أولريش زيغموند... الوجه المبتسم لليمين المتطرف الألماني

أدوات زيغموند في كسب الناخب

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أولريش زيغموند يتحدث إلى أنصاره إلى جانب زوجته جوليا زيغموند خلال فعالية الحزب الانتخابية

أولريش زيغموند... الوجه المبتسم لليمين المتطرف الألماني

كان الأسبوع حافلا في أوساط اليمين المتطرف الأوروبي. فقد عقد حزب "ريفورم يو كيه" البريطاني، الذي بدا حتى وقت قريب، وفق استطلاعات الرأي، في طريقه إلى الحكم، مؤتمرا في برمنغهام استضاف فيه جوردان بارديلا، رئيس حزب "التجمع الوطني" الفرنسي.

وفي الوقت نفسه تقريبا، احتشد في دوفر مئات الرجال الذين أخفوا وجوههم بالأقنعة وارتدوا السواد من الرأس إلى أخمص القدمين، حتى شلوا حركة الميناء. وبعد أيام، ظهر حشد مماثل في بورتسموث. وواضح أن هؤلاء لم يقصدوا الساحل لاغتنام آخر شمس الصيف، بل كانوا يحتجون على القوارب التي تنقل المهاجرين من فرنسا. أما بارديلا ونايجل فاراج، فكانا يعدان، في حال وصولهما إلى السلطة، بوقف هذه القوارب نهائيا.

قد يبدو ظهور أصحاب القمصان السوداء في دوفر نذيرا قاتما بما يكفي. غير أن الإشارة الأكثر إثارة للقلق جاءت من ولاية ألمانية صغيرة لا تحظى بكثير من الاهتمام. تقع ولاية "ساكسونيا أنهالت" على مسافة غير بعيدة من برلين، ومن أبنائها مارتن لوثر وهاندل ونيتشه، أما في السياسة فتفاخر ببسمارك. وكانت جزءا من ألمانيا الشرقية قبل إعادة توحيد البلاد. وهي اليوم أفقر ولايات ألمانيا، بسكان يتقدمون في السن واختلال ديموغرافي يميل لمصلحة الرجال. وقد أنتج هذا الخلل الديموغرافي بيئة خصبة لخطاب اليمين المتطرف، إذ وجد كثير من الرجال الذين بقوا في مناطق خلت من الشابات في هذا الخطاب متنفسا لسخط اجتماعي متراكم، تغذيه وحدة معيشية فعلية بقدر ما يغذيه القلق الثقافي.

إلى هذه المنطقة التي ترزح تحت ثقل الركود الاقتصادي جاء شاب ذو حضور لافت، ولد بعد أسابيع قليلة من إعادة توحيد ألمانيا، هو أولريش زيغموند. وهو كثير الابتسام، حتى حين يبدي امتعاضه من الصحافيين. وحين وصفته مجلة "دير شبيغل" بأنه أخطر رجل في ألمانيا، لم يلجأ إلى القضاء متهما المجلة بالتشهير، بل اشترى ما استطاع شراءه من نسخ العدد، وراح يوقعها لتصبح تذكارات يقدمها إلى معجبيه.

رويترز
أولريش زيغموند في صورة تذكارية مع أنصاره

إلى هذه المنطقة التي ترزح تحت ثقل الركود الاقتصادي جاء شاب ذو حضور لافت، ولد بعد أسابيع قليلة من إعادة توحيد ألمانيا، هو أولريش زيغموند. وهو كثير الابتسام، حتى حين يبدي امتعاضه من الصحافيين


وبهذا المزاج المسترخي، صعّب زيغموند على الصحافة السائدة مهمة شيطنته. الأقنعة المخيفة ليست من أساليبه، فهو يفضل السحر الشخصي. والمفارقة أن هذا الشاب الذي لم يعرف سوى ألمانيا الموحدة يجيد تسويق حنين لم يعشه شخصيا. فهو يجوب الطرق على دراجة بخارية كلاسيكية لطيفة المظهر، من طراز كان ينتج بكميات كبيرة في ألمانيا الشرقية، ليقدم نفسه حارسا لزمن استقرار مفترض سبق الأزمات التي دفعت إلى ألمانيا موجات متعاقبة من اللاجئين، من السوريين أولا ثم الأوكرانيين لاحقا.

وبالنسبة إلى الألمان المكلومين من التراجع الاقتصادي والساخطين على فريدريش ميرتس، المستشار الذي تُظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبيته إلى مستويات هي من الأدنى التي سجلها مستشار ألماني منذ سنوات، لا يبدو أولريش زيغموند خطرا. فهو يعرض عليهم صورة لبلد يستعيد عافيته، ويمنحهم من جديد حق الاعتزاز بثقافتهم.

