قبل نحو شهر من زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن، أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترمب عملية "المنبوذ الاقتصادي" ضد إيران، والتي قالت إنها تتضمن "أقوى عقوبات في التاريخ".
جاءت العودة إلى سلاح العقوبات، بديلاً عن التصعيد العسكري، مع انتهاء هدنة هشة دامت شهرين منذ توقيع مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، فيما تتعثر المفاوضات التي تهدف إلى طي صفحة الحرب الإيرانية التي بدأت في فبراير/شباط الماضي.
كما جاءت الخطوة الأميركية في وقت أظهرت فيه بكين أنها الأقل تضرراً من اضطرابات مضيق هرمز، وتمكنت عبر خفض الطلب من لجم ارتفاع أسعار النفط، بينما زادت صادراتها من وقود الطائرات. وهو ما بدا نقضاً لقراءات أولية رأت في الحرب الإيرانية جزءاً من الضغط الأوسع على بعض مصادر القوة الصينية، لا سيما قدرتها على الحصول على النفط الرخيص.
ورغم عقود من العقوبات الأميركية على إيران، تبدو هذه المرة مختلفة، لأن واشنطن لا تختبر فقط قدرتها على خنق الاقتصاد الإيراني، بل إلى أي حد تستطيع القيام بذلك من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الصين، وهي مواجهة باتت كلفتها ترتفع يوماً بعد يوم، فيما تختبر أيضاً قدرة الصين على حماية مصالحها في مواجهة أدوات الإكراه الاقتصادي الأميركي.
تهديدات مباشرة
ووجدت الصين نفسها في مرمى "الهجوم الاقتصادي" الأميركي، كما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت، ليس فقط لأنها الشريك الاقتصادي والمشتري الأكبر للنفط الإيراني، بل أيضاً لأن بيسنت وجّه إليها تهديدات مباشرة. وقال إن أي بنك صيني يسهّل تحويل عائدات النفط الإيراني سيواجه عقوبات، مهدداً بعزل أي دولة تؤدي دور "الشريان المالي" لإيران أو تواصل التجارة معها عن النظام المالي القائم على الدولار.
خط أحمر صيني
وشملت الموجة الأولى من العقوبات الأميركية عشرات الشركات والكيانات الصينية، ضمن حزمة طالت 60 فرداً وكياناً وسفينة في عدة دول حول العالم، فيما تطال عملياً قطاعات كاملة تضم آلاف الشركات. ومن بين الأهداف الصينية شركات متهمة بالعمل كواجهات لتأمين تكنولوجيا حساسة "مزدوجة الاستخدام" لصالح البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية، مثل "شنتشن سويت أوشن"، وشركات الخدمات اللوجستية والشحن البحري، مثل "شنتشن هوامي ليانيون" و"إنترناشيونال لوجيستكس"، إلى جانب مصافي النفط المستقلة المعروفة باسم "أباريق الشاي"، والتي تعد المشتري الأساسي للنفط الإيراني في الصين.
وبذلك تكون إدارة ترمب قد تجنبت في المرحلة الأولى التي وصفها بيسنت بأنها "طلقة تحذيرية"، استهداف المؤسسات المالية والمصارف الصينية الكبرى، وهو الأمر الذي يُعتقد أنه خط أحمر قد يشعل حرباً تجارية ومالية مفتوحة بين البلدين.
تفعيل "حظر الامتثال"
جاء الرد الصيني على العقوبات الأميركية مزدوجاً. فعلى المستوى الدبلوماسي، أكدت الخارجية الصينية أن "التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وإيران يتم في إطار القانون الدولي، وينبغي عدم عرقلته أو تقويضه أو التدخل فيه"، محذرة من أن الحرب الاقتصادية لن تساعد في حل القضية الإيرانية، بل ستؤدي إلى مزيد من تصعيد التوتر وخلق مخاطر تمتد تداعياتها إلى أطراف أخرى.

وعلى المستوى العملي، أعادت وزارة التجارة الصينية تفعيل قواعد "حظر الامتثال"، في ثاني استخدام لها هذا العام، ووجهت الشركات الصينية، بما فيها المصافي النفطية الصينية الصغيرة المملوكة للقطاع الخاص، والتي تعد المشتري الأساسي للنفط الإيراني، والمعروفة إعلاميا في الصين باسم "أباريق الشاي"، إلى عدم الامتثال للعقوبات الجديدة.
وتأتي هذه الخطوة رداً عملياً على تهديدات واشنطن بتوسيع العقوبات إلى المؤسسات المالية الصينية. فبينما تلوّح الولايات المتحدة بالذهاب أبعد في الضغط على بكين، تبعث الصين، بتفعيلها قواعد "حظر الامتثال"، برسالة مفادها أنها مستعدة للذهاب بعيداً في مقاومة هذا الضغط، ما يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز العقوبات على إيران إلى صلب الصراع الاقتصادي بين القوتين.


