حسابات سنّة العراق في الحرب وسلاح الفصائل

خارج القبضة الإيرانية

الرئاسة العراقية/أ.ف.ب
الرئاسة العراقية/أ.ف.ب
يظهر الرئيس العراقي نزار عبده مصافحاً رئيس الوزراء العراقي المكلَّف حديثا علي الزيدي وسط عدد من السياسيين العراقيين، في 27 أبريل 2026

حسابات سنّة العراق في الحرب وسلاح الفصائل

فيما تعيش القوى السياسية والمجتمعية "السنية" في العراق ترقبا للأحوال العامة، القابلة للتوتر في أي وقت، بسبب قضية "نزع سلاح الميليشيات" داخليا، والحرب بين إيران والولايات المتحدة إقليميا، فإن تحولات حيوية وواضحة صارت تطرأ على الفعل السياسي ضمن أحزابهم وقواهم السياسية وحتى أوساطهم الاجتماعية، في وقت كشف مصدر سياسي "سني" رفيع إلى "المجلة" عن تحضيرات مكثفة لتأسيس تيار سياسي جديد في مناطقهم، يضم مختلف الشخصيات والقوى التي همشت واستبعدت خلال السنوات الماضية بفعل الضغوط الإيرانية.

أربعة مجريات مطمئنة

تشعر الأوساط السياسية والاجتماعية السنية العراقية أن الأجواء والمسارات العامة في البلاد والمنطقة صارت مريحة بالنسبة إليها، ولو بشكل نسبي. فالانقسامات السياسية التقليدية كانت طوال السنوات الماضية تسود المجالين السياسيين الكردي والسني فحسب، غدت حاليا موجودة ضمن نظيرتها الشيعية أيضا، بعد حقبة طويلة كانت إيران تضبطها وتجبر المختلفين "الشيعة" على الانضواء في السياق والمنظومة المركزية التي كانت حاكمة، وملتزمة بالقرار الاستراتيجي لإيران.

كان ذلك يسمح بأعلى مستويات الضغوط على المناخات السنية، التي وصلت في مرات لا تعد إلى مستوى قسر وإقصاء بعض الشخصيات والقوى السياسية السنية من المشهد السياسي العراقي بشكل كامل، ولأسباب مختلقة، ومن دون أن تفسح لها أي مجال للمناورة أو التفاهم وحتى التحالف مع بعض الجهات الشيعية النظيرة، ولو من باب المصالح والشراكة السياسية المؤقتة في هيكل السلطة والتحالفات السياسية.

الوضع الراهن يسمح لها بأشياء من ذلك القبيل، فالقوى الشيعية وإن كانت قادرة حتى الآن على تغطية تبايناتها البينية ضمن مظلة "الإطار التنسيقي"، لكن باتت الشروخ والقراءات السياسية المتناقضة فيما بينها واضحة جدا، وموقع رئاسة الوزراء لم يعد إلا واجهة لضبط التناقضات الداخلية تلك.

المسار الآخر يرتبط بتحول إيران إلى خصم واضح ومعلن للولايات المتحدة في المنطقة، ولذلك تأثير شديد على خياراتها واستراتيجيتها ضمن العراق. فبعد سنوات من التعايش والتفاهم، وأحيانا التحالف الأميركي مع إيران في الملف العراقي، كانت الخيارات والتنظيمات السنية وقتها خصما سياسيا للطرفين، وفي مرات لا تعد غريما ميدانيا مشتركا للنفوذين الأميركي والإيراني في العراق، لم يعد هذان الطرفان قادرين على خلق المساحة التوافقية المشتركة السابقة نفسها، التي كانت قائمة على كبح القوى السنية.

الانقسامات التي كانت سائدة في المجالين الكردي والسني امتدت حاليا إلى نظيرهما الشيعي، بعد حقبة طويلة كانت إيران تجبر المختلفين "الشيعة" على الانضواء تحت منظومتها المركزية

مع الأمرين، فإن حالة من الإحباط والتلكؤ غدت تصيب الاقتصاد العراقي، بفعل التراجع الكبير في صادرات النفط العراقي. هذه الأزمة الاقتصادية المتوقعة ستدفع قطاعات واسعة من الموالين للسلطة المركزية نحو مناهضتها، كذلك ستخلق أجواء من التخلي النسبي عن الخطاب الطائفي الضدي، أي عدم الانجرار إلى الانتظام والولاء على أساس العصبيات الطائفية، كما كانت من قبل.

فالمساحة المتوفرة حاليا على أساس الأزمة الاقتصادية المشتركة ستكون أوسع وأكثر قابلية للشراكات السياسية والمجتمعية العابرة للحساسيات الطائفية الضيقة. هذا غير اضطرار الجهاز الحكومي وأصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى في العراق إلى اللجوء للدول الإقليمية لتجاوز أحوالها الراهنة، وهو بدوره عامل مساعد آخر لتفكيك الاحتقان التقليدي في البلاد.

