حملة "المنبوذ الاقتصادي" التي أطلقتها إدارة ترمب هي أكبر عقوبات مالية تشنها واشنطن ضد أحد خصومها، وتهدف إلى قطع شرايين اقتصاد النظام الإيراني. ولا تقتصر على منع التعامل الأميركي مع طهران، بل تهدد بحرمان الأطراف الثالثة التي تتعامل معها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وهي آلية استخدمها ترمب سابقا ضد نظام بشار الأسد عبر "قانون قيصر" الذي وقّعه نهاية 2019.
تقول تجربة الأسد وغيرها إن العقوبات تستطيع إضعاف الأنظمة الشمولية ودفعها إلى تقديم تنازلات، لكنها نادرا ما تُسقطها وحدها. فهذه الأنظمة تحمي القيادة وأجهزة الأمن والحلقات الضيقة، وتحمّل المواطنين الكلفة، وتستخدم "العدو الخارجي" لتبرير القمع وتحميل العقوبات مسؤولية الفقر والفساد وسوء الإدارة. تقوّي المتشددين وتضعف الإصلاحيين. تسرع التوريث وتؤجل الاقتراع.
في كوبا، بدأ الحظر الأميركي عام 1962، فأضعف الاقتصاد لكنه لم يُسقط النظام، وانتقلت السلطة من فيدل كاسترو إلى شقيقه راؤول ثم إلى ميغيل دياز-كانيل. وفي فنزويلا، بدأت العقوبات ضد مسؤولي هوغو شافيز ونيكولاس مادورو عام 2015 واتسعت عام 2017، فانكمش الاقتصاد وغادر الملايين، لكن العقوبات لم تُسقطه. ما أسقطه إنزال أميركي بداية العام.
أما في كوريا الشمالية، فانتقلت السلطة من كيم إيل سونغ إلى ابنه كيم جونغ إيل. ولم تمنع العقوبات بيونغ يانغ من تطوير برنامجها النووي، بل تعامل النظام مع القنبلة كبوليصة تأمين، وأجرى تجربته النووية الأولى عام 2006، وانتقل الحكم إلى الحفيد كيم جونغ أون نهاية 2011.
عربياً، فرض مجلس الأمن عقوبات على العراق بعد غزو الكويت عام 1990. أجبرت النظام على إخضاع برامج الدمار الشامل للتفتيش والتفكيك، لكنها لم تُسقط صدام حسين. أطاحه الغزو الأميركي عام 2003. ودُفع معمر القذافي بالعقوبات والعزلة إلى التخلي عن ترسانته نهاية العام نفسه، لكن نظامه لم يسقط إلا بعد الانتفاضة الليبية وتدخل "الناتو" عام 2011. وفي السودان، لم تُسقط العقوبات نظام عمر البشير، لكنها ساهمت في دفعه إلى تغيير سلوكه، قبل سقوطه تحت ضغط الاحتجاجات عام 2019. رُفعت العقوبات. وبعد اندلاع "حرب الجنرالين" في 2023، عادت واشنطن واستهدفت طرفيها.
وتقدم سوريا المثال الأقرب إلى إيران. أدرجتها واشنطن على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، لكن حافظ الأسد بقي في السلطة حتى وفاته عام 2000، ثم ورثه ابنه بشار وحكم أكثر من 24 عاماً في ظل العقوبات والعزلة. أما التهديد الأميركي بضربة عسكرية بعد الهجوم الكيماوي عام 2013، فقد دفع الأسد إلى الموافقة على تفكيك "الكيماوي". غيّر الضغط سلوكه، لكنه لم يُسقطه.
وما أسقطه نهاية 2024 كان هجوماً عسكرياً جاء وسط تداعيات "قيصر" فيما كانت روسيا منشغلة بحرب أوكرانيا، وإيران و"حزب الله" تحت استنزاف إسرائيلي شديد. وعندما فقد حماية حليفيه وتفككت قواته أمام الفصائل بقيادة أحمد الشرع، فر إلى موسكو.