فلماذا أثار نجاحه كل هذا القلق في ألمانيا؟

تنص الفقرة الأولى من برنامج المئة يوم الذي أعده حزبه "البديل من أجل ألمانيا"، على أنه سيشرع "منذ اللحظة الأولى" لوصوله إلى السلطة، في ترحيل من يصنفهم "مهاجرين غير نظاميين". ويعني ذلك عمليات ترحيل واسعة قد تشمل حتى أشخاصا يحملون الجنسية الألمانية الكاملة. وفي الأثناء، سيطلب من المهاجرين أداء أعمال متدنية المكانة.

ولجأ الحزب في الماضي القريب إلى توظيف رموز وإيحاءات نازية، فميّز بين الألمان "بالدم" والألمان "بجواز السفر". وقد جعلت هذه السياسات الحزب شديد التطرف حتى في نظر مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي. ولكنه، في المقابل، يحظى بإعجاب كبير من إيلون ماسك.

ومنحت الانتخابات في ساكسونيا أنهالت الحزب أفضل نتيجة يحققها حتى الآن، ورفعت حضور زيغموند السياسي بصورة كبيرة. ففي نظام انتخابي صمم بحيث يفرض عمليا تشكيل ائتلافات، حصل "البديل من أجل ألمانيا" على 43.8 في المئة من الأصوات، ولم يفصله عن الأغلبية المطلقة سوى ثلاثة مقاعد.

وجاءت النتيجة في وقت سجل فيه الحزب مستويات مرتفعة في استطلاعات الرأي تضاهي ما سجله حزب "ريفورم" في بريطانيا. ومنذ صعود النازيين قبل نحو قرن من الزمان، لم يحقق حزب من أقصى اليمين نجاحا مماثلا، وإن كان ذلك هذه المرة في ولاية لا يزيد عدد سكانها كثيرا على مليوني نسمة. وعندما رد فريدريش ميرتس على النتيجة ببيان، كان الذهول باديا عليه بوضوح. أما معظم الألمان فلم يفاجأوا كثيرا. وربما لم يفعل رد فعل المستشار سوى أن أكد مدى ابتعاده عن المزاج السائد في البلاد.

لكن زيغموند يوضح كيف يمكن تقديم السياسة المتطرفة في صورة أكثر قبولا حين يكون الهدف الوصول إلى السلطة. وقبل دخوله عالم السياسة، حاول ابن عاملين عاديين في ألمانيا الشرقية أن يشق طريقه بائعا للعطور. لكنه لم ينجح في إقناع شركات الحافلات بأن تعطير حافلاتها سيجعل ركابها أكثر رضا. واليوم، يبدو أنه يثبت أن السياسة المتطرفة نفسها قد تنتفع بقليل من العطر.

وهو يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بمهارة لإخفاء رائحة القومية العرقية التي تفوح من خطابه. وعلى "تيك توك"، يتابعه عدد يفوق متابعي أي سياسي ألماني آخر. بل إن صورته المرحة ترافقها أغنية شعبية خاصة، تتضمن اللازمة البهيجة: "نعيدهم الآن!"

رويترز
أولريش زيغموند يوقع نسخًا من مجلة دير شبيغل الألمانية، التي تتصدر صورته غلافه

 

تنص الفقرة الأولى من برنامج المئة يوم الذي أعده حزبه "البديل من أجل ألمانيا"، على أنه سيشرع، "منذ اللحظة الأولى" لوصوله إلى السلطة، في ترحيل من يصنفهم "مهاجرين غير نظاميين"

تكشف هذه اللازمة شيئا من الأفكار التي يروج لها. ويكشف الهتاف الذي يستقبله به أنصاره في التجمعات شيئا آخر. يهتف نصف الحشد "زيغ!"، فيرد النصف الآخر "موند!". وتحمل "زيغ" تلميحا ماكرا إلى التحية النازية.

وفي تورية أخرى من النوع نفسه، كثيرا ما تستقبل زعيمة الحزب أليس فايدل بهتاف "أليس فور دويتشلاند!"، أي "أليس من أجل ألمانيا!". أما عبارة "Alles für Deutschland"، أي "كل شيء من أجل ألمانيا"، فكانت شعارا نازيا معروفا، وسبق أن أوقعت عضوا بارزا آخر في الحزب، بيورن هوكه، في متاعب كبيرة مع القانون.

أما زيغموند فيفضل تجنب الإشارات المباشرة إلى الماضي. فقد وصف حكم هتلر ذات مرة بأنه إحدى أحط مراحل التاريخ الألماني، لكنه قال في مناسبة أخرى إنه لا يملك من المعرفة ما يكفي ليقرر ما إذا كانت المحرقة قد أظهرت أسوأ ما في البشر.

