عندما قال سفير الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى تركيا ومبعوثه إلى سوريا والعراق، توم باراك، إن الإسرائيليين "لا يزالون يحتلون الجولان خلافاً لقرارات الأمم المتحدة، وخلافاً للنظام الدولي بأكمله، الذي قال إن الجولان سوري"، لم يكن يقرأ سطراً من بيان سوري أو وثيقة أممية، ولم يكن يبحث عن أزمة جديدة مع إسرائيل.
وكما كان متوقعاً، سارع باراك إلى امتصاص الغضب الإسرائيلي، وقال إن سياسة واشنطن التي وضعها ترمب عام 2019، بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، لم تتغير. لكن هذا التوضيح لا يلغي أن عبارته لم تكن زلة لسان.
تكمن أهمية كلمات باراك في أنها تنسجم مع رؤية حملها منذ تعيينه مبعوثاً للبيت الأبيض، لا لوزارة الخارجية، وهي: الأولوية للدولة، والسيادة، ووحدة الأراضي، وإنهاء السلاح خارج المؤسسات. بل إنه، في جلساته الخاصة، يذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إن إسرائيل هي التحدي الأول لسوريا. وفي العلن، انتقد الغارات الإسرائيلية، وكان أول من كشف تعرض مطار أبو الظهور لقصف إسرائيلي.
كذلك سعى في العراق إلى دعم حكومة علي الزيدي وخطتها لحصر السلاح، وضبط الميليشيات، وتقوية علاقات العراق مع محيطه الجغرافي على أساس دولة إلى دولة وربط المصالح والشبكات، بالتزامن مع استكمال الانسحاب الأميركي.
ولفهم باراك، لا بد من مقارنته بنقيضه: بريت ماكغورك، أحد أكثر المسؤولين الأميركيين نفوذاً في الشرق الأوسط خلال خمسة عشر عاماً. خدم في إدارات جمهورية وديمقراطية، من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما، ودونالد ترمب في ولايته الأولى، وجو بايدن.
كان ماكغورك في قلب السياسة الأميركية في العراق عندما حصل نوري المالكي على ولاية ثانية بعد انتخابات 2010، رغم أن قائمة إياد علاوي حصدت مقعدين أكثر من "ائتلاف دولة القانون". وكانت النتيجة حكومة ازدادت طائفية ومركزية، وتراجعت فيها الشراكة مع العرب السنّة، وتعرض الجيش لمزيد من التسييس. وكان ماكغورك أيضاً من أبرز رجال واشنطن في مفاوضات الانسحاب من العراق عام 2011، بموجب اتفاق وقّعه بوش ونفذه أوباما.
وعندما هاجم "داعش" الموصل في يونيو/حزيران 2014، انهارت قطعات عسكرية كاملة، ووجد التنظيم الطريق مفتوحاً للسيطرة على مساحات شاسعة من العراق وإعلان "الخلافة". بعد ذلك، أدار ماكغورك حملة التحالف الدولي ضد "داعش"، معتمداً على ركيزتين محليتين: فصائل عراقية كان عدد منها مرتبطاً بإيران، و"وحدات حماية الشعب" الكردية في سوريا، التي شكلت العمود الفقري لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، رغم ارتباطها العضوي والعقائدي بـ"حزب العمال الكردستاني"، الذي تصنفه واشنطن وأنقرة منظمة إرهابية.
حققت هذه السياسة هدفاً كبيراً. هُزم "داعش" عسكرياً وخسر الجغرافيا. لكن الفراغ الكبير بقي على الأرض. في العراق، ازدادت قوة وكلاء طهران. وفي سوريا، نشأ كيان عسكري وإداري شرق الفرات يعتمد على الحماية الأميركية، ويثير مخاوف تركيا، ويقف خارج مؤسسات "سوريا الأسد". خسر "داعش" الجغرافيا، لكن إيران كسبت جيشاً موازياً في العراق يمهّد لتغلغلها في سوريا ولبنان، فيما وجدت تركيا على حدودها قوة تعتبرها امتداداً لـ"العمال الكردستاني".
