ليست الجوائز الثقافية كلها متشابهة، حتى حين تتشابه في شروطها ومبالغها وحفلاتها ولجان تحكيمها. ثمة فارق يصنعه سؤال بسيط: من يمنح الجائزة؟ فالجائزة التي تمنحها دار نشر أو مؤسسة خاصة أو جماعة ثقافية، تعبر في النهاية عن اختيار جهة ما، لها ذائقتها وتوجهاتها وحدود تمثيلها. أما حين تصدر الجائزة عن مؤسسة رسمية، أو جهة تحمل صفة رسمية، كما نرى في الكثير من دول العالم، فإن معناها يتجاوز قرار لجنة التحكيم. هنا تدخل الدولة نفسها، رمزيا على الأقل، طرفا في عملية الاعتراف الثقافي.
لهذا يصعب التعامل مع الجوائز الرسمية بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع بقية الجوائز. فالمبلغ المالي، مهما بلغ، يمثل الجزء الأقل أهمية. القيمة الحقيقية كامنة في الاعتراف الذي تمنحه. ثمة شيء قريب من البيان الرسمي يصدر لحظة إعلان اسم الفائز، يقول إن هذه التجربة جديرة بأن تمثل قيمة ثقافية وطنية تستحق الاحتفاء العام.
ولا يعني ذلك أن الدولة تصنع قيمة المبدع. القيمة الأدبية والفنية أكثر تعقيدا من أن يصنعها قرار حكومي، وكثير من المبدعين الكبار بنوا مكانتهم بعيدا عن المؤسسات والجوائز، وبعضهم مات قبل أن تنال تجربته الاعتراف الذي تستحقه.
ومن هنا يمكن قلب السؤال الذي يتكرر كلما تأخر تكريم كاتب أو فنان كبير: هل يحتاج هذا المبدع إلى الجائزة؟ ربما لا. قد يكون اسمه أكبر من الجائزة نفسها، وقد يكون منجزه ضمن له موقعا لا تستطيع جائزة أن تضيف إليه الكثير. لكن السؤال الأهم: هل تحتاج الجائزة إليه؟
في الغالب نعم. فالجوائز، مثل المبدعين، تصنع تاريخها. وإذا كان تاريخ الكاتب يتكون من مجموع أثره الكتابي، فإن تاريخ الجائزة يتكون من مجموع أسماء الذين اختارتهم. وبعد مرور عشرين أو ثلاثين عاما يبقى إرثها الحقيقي في قوائم الفائزين بها. حينها تتحول هذه القوائم إلى وثيقة ثقافية يمكن أن نقرأ من خلالها تصور المؤسسة الرسمية للقيمة في زمن معين.
هنا تحديدا تصبح مسألة الاستحقاق أكثر حساسية. فحين تمنح مؤسسة خاصة جائزتها لعمل متوسط أو لمبدع محدود الأثر، يمكن النظر إلى الأمر في نطاق ذائقة لجان التحكيم. أما المؤسسة الرسمية فتتحمل عبئا أكبر لأنها لا تختار من فراغ. كل اسم ترفعه إلى منصة التكريم يقف وراءه، بصورة غير مرئية، عدد من الأسماء التي لم تصعد إليها. ولذلك لا يكون السؤال دائما: من فاز؟ هناك سؤال مواز ربما كان أكثر أهمية: من الذي لم يفز؟
إذا كان تاريخ الكاتب يتكون من مجموع أثره الكتابي، فإن تاريخ الجائزة يتكون من مجموع أسماء الذين اختارتهم
يمكن لجائزة رسمية أن تستمر سنوات وهي تتجاوز شاعرا صنع تحولا حقيقيا في الشعر، أو روائيا ترك أثرا واضحا في تاريخ الرواية المحلية، أو ناقدا أسهم في تكوين معرفة جديدة، ثم تذهب في المقابل إلى تجارب يصعب العثور على أثر مماثل لها. هنا لا تعود المسألة مجرد اختلاف في الأذواق. فاختلاف الذائقة يستطيع تفسير المفاضلة بين تجربتين كبيرتين، لكنه يصبح تفسيرا ضعيفا عندما تتسع المسافة بين المنجزات إلى الحد الذي يصعب معه وضعها في ميزان واحد.
التكريم بطبيعته، عملية اختيار، وكل اختيار يتضمن استبعادا. لهذا قد تحمل الجائزة أحيانا معنى لم تقصده الجهة التي منحتها. قد تريد الاحتفاء باسم، فإذا بها تعلن من حيث لا تريد، تجاهل أسماء أخرى. وقد تريد أن تقول: هذا مبدع يستحق اعترافنا، فتكون الرسالة التي يسمعها الوسط الثقافي: هؤلاء الذين أنجزوا أكثر منه لا يستحقون الاعتراف نفسه.
من هنا تنشأ تلك الحالة الغريبة التي يمكن تسميتها "التكريم بغرض الإهانة". بالطبع لا توجد جهة رسمية تؤسس جائزة كي تهين المبدعين، ولا لجنة تجتمع بقصد توجيه الإساءة إلى الذين لم تخترهم. لكن الأفعال العامة لا تقاس بالنوايا وحدها. هناك أيضا ما تنتجه من دلالات. وعندما يختل معيار التكريم بدرجة كبيرة، يستطيع فعل إيجابي في أصله أن ينتج معنى معاكسا تماما.
الإهانة هنا لا تقع على المبدع المكرم فهو غير مسؤول عن قرار اللجنة، ولا ينبغي أن يتحول إلى متهم بسبب تكريمه. إنها تقع على فكرة الاستحقاق نفسها، وعلى الجهة المستسهلة، وغير المقدرة لخطورة الموقف.
ويمكن أن يصبح عدم حصول المستحق على بعض الجوائز، للمفارقة، جزءا من تاريخ الجائزة أكثر مما هو جزء من تاريخ المبدع. نحن نتذكر أحيانا أن كاتبا كبيرا لم يحصل على جائزة ما، ولا يغير ذلك شيئا في مكانته، لكنه يغير نظرتنا إلى الجائزة. النقص يسجل عليها هي، لأن المبدع يستطيع أن يكمل تاريخه من دونها، بينما يصعب على الجائزة أن تكتب تاريخها من دون أن تسأل عن سبب غياب أهم الكتاب.
الجائزة الرسمية لا تختار فائز العام وحده. إنها تشارك، من حيث تدري أو لا تدري، في كتابة الذاكرة الثقافة
ولا يعني هذا أن تتحول الجوائز إلى نظام للأقدمية، أو إلى تكريم دوري للأسماء الأشهر. فقد تكون تجربة شابة أكثر أصالة وأهمية من تجربة عمرها أربعون عاما. عدد الكتب والعمر والشهرة ليست معايير كافية للاستحقاق. ما ينبغي أن يشغل الجائزة هو المنجز والأثر والإضافة، وقدرتها على تمييز القيمة الثقافية الحقيقية وسط الضجيج الذي يصاحب الحياة الثقافية في كل زمن، فالجائزة الرسمية لا تختار فائز العام وحده. إنها تشارك، من حيث تدري أو لا تدري، في كتابة الذاكرة الثقافية، وأقسى ما يمكن أن يحدث لجائزة من هذا النوع، أن تأتي إجابة التاريخ مختلفة تماما عن إجابتها.