون أن تضطر بكين إلى الاعتراف بشرعية العقوبات الأميركية؛ فيما بإمكان ترمب تأجيل العقوبات أو تخفيفها أو حتى التراجع عنها.

وفي كل الأحوال، العقوبات ليست قنابل، إنها تحتاج إلى وقت كي تعطي مفعولها، والوقت ليس وحده ما يفتقر إليه ترمب، بل كذلك التصميم والإرادة والقدرة على الدخول في حرب اقتصادية مع الصين. ولذلك، لا يبدو أن واشنطن مستعدة للذهاب بالعقوبات إلى الحد الذي يجعلها أداة ضغط حقيقية على بكين، وهو ما يحدّ في الوقت نفسه من قدرتها على استخدامها لخنق الاقتصاد الإيراني. وإذا بقيت حدود المواجهة مع الصين قائمة، فقد يكون مصير العقوبات على إيران كمصير العمل العسكري: ضغط كبير من دون القدرة على تحقيق الهدف.

font change