جاء باراك بقاموس مختلف. لم يقل إن الفصائل العراقية يجب أن تبقى أقوى من الدولة وتهدد جوارها نيابة عن طهران. ولم يقل إن "قسد" يجب أن تبقى إلى الأبد لأنها قاتلت "داعش"، بل قال إن مهمتها الأصلية انتهت، وإن مبرر التحالف معها تلاشى بعد زوال نظام الأسد، وإن "سوريا الجديدة" قادرة على أن تكون عنوان التعاون مع التحالف الدولي، وعلى منح الأكراد حقوقاً دستورية واجتماعية وثقافية أوسع من "الإدارة الذاتية" التي نشأت تحت مظلة ماكغورك.
رفع باراك الغطاء السياسي عن القوات الكردية. وقال لمظلوم عبدي إن واشنطن لن تسمح بجر إسرائيل إلى الصراع للدفاع عن "قسد" ومحاربة تركيا
وفي بداية العام، خلال المواجهة بين دمشق و"قسد"، رفع باراك الغطاء السياسي عن القوات الكردية. وقال لمظلوم عبدي إن واشنطن لن تسمح بجر إسرائيل إلى الصراع للدفاع عن "قسد" ومحاربة تركيا. ولم يكن ذلك تخلياً عن الأكراد بقدر ما كان انتقالاً من حمايتهم عبر كيان مسلح إلى إدخالهم في الدولة. وبعد أشهر، انتهت المهمة العسكرية المستقلة لـ"قسد"، وأُعلن حلها ودمج قواتها في الجيش السوري.
وفي السويداء، اتبع باراك المنطق نفسه. لم يدعم إنشاء منطقة منفصلة تحميها إسرائيل، ولم يتبنَّ فكرة بقاء السلاح خارج الدولة، بل شارك مع الأردن وسوريا في وضع خريطة طريق أُقرت في عمّان، تقوم على معالجة الانتهاكات، وإعادة الخدمات، ووضع ترتيبات أمنية، وإعادة دمج المحافظة في الدولة. لكن الخريطة لم تُنفذ بسبب فيتو إسرائيلي.
باراك ليس دبلوماسياً تقليدياً مثل ماكغورك. هو رجل أعمال من خارج البيروقراطية. قوته أنه صديق مباشر لترمب. عبارته عن الجولان، قبل التراجع عنها، كانت أكثر من زلة لسان، وهي لن تكون الأخيرة
هذه المقاربة التي حملها مبعوث ترمب، واقترنت بدعم عربي وإقليمي، شملت رفع العقوبات، وإلغاء تصنيفات الإرهاب، والتعامل مع حكومة الرئيس أحمد الشرع بوصفها شريكاً، وفتح أبواب الاقتصاد والطاقة والاستثمار. والفكرة بسيطة: إذا أردت من الدولة أن تضبط حدودها، وتفكك الميليشيات، وتحارب "داعش"، وتمنع الممر الإيراني، فعليك أن تمنحها أدوات الدولة، لا أن تبقيها محاصرة ومتشظية ثم تطالبها بالسيادة.
هنا يظهر الفارق بين المبعوثين الرئاسيين الاثنين. تعامل ماكغورك مع ضعف الدولة باعتباره واقعاً يمكن إدارته عبر وكلاء محليين، فيما يتعامل باراك مع استعادة الدولة باعتبارها الأداة الأساسية لإنهاء الحاجة إلى هؤلاء الوكلاء. الأول اعتمد على الميليشيات العابرة للحدود، والثاني يقوي الدولة لمد الأنابيب وإقامة المشاريع العابرة للحدود.
باراك ليس دبلوماسياً تقليدياً مثل ماكغورك. هو رجل أعمال من خارج البيروقراطية. قوته أنه صديق مباشر لترمب، يستخدم لغة صادمة، ويطلق عبارات تحتاج أحياناً إلى توضيحات. لذلك، فإن عبارته عن الجولان، قبل التراجع عنها، كانت أكثر من زلة لسان، وهي لن تكون الأخيرة… طالما يحافظ على رضا صديقه.