فيلم "نازا" الإسرائيلي والسجال حول الأحقية في سرد الرواية

بين من يعتبر أنه "يبيض" صفحة إسرائيل ومن يجد فيه حجة عليها

REUTERS
REUTERS
المخرجان يوفال أبراهام وراشيل زور وفريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان البندقية السينمائي، 10 سبتمبر 2026

فيلم "نازا" الإسرائيلي والسجال حول الأحقية في سرد الرواية

أثار الفيلم الإسرائيلي "نازا" الذي عرض في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي، سجالا، أو للدقة، "ملامح سجال" فلسطيني وعربي، حول معنى وجدوى أن يقوم إسرائيليون بفضح ممارسات جيشهم وحكومتهم خلال حرب الإبادة. أقول ملامح سجال، أولا لأنّ أحدا، عدا جمهور المهرجان، لم يشاهد الفيلم فعلا، وبالتالي فإن الجدال هنا هو جدال مبدئي، لا يتعلق بما يكشفه الفيلم حقا، ولا بأسلوب معالجته، ولا بالخلاصات التي يمضي إليها. وثانيا، لأنه سجال انفعالي آني، سببه المباشر الضجة التي أثارها الفيلم عقب الخبر الذي شاع عن أن جمهور المهرجان صفق له لمدة 25 دقيقة متواصلة، فأثار ذلك حفيظة البعض، وذهبوا إلى المقارنة مع التصفيق الذي ناله من قبله فيلم "صوت هند رجب"، بل إلى حدّ اعتبار أن الأمر مقصود، المراد منه أن تتفوق رواية الإسرائيليين عن الإبادة على رواية العرب.

ليس مستبعدا بالطبع أن الاحتفاء الأوروبي بفيلم "نازا"، والذي ترجم أيضا إلى جائزة لجنة التحكيم، ربما يكون في جزء منه نابعا من شعور ما بالارتياح، لأن إسرائيليين هم الذين يروون هذه المرة الفظائع الإسرائيلية في غزة، وهذا يدفع عنهم، عن المهرجان في المقام الأول، تهمة "معاداة السامية" الجاهزة، أو الترويج لرواية الفلسطينيين، ويضع الفيلم في مقام آخر، هو مقام الشهادة من الداخل، ويخفف من عبء مواجهة إسرائيل نفسها كدولة احتلال وعنصرية وإبادة، بل ربما يعتبر فيه البعض شهادة تبرئة للمجتمع الإسرائيلي، وبالتالي يجد هذا البعض نفسه مرتاح الضمير بالوقوف ضد الاحتلال، دون الاضطرار إلى الذهاب إلى مناقشة حجم الخلل في بنية المجتمع الذي نشأ من رحم هذا الاحتلال.

ولكن، بما أن الفيلم الذي يمتد إلى ساعة وعشرين دقيقة، كما تقول المعلومات حوله، ويتناول شهادات 24 جندياً وعنصر استخبارات إسرائيلي، حول سلوك القوات الإسرائيلية في غزة، لم يعرض جماهيرياً، والأرجح أنه لن يعرض جماهيريا، بسبب طبيعته كفيلم وثائقي استقصائي، فالنقاش حوله حاليا هو بالفعل نقاش حول المبدأ: هل قيام إسرائيليين بصنع فيلم حول جرائم حكومتهم وجيشهم، هو "تبييض" لصفحة إسرائيل، للقول إن هذا المجتمع تعدّدي، فيه الصالح والطالح، وفيه المتطرف والمعتدل، وفيه المؤمن بالعدالة ومن يمارس القتل والإبادة؟

من يحق له بسرد الرواية؟

ثمة وجاهة أساسا في طرح السؤال، وأيضا في التشكيك نفسه. فحكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة ليست نبتا وحشيا، بل هي جاءت نتيجة الانتخابات الديمقراطية، وخلال حرب الإبادة، قلت حدّ الندرة تظاهرات الاحتجاج على الحرب، وكثرت حد التقزز مظاهر تعبير الشعب الإسرائيلي عن تأييده لما تقوم به هذه الحكومة، بل هناك من الإسرائيليين من جعل مشاهد قصف غزة وقتل المدنيين على مدار الساعة، موضوع نزهة وفرجة.

