عندما بدأت العمل في مجال مكافحة الإرهاب عام 1997، بصفتي محامية في وزارة العدل الأميركية، كان هذا المجال على أعتاب تحول عميق. فعلى مدى عقود، كان الإرهابيون، وفق العبارة الشهيرة للخبير براين جينكينز، يريدون "عددا كبيرا من المشاهدين، لا عددا كبيرا من القتلى".
وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، نادرا ما أوقعت عمليات خطف الطائرات أعدادا كبيرة من الضحايا. وشهدت تلك العقود اغتيالات وعمليات قتل مروعة، من أبرزها هجوم دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972، إلا أن منفذيها الإرهابيين كانوا يرون فيها، على الأقل، وسيلة لتحقيق غاية سياسية محددة، مثل إقامة دولة فلسطينية. وكان "كارلوس الثعلب" أشهر وجوه ذلك الجيل من الإرهابيين. فهذا القاتل المولود في فنزويلا تحول، على نحو غير متوقع، إلى أحد رموز المقاومة الفلسطينية، وظل اسمه وعملياته يتصدران اهتمام العالم طوال سبعينات القرن الماضي.
ولكن بحلول عام 2000، كان المشهد قد تغير تماما. فقد كنت آنذاك أعمل في اللجنة الوطنية المعنية بالإرهاب، وهي لجنة تابعة للكونغرس تضم أعضاء من الحزبين وتراقب التهديد المتنامي الذي يمثله تنظيم "القاعدة". وكنا نحذر من تحول عميق في عقلية الإرهاب، سيهز لاحقا منظومة الأمن الداخلي الأميركي: لم يعد الهدف اجتذاب أكبر عدد ممكن من المشاهدين فحسب، بل إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى أيضا.
وفي تلك المرحلة، برز أسامة بن لادن بوصفه الوجه الجديد للإرهاب العالمي، ليحل تدريجيا محل كارلوس. وبعد عام واحد، جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي دبرها لتحدث تحولا جذريا في منظومة الأمن الداخلي الأميركي، وتعيد رسم حدود المراقبة داخل البلاد، وتغير طبيعة الإرهاب على مستوى العالم.
يصدر كتاب جوبي واريك الجديد "الثعلب: صعود وسقوط كارلوس، أول إرهابي خارق في العالم"، في وقت يستعيد فيه الأميركيون سيرة بن لادن ويتأملون ما خلفه ربع قرن من الحرب على الإرهاب.

وقد يبدو كارلوس، للوهلة الأولى، شخصية تنتمي إلى زمن سبق هجمات 11 سبتمبر/أيلول وانقضى معها، لكن رواية واريك لحياته تدفع إلى مراجعة هذا التصور. فالصحافي المخضرم في صحيفة "واشنطن بوست" لا يقدم سردا مشوقا للحقبة التي مهدت لظهور بن لادن فحسب، بل يذكرنا أيضا بأن بصمة كارلوس لا تزال حاضرة في الطابع الاستعراضي الذي تتخذه أشكال كثيرة من الإرهاب المعاصر.
وحين يظهر كارلوس أخيرا في الكتاب، واسمه الحقيقي إيليتش راميريز سانشيز، يكون واريك قد قضى معظم الصفحات السابقة في بناء الترقب للقاء هذا القاتل سيئ الصيت، لكنه حين يصل إليه، يرسم مفارقة لافتة، فبدلا من الشخصية المهيبة أو المجرم الذي يبعث على الرهبة، يجد أمامه رجلا عاديا لا يثير الاهتمام.
كارلوس اليوم رجل في السبعينات من عمره، يقضي ما تبقى من حياته في سجن فرنسي، ولا يزال يتباهى أمام واريك قائلا: "كان ينبغي أن أقتل بضعة أشخاص آخرين". ويستعيد بحنين الأيام التي كان فيها مشهورا وفتاكا، فيما لا تزال المرارة تلازمه تجاه من خانوه وساعدوا على اعتقاله، لكن أكثر ما يبدو أنه يخشاه ليس السجن ولا الماضي، بل أن يطويه النسيان.