أ.ف.ب
متظاهرون يحتجّون ضد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في شارع فلسطين ببغداد عقب اعتقال مسؤول رفيع في "الحشد الشعبي" الذي يضم جماعات موالية لإيران ، في 19 أغسطس 2026

فوق ذلك، فإن الحرب ستحجم إيران عسكريا واقتصاديا وأمنيا في المحصلة، خصوصا على المستوى الإقليمي، هذا على الأقل. ويمكن لها في النتائج النهائية أن تغير الأدوار وهوية النظام الحاكم لإيران جذريا، وهو ما سيكون عاملا حاسما لدفع العالم السياسي في العراق للخضوع للعوامل والتوازنات الداخلية، دون أي تبعية وانجرار لشروط إيران الحادة والمستقطبة لصالح طرف عراقي بذاته.

ناهيك عن التحول الجذري الذي سيطرأ في هوية وسلوكيات النظام السياسي، لو تمكنت حكومة الزيدي من نزع السلاح من الفصائل التي كانت بمثابة "مخلب" إيران في المعادلة العراقية.

كل ذلك يخلق أجواء مريحة بالنسبة للفاعلين السياسيين والقوى المجتمعية السنية في البلاد. التي تمكنت حتى الآن من تأمين نوع من "الحياد" المعلن عما يدور حولها، تجنبا لأي انزلاق قد يؤثر عليها، وأملا في انبلاج وقائع موضوعية على الأرض، غالبا ما ستكون لصالحها، كما تتوقع وتصلها التطمينات الإقليمية.

تحركات وتنظيم جديدان

لم تخرج القوى السنية عن الخيارات الإقليمية الكلية في التعامل مع تفاصيل ومسارات الحرب الراهنة. ليس من موقع "التبعية"، بل إيمانا بالمعادلة والاستراتيجية التي تتبعها جميع الدول الإقليمية، التي لا ترى أية مصلحة أو علاقة مباشرة لها مع هذه الحرب، وتتمنى فقط أن تحظى بأقل الخسائر وأدنى مستويات الانخراط فيها. فالحرب هي صراع أميركي-إيراني في المحصلة، ولا يأخذ الطرفان مصالح الجهات الأخرى في الحسبان.

تتحضّر شخصيات همشت خلال سنوات الضغط الإيراني لتأسيس تيار سني جديد يقوده على الأرجح أسامة النجيفي، بينما تطابق القوى السنية مواقفها مع الحكومة في ملف نزع سلاح الفصائل وتردم خلافاتها مع الكرد

القوى السنية العراقية المنقسمة حاليا إلى ثلاث تيارات أساسية، هي "حزب تقدم" بزعامة رئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي، الذي يمزج ثقل انتشاره في محافظة الأنبار العراقية بالخطاب القومي، وله شراكات مع عدد من الزعماء المحليين في البيئات السنية العراقية. و"تحالف السيادة" بقيادة خميس الخنجر، الذي يصنف جهة سياسية وريثة للإسلام السياسي "السني"، مع خطاب وطني عراقي عام، وإلى جانبهما "تحالف عزم" بقيادة رجل الأعمال "مثنى السامرائي"، لكن الأخير معتقل بتهم تتعلق بالفساد منذ عدة أسابيع، ما يؤشر إلى تبدد تياره لصالح الطرفين السابقين.

مصدر سياسي عراقي رفيع "سني" كشف في حديث مع "المجلة" عن تسارع الخطى نحو تشكيل تيار جديد، سيقوده، في الغالب، رئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي، وسيضم عددا من الشخصيات التي خرجت من المشهد العام خلال المرحلة الماضية، مثل الوزير رافع العيساوي، والبرلماني ظافر العاني، والمحافظ والوزير الأسبق قاسم الفهداوي، وقد يضم السياسي مشعان الجبوري.

المصدر أضاف أن التشكيل الجديد سيبرز وسيلقي دعما من عدد من الدول الإقليمية، ليكون قادرا على التأقلم مع التحولات التي قد يشهدها العراق داخليا خلال المرحلة المقبلة.

فالشخصيات المتآلفة هذه وخطابها كانت الأكثر بعدا عن الاستراتيجية الإيرانية في العراق، وسيكون تنظيما سياسيا قابلا لحمل الاستراتيجية والتطلعات السنية في مرحلة مستقبلية.