الجميع يدرك أن قلة يمكن وصفها بالنادرة في المجتمع الإسرائيلي، ما زالت تمتلك ضميرا أو حسأ أخلاقيا، وإن كان هناك تفاوت بين مواقف هؤلاء أنفسهم

لم تكن تلك مجرد مشاهد متفرقة يمكن ردّها إلى متطرفين هنا أو هناك. ففي استطلاع أجراه "مركز بيو للأبحاث" بين مارس/ آذار وأبريل/ نيسان 2024، رأى 39 في المئة من الإسرائيليين أن الرد العسكري في غزة كان بالمقدار المناسب، فيما رأى 34 في المئة أنه لم يذهب بعيدا بما يكفي، مقابل 19 في المئة فقط اعتبروا أنه تجاوز الحد. وتصبح الصورة أكثر دلالة عند فصل مواقف اليهود الإسرائيليين عن العرب: إذ لم ير سوى 4 في المئة من اليهود الإسرائيليين أن الرد العسكري تجاوز الحد، مقابل 74 في المئة من العرب الإسرائيليين.

وقد بدا الكاتب الإسرائيلي المناهض للصهيونية آلون مزراحي مدركا لهذه المعضلة حين علق على هذا الجدال بالقول: "الفلسطينيون يعيشون في قلب المأساة، ثم يأتي اسرائيليون ويصورون أفلاماً عن عذابات هؤلاء، ويفوزون بالجوائز. لن أدافع عن هذه الظاهرة، فهذا قد يبدو إهانة مروعة، وأنا أشارككم هذا الشعور"، قبل أن يضيف: "هناك إسرائيليون أنقياء، يتألمون ويشعرون بالإهانة في الصميم، جراء عار الفصل العنصري والإبادة الجماعية، هؤلاء هم أقلية ضئيلة للغاية، كسر بسيط من المجتمع الإسرائيلي اليهودي".

REUTERS
يوفال أبراهام وراشيل زور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلم «نازا» خلال اختتام مهرجان البندقية السينمائي، 12 سبتمبر 2026

نعم، الجميع يدرك إذن أن قلة يمكن وصفها بالنادرة في المجتمع الإسرائيلي، ما زالت تمتلك ضميرا أو حسا أخلاقيا، وإن كان هناك تفاوت بين مواقف هؤلاء أنفسهم. فمنهم، وهم الأندر، من أمثال مزراحي وبابيه وبارتوف وغروسمان... من يذهب إلى الاعتراف صراحة بأن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، ومنهم من يحصر الأمر بجرائم حرب "متفرقة" أو جرائم "فردية" (وهو غالبا موقف حكومة الاحتلال نفسها عندما لا تستطيع التنصل من ارتكاب جريمة ما)، ومنهم من لا يتجاوز مسألة إدانة الاحتلال والاستعمار والتمييز العنصري، ومنهم من يحصر كل خصومته مع المستوطنين المتطرفين، ولا يمضي أبعد من ذلك في تحليل أسباب وصول الحكومة الأكثر تطرفا في التاريخ لحكم إسرائيل. بدا لافتا أن آلون مزراحي اكتفى في منشوره بالدفاع عن المخرجة المشاركة في الفيلم راشيل زور، وأهمل ذكر شريكها يوفال إبراهام، بما اعتبره البعض نوعا من الاعتراف بالتحفظ المحيط بمواقف يوفال، خصوصا حين دافع عن رواية اغتصاب النساء في 7 أكتوبر، وهي الرواية التي اعتبرت، جنبا إلى جنب قصة "حرق الأطفال" ذريعة من ذرائع التوحش التالي.

بالطبع، يغيب عن آلون مزراحي، انطلاقا ربما من الحساسية المفرطة تجاه مظلومية الفلسطينيين، أن الفلسطينيين رووا ويروون بالفعل قصتهم، وأن الأصوات الإسرائيلية التي تشاركهم هذا الجهد، تكاد لا تذكر، أو أنها "كسر"، كما يصف مزراحي، من المشهد الأوسع. فهناك مئات الأصوات التي أخبرت بشتى السبل، بما فيها عبر الفنون والأدب، فصول الإبادة الجماعية، وأوصلتها إلى العالم، ولابد أن نذكر هنا ما يزيد عن 265 شهيدا في الجسم الإعلامي الفلسطيني وحده. لكن هذه قصة أخرى.