ويؤيد بائع العطور السابق من دون تحفظ مجمل السياسات القومية لحزب "البديل من أجل ألمانيا"، وهي سياسات تلتقي كلها في نقطة واحدة جامعة: إعادة تعريف الهوية الألمانية على أسس إثنية وثقافية صرفة، وتطهيرها مما يعتبره الحزب شوائب طارئة عليها. فعلى غرار النازيين في الماضي، يدعو الحزب إلى فن "وطني"، ويرفض الأعمال التي يراها انتقاصا من ألمانيا. ويريد وضع حد لما يسميه كراهية الألمان لذاتهم وشعورهم بالذنب حيال الحرب.

ويمتد هذا المشروع إلى قاعات الدراسة، إذ يريد الحزب مناهج تركز على ما يعتبره عصور المجد في التاريخ الألماني، بدل التركيز على فصول أكثر إشكالا من الماضي القريب. ويمتد أيضا إلى الفضاء العام، حيث تحل الأعلام الألمانية، في هذا التصور الضيق للوطنية، محل أعلام مجتمع الميم. أما على صعيد السياسة البيئية، فسيُلغى العمل بـ"الصفقة الخضراء الجديدة"، ليس بوصفها مجرد خيار اقتصادي بديل، بل لأن الحزب يرفض أصلا الاعتراف بعلم المناخ نفسه.

وتسري في خطاب الحزب نزعة واضحة معادية للإسلام. فهو يريد حظر الأذان، وفصل التلاميذ المسلمين عن غيرهم في المدارس بحيث لا يدرسون في الصفوف نفسها. وفي نهاية المطاف، يتطلع إلى ألمانيا خالية تماما من الإسلام.

أما المفاجأة الأكبر ربما فتتمثل في حماسه الشديد لروسيا. فقد وصف كيريل ديمترييف، المبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، انتصار الحزب في ساكسونيا أنهالت بأنه "فوز تاريخي لـ(حزب البديل من أجل ألمانيا) البرغماتي". وفي يونيو/حزيران، التقى في سان بطرسبورغ ماركوس فرونماير، المتحدث باسم الحزب للشؤون الخارجية في البوندستاغ. وقال ديمترييف عقب اللقاء: "أتطلع إلى بناء مستقبل عظيم مع حزب البديل من أجل ألمانيا، الحزب الأكثر شعبية في ألمانيا". وأضاف أن الرجلين بحثا التعاون الاقتصادي وإحياء الحوار التجاري بين روسيا وألمانيا والولايات المتحدة. كما تعهد الحزب بإعادة تدريس اللغة الروسية في المدارس الألمانية.

وتبقى فكرة "إعادة الهجرة" أكثر سياسات الحزب تميزا. ففي عام 2023، عقد عدد من شخصيات اليمين المتطرف اجتماعا سريا في بوتسدام. وهناك عرض مارتن زيلنر، المتطرف اليميني النمساوي والمتحدث السابق باسم حركة "الهوياتيين"، خطته الرئيسة لـ"إعادة الهجرة" القسرية، وتشمل طالبي اللجوء، والأجانب الحاصلين على حق الإقامة، وحتى المواطنين الألمان الذين يعدهم غير مندمجين.

لكن الاجتماع لم يبق سريا طويلا. وما إن كشفت الأفكار التي نوقشت فيه حتى هبطت شعبية "البديل من أجل ألمانيا" بصورة حادة، قبل أن يستعيد الحزب لاحقا ما خسره.

وكان أولريش زيغموند من أعضاء الحزب الذين حضروا اجتماع بوتسدام. وقد قال إن المطاعم الأجنبية ينبغي أن تختفي من المشهد العام، وإن الإقامة في ساكسونيا أنهالت يجب أن تصبح "غير جذابة" لزبائن تلك المطاعم.

وبحسب ليون مانغاساريان في مجلة "سبيكتاتور"، يواجه الرجل الذي وصف بأنه الأخطر في ألمانيا عقبتين أساسيتين: "أولا، لا توجد أموال كافية لتنفيذ ما وعد به حزب (البديل من أجل ألمانيا). وثانيا، صلاحيات رؤساء حكومات الولايات الألمانية محدودة". فلا يستطيع زيغموند استيراد الغاز الروسي الرخيص وإحياء خط "نورد ستريم"، كما لا يملك سلطة طرد المهاجرين، إذ إن القرار في المسألتين يعود إلى برلين أو إلى الاتحاد الأوروبي.

font change