الألماس المخبري… الحجر الذي يهدد المناجم ويغري التكنولوجيا

نمو إنتاج الحجر الثمين في المختبرات يتحدى مفهوم اقتصاد الندرة

أ.ف.ب
أ.ف.ب

الألماس المخبري… الحجر الذي يهدد المناجم ويغري التكنولوجيا

"الألماس هو أفضل صديق للمرأة"، عبارة رسختها ماريلين مونرو في الثقافة الشعبية قبل أكثر من 70 عاما. وعبر السنين، اشتهر الألماس بكونه أكثر من مجرد حجر ثمين. فقد ارتبط بالحب والثراء والمكانة والرومانسية. لكنه حمل أيضا وجها آخر أقل بريقا. وجه الحروب و"ألماس الدم" والمناجم التي شكّلت لعقود العمود الفقري لصناعته.

أما اليوم فيتغير المشهد من جذوره. فالحجر نفسه يمكن أن ينمو داخل مختبر خلال أسابيع، وبسعر يقل كثيرا عن نظيره المستخرج من الأرض. وبينما يزداد إقبال المستهلكين على الألماس المخبري، تقف صناعة عمرها قرون لتتساءل هل تتغير قيمة الألماس إذا لم تعد ندرته مرتبطة بما في باطن الأرض؟ ويتبلور أيضا تحد آخر حول اقتصاد الندرة بحد ذاته وتغير مقوماته بفعل الطلب والتطور التكنولوجي.

ماس في مختبر؟ نعم. وهل له البريق نفسه؟ نعم. وسعره أقل؟ بالتأكيد! تبدو هذه معادلة نجاح متكاملة العناصر.

يتمتع الألماس المخبري بخصائص تجعل منه بديلا حقيقيا من الألماس الطبيعي، وليس مجرد حجر يشبهه. فهو يتكون من الكربون نفسه، وله البنية البلورية والخصائص الفيزيائية والبصرية ذاتها تقريبا، كما تبلغ صلادته 10 على مقياس موهس (وهي أعلى درجة على مقياس مقاومة الخدش) حسب معهد الأحجار الكريمة الأميركي (GIA). لكن الفارق الأساس يكمن في طريقة إنتاجه، إذ يمكن تصنيع معظم أحجامه خلال أقل من شهر، مقارنة بتكوّن الألماس الطبيعي خلال ملايين إلى مليارات السنين.

بدأ الألماس المخبري بالظهور في سوق الألماس نحو عام 2015. وتحول بعد ذلك إنتاجه إلى صناعة تفرض نفسها كتحول اقتصادي وبيئي مهم في سوق ظلت لسنوات مرتبطة بالندرة وبتكلفة استخراج عالية

ويُنتج الألماس المخبري أساسا بتقنيتي الضغط والحرارة المرتفعين (HPHT)، التي تستخدم ضغوطا تبلغ نحو 5 إلى 6 جيغاباسكال ودرجات حرارة بين 1,300 و1,600 درجة مئوية، أو الترسيب الكيميائي للبخار (CVD)، الذي يعمل عادة عند درجات حرارة بين 700 و1,200 درجة مئوية. ومن حيث الشكل، لا يمكن التمييز بين الألماس المخبري والألماس الطبيعي بالعين المجردة، ويتطلب تحديد الفروق بينهما استخدام معدات متخصصة تكشف أنماط النمو والشوائب المختلفة.

أ.ف.ب
ألماس مُصنّع في المختبر داخل مقر شركة "ديام-كونسبت" في باريس، فرنسا، أثناء نموّه في مفاعل بلازما، 23 سبتمبر/أيلول 2019.

ولم يخرج الألماس المخبري من منظومة التقييم والشهادات، إذ تصدر مؤسسات متخصصة مثل معهد الأحجار الكريمة الأميركي والمعهد الدولي للأحجار الكريمة (IGI) تقارير تحدد أصله المخبري وتقيّم خصائصه، بما في ذلك الوزن واللون والنقاء والقطع. لكن حصول الحجر على شهادة لا يجعله مساويا للألماس الطبيعي من حيث القيمة السوقية، إذ تفصل الندرة والعرض والطلب بين سوقي الحجرين. أما أبرز ميزاته الاقتصادية، فهي انخفاض سعره مقارنة بالألماس الطبيعي، مع إمكان إنتاج أحجار كبيرة وبدرجات جودة مرتفعة.