كيف ستتعامل إيران؟ أغلب الظن أنها ستقرأ من الكتاب نفسه. ستواجه حملة ترمب بالأدوات التي راكمتها خلال أكثر من أربعة عقود. "أساطيل الظل"، والشركات الوهمية، وشبكات التهريب، والوكلاء، والتجارة مع دول الجوار، والمقايضة والعملات المشفرة، وبناء نظام مالي موازٍ، وتعميق التعاون مع الصين وروسيا. كما ستستخدم نفوذها الإقليمي ورقة للتفاوض واختراق العقوبات.
وفي الداخل، سيقدم النظام العقوبات باعتبارها "حرباً اقتصادية"، ويحمّل واشنطن مسؤولية التضخم والفقر، متجاهلاً سوء الإدارة والإنفاق العسكري والوكلاء، وقد يستخدم الضغط الخارجي لتبرير مزيد من القمع.
من غير المرجح أن تُسقط عقوبات ترمب النظام الإيراني بمفردها. لكن اقترانها بالضربات العسكرية واستهداف خطوط الإمداد سيزيد ضعفه ويضيّق خياراته
لكن الخطأ هو الدرس الذي قد تستخلصه طهران من تجارب الآخرين. فقد تخلى القذافي عن برنامجه غير التقليدي وبقي ثماني سنوات قبل سقوط نظامه. ووافق الأسد على تفكيك "الكيماوي" عام 2013، لكنه بقي أحد عشر عاماً أخرى. أما كوريا الشمالية فاحتفظت بقنبلتها، ولم يجرؤ أحد على محاولة إسقاط نظامها عسكرياً.
كما أن التوريث الذي حصل في كوريا الشمالية وسوريا من الأب إلى الابن، ومن الأخ الأكبر إلى الأصغر في كوبا، تكرر في طهران بخلافة مجتبى والده علي خامنئي "مرشداً" للبلاد. ولو لم يتدخل "الناتو" في ليبيا، ربما كان سيف الإسلام قد خلف والده، وربما كان عدي أو قصي في قصور صدام لولا التدخل الأميركي.
من غير المرجح أن تُسقط عقوبات ترمب النظام الإيراني الأيديولوجي بمفردها. لكن اقترانها بالضربات العسكرية واستهداف خطوط الإمداد سيزيد ضعفه ويضيّق خياراته، وقد يدفعه إلى التفاوض. وفي المقابل، قد تدفعه الضغوط في الاتجاه المعاكس: تصعيد تهديداته ومغامراته في المنطقة، وتشديد قبضته في الداخل، وتسريع سعيه إلى امتلاك القنبلة والاحتماء بالنموذج الكوري الشمالي.
السؤال ليس فقط ما إذا كانت العقوبات قادرة على إسقاط النظام، بل ماذا سيفعل كي لا يسقط؟
هنا يكمن "الدرس الخطأ". أن تعتبر إيران السلاح النووي الضمانة الأخيرة لبقاء النظام، لا مجرد أداة ردع في مواجهة الخارج، بل بوليصة تأمين في مواجهة تغيير النظام نفسه. "العامل الإسرائيلي" يغير الحسابات. قصفت إسرائيل المفاعل العراقي عام 1981، ودمرت المنشأة النووية السورية قرب دير الزور عام 2007، ونفذت عمليات اغتيال وتخريب وهجمات سيبرانية وضربات عسكرية ضد البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
ولا تتعامل إسرائيل مع البرنامج النووي الإيراني كورقة تفاوضية، بل كتهديد وجودي تعزز بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد لا تسمح لطهران بالوصول إلى المرحلة التي تصبح فيها القنبلة أمراً واقعاً.
عقوبات ترمب بدأت فصلاً جديداً في إيران. السؤال ليس فقط ما إذا كانت قادرة على إسقاط النظام، بل ماذا سيفعل النظام كي لا يسقط؟ وهنا تكمن خطورة "الدرس الخطأ".