أ.ف.ب
وزير العمل العراقي أحمد الأسدي، ورئيس البرلمان الأسبق ورئيس حزب "تقدّم" محمد الحلبوسي، ورئيس "منظمة بدر" هادي العامري خلال فعالية لإحياء الذكرى الحادية والعشرين لتأسيس "عصائب أهل الحق"أحد فصائل الحشد الشعبي، بغداد، في 3 مايو 2024

شكلان من التحرك أقدمت عليهما القوى السنية خلال الأسابيع الماضية، تعاطيا مع التطورات المحيطة بها، وبرعاية ومتابعة إقليمية. فالقوى السنية طابقت مواقفها من الحرب ومسألة نزع أسلحة الميليشيات المسلحة مع ما أقدمت عليه الحكومة الاتحادية. تآلفا مع الجهود والمنظومة الشرعية في البلاد، وتجنبا لأية ضغوط داخلية أو خارجية من إيران. فأشادت بقرارات بعض الأطراف التي أعلنت صراحة قبولها بقرارات رئيس الوزراء، مثل رئيس كتلة تحالف "خدمات" في البرلمان العراقي شبل الزيدي، زعيم "كتائب الإمام علي" المسلحة، الذي صار يشارك رسميا في اجتماعات تحالف "الإطار التنسيقي"، بصفة مدنية وسياسية.

وتشجع الأطراف التي أعلنت قبول ذلك مبدئيا، مثل "عصائب أهل الحق" بقيادة قيس الخزعلي، و"كتائب سيد الشهداء" التي يقودها أبو آلاء الولائي، لكن من دون أن تدخل في مواجهة سياسية أو خطابية مع الفصائل الرافضة للقرارات الحكومية، مثل "كتائب حزب الله العراقية" التي يرأسها أبو حسين الحميداوي، و"حركة حزب الله/النجباء" بقيادة أكرم الكعبي.

القوى السنية تواجه تحديات تشتتها التنظيمي وتراكم الشروخ بين قادتها، وغياب خطاب يؤطر مطالبها المستقبلية، وعجزها عن خلق توازن بين المؤثرين الإقليميين والدوليين

التحرك الآخر قام على أساس ردم الخلافات والحساسيات السابقة مع القوى العراقية الأخرى، وتحديدا الكردية، حيث جاءت زيارة رئيس "حزب تقدم" محمد الحلبوسي إلى إقليم كردستان ولقاؤه الزعيم الكردي مسعود بارزاني ضمن ذلك السياق، وقالت مصادر مطلعة وموثوقة إلى "المجلة" إن حوار الطرفين تناول المرحلة المقبلة في العراق، بما في ذلك إمكانية تشكيل أقاليم جديدة في العراق، تكون بعضها في المنطقة الغربية "السنية" منه.

ثلاث تحديات

الباحث المختص بالشؤون السياسية العراقية أحمد يونس حدد في حديث مع "المجلة" ثلاث مصاعب قد تواجهها القوى السياسية السنية في الأفق المنظور، بفعل التحولات الراهنة، الضاغطة وشديدة التأثير عليها، وأضاف: "ما يجري هو بمثابة ولادة سياسية جديدة بالنسبة لهذه الأوساط، التي جربت في مراحل سابقة أنواعا من الاعتراض الجذري على المعادلة الداخلية في البلاد، ثم غرقت وهزمت جراء مرحلة العنف الأهلي وما تلاها من تطورات دفعتها لأن تخرج من مركز القرار الاستراتيجي في البلاد. فالقوى السنية بعمومها مشتتة للغاية، ليس بالمعنى التنظيمي المركزي فحسب، بل أيضا في شكل العلاقات فيما بينها. فمختلف القوى لا تستند إلى هياكل سياسية منظمة، أو خطاب أيديولوجي واضح، بل تعمد إلى آلية ولاء وارتباط الزعامات المحلية بها، بالإضافة إلى تراكم الحساسيات والشروخ الذاتية بين قادتها. ولن يكون للمرحلة القادمة منفعة واضحة عليها ما لم تتمكن هذه القوى من لثم تلك الشروخ البينية".

أ.ف.ب
رجال عراقيون شيعة أحدهم يرفع صورة المرشد الإيراني علي خامنئي خلال جنازة رمزية بعد اغتياله عقب الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران. في مدينة الصدر ببغداد، العراق، في 1 مارس 2026

ويضيف يونس في حديثه قائلا: "كذلك فإن القوى السياسية السنية لم تتمكن من تأطير مطالبها وتطلعاتها المستقبلية بشكل موضوعي وواضح، فأغلب تنظيماتها وقادتها يسيّرون شؤونهم وفق رؤاهم حسب خيارات ذاتية ومناطقية، دون أن تكون لهم قراءة واضحة لما يجب أن يكون عليه العراق وموقعهم ضمنه في المستقبل المنظور، ما يفتح المجال واسعا أمام إمكانية تسرب وتأثير الآخرين على خيارتهم. أخيرا، فإن القوى السنية غير قادرة حتى الآن على خلق توازنات بين المؤثرين الإقليميين والدوليين في الشأن العراقي، بطريقة تجعل مصالحهم متقاطعة مع تلك التأثيرات".

font change

مقالات ذات صلة