السؤال الأساس يبقى: هل يحق لإسرائيليين أن يرووا ما اقترفته دولتهم؟ وإن فعلوا ذلك، فهل يخدم ذلك بالفعل "صورة إسرائيل" كدولة تعددية ديمقراطية؟

المؤرخون الجدد

لدينا شواهد عدة عبر التاريخ المعاصر، بما في ذلك تاريخ الصراع مع إسرائيل، الذي يدحض ذلك أو على الأقل يقدم زاوية نظر مختلفة. بادئ ذي بدء نذكر من باتوا يسمّون بـ"المؤرخين الجدد"، لنتذكر أن نسف الرواية الدعائية الإسرائيلية حول نكبة 1948 جاء، في جانب مهم منه، على أيدي مؤرخين إسرائيليين، مستفيدين خصوصاً من فتح الأرشيفات الإسرائيلية بعد مرور نحو ثلاثة عقود على قيام إسرائيل. وكما هو معروف، فقد ظهر المصطلح في أواخر ثمانينات القرن الماضي، مع صدور مجموعة من الكتب التي أعادت النظر في الرواية الصهيونية التقليدية عن حرب 1948، ونذكر من هذه الأعمال على وجه الخصوص كتاب بيني موريس "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1949" (The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–1949)، وكتاب إيلان بابيه "بريطانيا والصراع العربي الإسرائيلي، 1948-1951" (Britain and the Arab-Israeli Conflict, 1948–1951)، وهي كتب ظهرت جميعها تقريباً في اللحظة نفسها، عام 1988.

نسف الرواية الدعائية الإسرائيلية حول نكبة 1948 جاء، في جانب مهم منه، على أيدي مؤرخين إسرائيليين، مستفيدين خصوصاً من فتح الأرشيفات الإسرائيلية

كان كتاب بيني موريس هو الأشد اتصالاً بالنكبة نفسها. فبالاعتماد أساساً على وثائق إسرائيلية وبريطانية وأميركية، أعاد موريس بناء وقائع خروج نحو 700 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، وقوض بذلك الرواية الإسرائيلية القديمة التي صورت النزوح الفلسطيني باعتباره خروجاً طوعياً أو استجابة لأوامر القيادات العربية. ووثّق حالات الطرد والعمليات العسكرية والمذابح والخوف الذي أحدثته، كما وثق القرار الإسرائيلي بمنع اللاجئين من العودة بعد انتهاء المعارك. وعندما أعاد إصدار الكتاب في نسخة موسعة عام 2004 بعنوان "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين: إعادة نظر" (The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited)، أتاحت له الأرشيفات العسكرية التي فُتحت لاحقاً إضافة تفاصيل أوسع عن القدس ويافا وحيفا وانهيار المجتمع الفلسطيني الحضري، وعن المعارك والفظائع التي أدت إلى تفكك التجمعات الريفية.

IMDB
فيلم «نازا» (2026)

والمفارقة في حالة موريس مفيدة بصورة خاصة، إذ أن الرجل لم يتحول إلى مدافع عن القضية الفلسطينية، بل اتخذ لاحقاً مواقف سياسية معادية للفلسطينيين، واختلف جذرياً مع إيلان بابيه حول ما إذا كان تهجير 1948 نتيجة خطة مسبقة شاملة للتطهير العرقي. لكن تحولاته السياسية اللاحقة لم تجعل الوثائق التي كشفها تختفي، ولم تجعل كتابه "تبييضاً" لإسرائيل. على العكس، أصبحت أبحاثه من المراجع الأساسية في نقض جانب جوهري من الرواية التي بنت عليها إسرائيل تفسيرها لنشوء مشكلة اللاجئين.

أما إيلان بابيه، فمضى أبعد من موريس في الخلاصة السياسية والأخلاقية التي استخلصها من إعادة قراءة 1948. وبعد أعماله المبكرة، وصل في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" (The Ethnic Cleansing of Palestine)، الصادر عام 2006، إلى وصف ما جرى للفلسطينيين عام 1948 صراحة باعتباره عملية "تطهير عرقي"، ورأى أن إخراج الفلسطينيين لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، وإنما مرتبطاً بهدف إقامة دولة ذات أغلبية يهودية. وهنا صار الخلاف بينه وبين موريس مهماً بحد ذاته: فكلاهما ساهم في هدم الرواية القديمة عن مغادرة الفلسطينيين الطوعية، لكنهما اختلفا في تفسير الوثائق وفي وجود خطة مركزية مسبقة وفي التوصيف النهائي لما حدث.

وليس مهماً هنا حسم الخلافات بين هؤلاء المؤرخين، بل ملاحظة النتيجة الغريبة قياساً إلى النقاش الحالي: لم يقل العرب والفلسطينيون إن كتب هؤلاء المؤرخين ينبغي رفضها لأنها تمنح إسرائيل صورة المجتمع الديمقراطي القادر على نقد نفسه. بل أصبحت المكتبة التي أنتجها "المؤرخون الجدد"، على اختلاف مواقف أصحابها، أحد المصادر التي يستند إليها تفكيك الرواية الإسرائيلية الرسمية نفسها. لم تصبح النكبة أقل نكبة لأن وثائق تؤكد فصولاً منها عثر عليها إسرائيلي في أرشيف دولته، مثلما لم يصبح الطرد أقل حقيقة لأن من وثقه يحمل جنسية الدولة التي قامت على أنقاض القرى التي طُرد أهلها منها.

