أثار الفيلم الإسرائيلي "نازا" الذي عرض في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي، سجالا، أو للدقة، "ملامح سجال" فلسطيني وعربي، حول معنى وجدوى أن يقوم إسرائيليون بفضح ممارسات جيشهم وحكومتهم خلال حرب الإبادة. أقول ملامح سجال، أولا لأنّ أحدا، عدا جمهور المهرجان، لم يشاهد الفيلم فعلا، وبالتالي فإن الجدال هنا هو جدال مبدئي، لا يتعلق بما يكشفه الفيلم حقا، ولا بأسلوب معالجته، ولا بالخلاصات التي يمضي إليها. وثانيا، لأنه سجال انفعالي آني، سببه المباشر الضجة التي أثارها الفيلم عقب الخبر الذي شاع عن أن جمهور المهرجان صفق له لمدة 25 دقيقة متواصلة، فأثار ذلك حفيظة البعض، وذهبوا إلى المقارنة مع التصفيق الذي ناله من قبله فيلم "صوت هند رجب"، بل إلى حدّ اعتبار أن الأمر مقصود، المراد منه أن تتفوق رواية الإسرائيليين عن الإبادة على رواية العرب.
ليس مستبعدا بالطبع أن الاحتفاء الأوروبي بفيلم "نازا"، والذي ترجم أيضا إلى جائزة لجنة التحكيم، ربما يكون في جزء منه نابعا من شعور ما بالارتياح، لأن إسرائيليين هم الذين يروون هذه المرة الفظائع الإسرائيلية في غزة، وهذا يدفع عنهم، عن المهرجان في المقام الأول، تهمة "معاداة السامية" الجاهزة، أو الترويج لرواية الفلسطينيين، ويضع الفيلم في مقام آخر، هو مقام الشهادة من الداخل، ويخفف من عبء مواجهة إسرائيل نفسها كدولة احتلال وعنصرية وإبادة، بل ربما يعتبر فيه البعض شهادة تبرئة للمجتمع الإسرائيلي، وبالتالي يجد هذا البعض نفسه مرتاح الضمير بالوقوف ضد الاحتلال، دون الاضطرار إلى الذهاب إلى مناقشة حجم الخلل في بنية المجتمع الذي نشأ من رحم هذا الاحتلال.
ولكن، بما أن الفيلم الذي يمتد إلى ساعة وعشرين دقيقة، كما تقول المعلومات حوله، ويتناول شهادات 24 جندياً وعنصر استخبارات إسرائيلي، حول سلوك القوات الإسرائيلية في غزة، لم يعرض جماهيرياً، والأرجح أنه لن يعرض جماهيريا، بسبب طبيعته كفيلم وثائقي استقصائي، فالنقاش حوله حاليا هو بالفعل نقاش حول المبدأ: هل قيام إسرائيليين بصنع فيلم حول جرائم حكومتهم وجيشهم، هو "تبييض" لصفحة إسرائيل، للقول إن هذا المجتمع تعدّدي، فيه الصالح والطالح، وفيه المتطرف والمعتدل، وفيه المؤمن بالعدالة ومن يمارس القتل والإبادة؟
من يحق له بسرد الرواية؟
ثمة وجاهة أساسا في طرح السؤال، وأيضا في التشكيك نفسه. فحكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة ليست نبتا وحشيا، بل هي جاءت نتيجة الانتخابات الديمقراطية، وخلال حرب الإبادة، قلت حدّ الندرة تظاهرات الاحتجاج على الحرب، وكثرت حد التقزز مظاهر تعبير الشعب الإسرائيلي عن تأييده لما تقوم به هذه الحكومة، بل هناك من الإسرائيليين من جعل مشاهد قصف غزة وقتل المدنيين على مدار الساعة، موضوع نزهة وفرجة.



