بعد مرور خمسة وعشرين عاما على هجمات 11 سبتمبر/أيلول تبدو القصة أكثر تعقيدا من مجرد الحديث عن تنظيم هُزم أو ما زال قائمًا؛ فهي في جوهرها إجابة سؤال: كيف تحوّل من المركزية إلى الفروعٍ الأكثر استقلالاً، ومن الهجوم المباشر إلى استراتيجيات البقاء، ومن خطط الضربة الواحدة إلى الشبكة التي تتغذى على الأزمات، ومن سياسة التمكين إلى الانتشار، ومن الإرهاب المعولم إلى المحلي.
تبدو "القاعدة" اليوم أمام مفارقة لافتة. إذ إن مركزها يتراجع دون أن ينهار، وأطرافها تتمدد دون أن تنفصل عن المرجعية الأصلية. وبين الانحسار المركزي والتمدد الإقليمي، تتشكل خريطة جديدة للتنظيم، لا تقوم بالضرورة على قوة القيادة المركزية بقدر ما تعتمد على قدرة الفروع على استثمار البيئات المحلية وبناء نفوذها داخلها.
وفق تقديرات مديرية الاستخبارات الوطنية (DNI)، مجلة "CTC Sentinel" من أكاديمية "ويست بوينت"، بالإضافة إلى تقرير "CSIS" حول الإرهاب العالمي. يحتفظ تنظيم "القاعدة" المركزي ببنية لا تزال مستمرة رغم الضربات التي تعرض لها، لكنه تراجع مركزيا مع نمو في الفروع الإقليمية، خاصة في أفريقيا. فيما أن القدرات المركزية أصبحت محدودة، بسبب قلة أعداد المستقطبين الجدد، والضغط العسكري المستمر. لكنه يحافظ على شبكات عالمية لجمع الأموال. إنتاج الإعلام. وإلهام الهجمات، مع إعلام قوي مثل "السحاب" ومجلة "Inspire" التي أعيد إطلاقها في 2023 لتقديم تعليمات صنع القنابل واستهداف الطيران المدني.
ويُقدر مؤشر الإرهاب العالمي ومراكز أبحاث غربية أن تنظيم "القاعدة" المركزي قد تقلص إلى 150-200 عنصراً فقط، مع قيادة ضعيفة يقودها وفق تقدير الولايات المتحدة (سيف العدل، محمد صلاح الدين زيدان)، من إيران، ونائبه عبد الرحمن المغربي. وتوجد تعليقات حول هذه المسألة في عدة نقاط: (هل بالفعل يقود سيف العدل "القاعدة"؟ إذ إن هناك تقارير غربية متنوعة بأن قائدا آخر فعليا يقود التنظيم، يرجح أن يكون أبو عبد الكريم المصري، أو أبو محسن المصري. حيث إن فروع المنظمة لا تقبل أن يقودها من يقبع في الإقامة الجبرية بطهران الشيعية، كما أن هناك جدلا قديما حول شخصية سيف العدل وعدم صلاحيته للقيادة العالمية).
كما أن هناك تقديرا بأن "القاعدة" تحول إلى شبكة من الفروع المستقلة نسبياً، مع المحافظة على روابط بالفروع، وتركيزه على إعادة بناء البنية التحتية في أفغانستان تحت حماية "طالبان"، لكن دون إعلان قائد رسمي بعد مقتل أيمن الظواهري في 2022. وفق سارة آدمز، العميلة السابقة في "CIA"، والخبيرة في شؤون مكافحة الإرهاب لـ"المجلة".