مثقفو فرنسا وحرب الجزائر

لا تقتصر هذه المفارقة بطبيعة الحال على إسرائيل. فخلال حرب الجزائر، كان بعض أبرز من فضح التعذيب والقتل اللذين مارستهما الدولة الفرنسية فرنسيين. ففي عام 1958 نشر الصحافي هنري علاق كتابه الشهير "المسألة" (La Question)، وروى فيه بالتفصيل التعذيب الذي تعرض له على أيدي المظليين الفرنسيين بعد اعتقاله في الجزائر. صادرت السلطات الفرنسية الكتاب بعد أسابيع من صدوره، لكن مصادره ونسخه انتشرت وتحول إلى واحدة من أشهر الشهادات على التعذيب خلال الحرب الجزائرية.

لم تصبح النكبة أقل نكبة لأن وثائق تؤكد فصولاً منها عثر عليها إسرائيلي في أرشيف دولته

وفي العام نفسه نشر المؤرخ الفرنسي بيير فيدال-ناكي كتابه "قضية أودان" (L'Affaire Audin)، حول عالم الرياضيات الشاب موريس أودان، العضو في الحزب الشيوعي الجزائري، الذي اعتقله الجيش الفرنسي في الجزائر عام 1957 ثم اختفى. قالت الرواية العسكرية الفرنسية إنه هرب من الاعتقال، لكن فيدال-ناكي فكك الرواية الرسمية وخلص إلى أن أودان مات تحت التعذيب. وقد كرس المؤرخ الفرنسي بعد ذلك جانباً مهماً من عمله لتوثيق التعذيب الفرنسي في الجزائر، وصولاً إلى كتابه "جرائم الجيش الفرنسي: الجزائر 1954-1962" (Les Crimes de l'armée française: Algérie 1954–1962)، الذي جمع فيه الوثائق والشهادات المتعلقة بما ارتكبه الجيش الفرنسي خلال الحرب.

ولا يقتصر الأمر على المؤرخين والصحافيين. ففي سبتمبر/ أيلول 1960 ظهر "بيان الـ121"، واسمه الكامل "إعلان حول الحق في العصيان في حرب الجزائر"، ووقعه مثقفون وكتاب وفنانون فرنسيون بينهم جان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار، ومارغريت دوراس، وأندريه بروتون، وألان روب-غرييه، وناتالي ساروت وكلود سيمون، مدافعين عن حق الفرنسيين في رفض المشاركة في الحرب. وهكذا كان بعض أشهر ممثلي الثقافة الفرنسية في العالم هم أنفسهم من يتهمون دولتهم ويدافعون عن رفض القتال في حربها الاستعمارية.

فهل كانت كتب فيدال-ناكي ومواقف سارتر وشهادة هنري علاق "تبييضاً" لفرنسا، لأنها سمحت بالقول إن فرنسا مجتمع تعددي وديمقراطي ينتقد مثقفوه جيشهم؟ أم أنها، على العكس، كانت جزءاً من المعركة التي جعلت إخفاء جرائم الاستعمار الفرنسي أكثر صعوبة؟ لم يؤد كون سارتر فرنسياً إلى جعل إدانته للتعذيب شهادة لصالح الدولة الفرنسية، كما لم يكن ممكناً مطالبة الفرنسي المناهض للاستعمار بالصمت لأن الجزائري أحق منه، بطبيعة الحال، برواية تجربة الاستعمار.

REUTERS
فلسطيني نازح يقف على أنقاض مسجد مدمر وسط خيام في مدينة غزة، 11 فبراير 2026

مثقفو أميركا وحرب فييتنام

والمثال الأميركي في حرب فيتنام لا يقل وضوحاً. ففي ستينات وسبعينات القرن الماضي تحولت مناهضة الحرب إلى حركة ثقافية واسعة شارك فيها بعض أشهر كتاب الولايات المتحدة ومثقفيها وفنانيها. كتب نعوم تشومسكي عام 1967 مقالته الشهيرة "مسؤولية المثقفين" (The Responsibility of Intellectuals)، مهاجماً الدور الذي لعبه المثقفون والخبراء في تبرير السياسة الأميركية والحرب. وشاركت سوزان سونتاغ في الحركة المناهضة للحرب وذهبت إلى شمال فيتنام عم 1968، ثم كتبت عن تجربتها في "رحلة إلى هانوي" (Trip to Hanoi)، 1969. وشارك نورمان ميلر في مسيرة البنتاغون عام 1967، ثم حول التجربة إلى كتابه "جيوش الليل" (The Armies of the Night)، الصادر عام 1968، الذي نال عنه جائزتي بوليتزر والكتاب الوطني.

لم يؤد كون سارتر فرنسياً إلى جعل إدانته للتعذيب شهادة لصالح الدولة الفرنسية، كما لم يكن ممكناً مطالبة الفرنسي المناهض للاستعمار بالصمت لأن الجزائري أحق منه برواية تجربة الاستعمار

والحالة الأشهر خارج الوسط الثقافي كانت دانيال إلسبيرغ، الموظف السابق في وزارة الدفاع الأميركية، الذي سرّب عام 1971 ما عُرف لاحقاً بـ "أوراق البنتاغون"، وهي الدراسة السرية الضخمة التي أعدتها وزارة الدفاع عن تاريخ التدخل الأميركي في فيتنام. كشفت الوثائق الفجوة بين ما عرفته الإدارات الأميركية المتعاقبة في السر وما قالته للرأي العام عن الحرب. ولم تصبح "أوراق البنتاغون" دعاية لأميركا لأن أميركياً هو الذي سربها ولأن صحافة أميركية هي التي نشرتها. أصبحت، على العكس، واحدة من أشهر الوثائق التي قوضت صدقية الدولة الأميركية في روايتها عن الحرب. والمثال نفسه يستدعي شخصيات أخرى حوكمت أو تحاكم بتهمة فضح أسرار الدولة من قبيل إدوارد سنودن وتشيلسي مانينغ وجوليان أسانج.

مثقفو صربيا

كما يمكن العثور على المثال نفسه، وإن في ظروف مختلفة، خلال حروب تفكك يوغوسلافيا في التسعينات. ففي الوقت الذي لعب فيه جزء من النخبة الثقافية والإعلامية الصربية دوراً في تغذية القومية، وقف صرب في مواجهة نظام سلوبودان ميلوشيفيتش والقومية التي بررت الحرب. كانت المخرجة والكاتبة المسرحية بوركا بافيتشيفيتش من أبرز هؤلاء، وأسست في بلغراد عام 1995 "مركز إزالة التلوث الثقافي" (Center for Cultural Decontamination)، في تسمية تكاد تختصر موقفها من الثقافة القومية التي رافقت الحروب. ووقف المعماري والمفكر وعمدة بلغراد السابق بوغدان بوغدانوفيتش ضد القومية الصربية وميلوشيفيتش، قبل أن يغادر صربيا ويعيش في المنفى. كما كرست سونيا بيسيركو، مؤسسة لجنة هلسنكي لحقوق الإنسان في صربيا، جانباً كبيراً من عملها لمواجهة إنكار الجرائم التي ارتكبت باسم الصرب.

لا تجعل هذه الأمثلة فرنسا بريئة من الجزائر، ولا الولايات المتحدة بريئة من فيتنام، ولا الصرب أبرياء من الجرائم التي ارتكبت خلال حروب يوغوسلافيا، مثلما لا يجعل وجود إسرائيليين مناهضين للاحتلال أو الإبادة المجتمع الإسرائيلي بريئاً مما جري ويجري في غزة. فالخلط يقع هنا بين مستويين مختلفين: المسؤولية الجماعية والسياسية لمجتمع ودولة من جهة، وحق الفرد داخل ذلك المجتمع، بل مسؤوليته الأخلاقية، في أن يشهد ضد ما تفعله دولته من جهة أخرى.

ختاما، ففي وقت يتبرع فيه عرب للدفاع عن الإبادة الإسرائيلية بوصفها كانت "حربا ضد الإرهاب"، بل ويذهب بعضهم إلى شكر إسرائيل على جرائمها، ويعتبرها بعضهم "محررة" لهم، ويلقي باللائمة على الفلسطينيين على كل ما وقع لهم، فإن الحساسية المفرطة تجاه إسرائيلي قرر أن يروي رواية مغايرة ومناقضة لرواية حكومته، لا يجب أن تحاكم بما لاقته من تصفيق، أو بما حصدته من جوائز، بل من خلال موقعها في السجال الأخلاقي الكبير الدائر حول الإبادة، وما إذا كانت مؤشرا على تخلخل ما في الوعي الجماعي الإسرائيلي (ومعه الأميركي والغربي) حولها، أم أنها مجرد حدث عابر.

font change

مقالات ذات صلة