صُنّع الألماس الاصطناعي للمرة الأولى على يد شركة "جنرال إلكتريك" (GE) في خمسينيات القرن الماضي لأغراض صناعية. وفي عام 1971، نجحت الشركة في إنتاج ألماس مخبري بجودة تصلح للأحجار الكريمة، إلا أنه كان باهظ التكلفة ويميل إلى اللون الأصفر ويحتوي على شوائب معدنية، مما حال دون منافسته للألماس الطبيعي، واستُخدم لأغراض صناعية حتى عام 1991.

ومع التطورات التكنولوجية، وانخفاض تكاليف الإنتاج، والتخلص من العيوب، والقدرة على إنتاج أحجار بأوزان أكبر بالقيراط، بدأ الألماس المخبري بالظهور في سوق الألماس نحو عام 2015. وتحول بعد ذلك إنتاجه إلى صناعة تفرض نفسها كتحول اقتصادي وبيئي مهم في سوق ظلت لسنوات مرتبطة بالندرة وبتكلفة استخراج عالية.

إنتاج كبير ومتنام

تراجع إنتاج الألماس الطبيعي عالميا بصورة تدريجية خلال السنوات الأخيرة، من 128.3 مليون قيراط في 2015 إلى 120 مليونا في 2022، ثم 112 مليونا في 2023، و108 ملايين في 2024،  نحو 100 مليون قيراط في 2025، وفق بيانات نظام "عملية كيمبرلي" (Kimberley Process) التي تجمع إحصاءات إنتاج الألماس الخام من الدول المشاركة.

وبذلك يكون الإنتاج قد انخفض بنحو 22 في المئة خلال عقد. لكن التراجع في القيمة كان أشد وضوحا، إذ هبطت قيمة الإنتاج من 14.24 مليار دولار في 2015 إلى 9.2 مليارات في 2025، ومن 15.9 مليار دولار في 2022 إلى 9.2 مليارات في 2025، بانخفاض يقارب 42 في المئة خلال ثلاث سنوات.

يتمتع الألماس المخبري بخصائص تجعل منه بديلا حقيقيا من الألماس الطبيعي، وليس مجرد حجر يشبهه. فهو يتكون من الكربون نفسه، وله البنية البلورية والخصائص الفيزيائية والبصرية ذاتها تقريبا، كما تبلغ صلادته 10 على مقياس موهس

في المقابل، ترافق هذا التراجع مع نمو لافت في سوق الإنتاج المخبري. فوفق صندوق النقد الدولي، كان إنتاج الألماس المخبري الخام المخصص للمجوهرات أقل من مليون قيراط في 2015، ثم ارتفع إلى نحو 25 مليون قيراط متوقع في 2025. أي أن الإنتاج تضاعف أكثر من 25 مرة خلال عقد.

وتشير أحدث تقديرات محلل الصناعة إدهان غولان (Edahn Golan) إلى أن الإنتاج العالمي بلغ نحو 15–20 مليون قيراط في 2024. وتمثل مجوهرات الألماس نحو ثلث مبيعات المجوهرات عالميا. ومن المتوقع أن تنمو بمعدل يتراوح بين 4 و5 في المئة سنويا حتى عام 2028. وفي هذه السوق، يُتوقع أن ينمو الألماس المخبري بوتيرة أسرع، بنحو 15 إلى 16 في المئة سنويا، مع تزايد الإقبال عليه.

أ.ف.ب
فني في مختبر يراقب مراحل نمو بذور الألماس المُصنّع في المختبر، داخل منشأة شركة "غرين لاب دايموندز" للتصنيع في ضواحي مدينة سورات، الهند 6 فبراير/شباط 2024

في طبيعة الحال، أسهم صعود الألماس المخبري في زيادة الضغوط على الألماس الطبيعي، لكنه لم يكن السبب الوحيد وراء تراجع السوق. فقد تزامن انتشاره مع ضعف الطلب في الصين، وتراكم المخزونات في سلسلة التوريد، وارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، وتغير تفضيلات المستهلكين، خصوصا في أسواق رئيسة مثل الولايات المتحدة والصين.

من يصنع الألماس المخبري؟

تتركز صناعة الألماس المخبري بصورة واضحة في الصين والهند، مع حضور أميركي مهم، لكن ينبغي التفريق بين الإنتاج، والقطع والصقل، والاستهلاك. ووفق بيانات المعهد الدولي للأحجار الكريمة، استحوذت الصين والهند معا على نحو 80 في المئة من حجم إنتاج الألماس المخبري الخام عالميا في 2023، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة بحصة تقارب 10 في المئة.

وتتصدر الصين الإنتاج، خصوصا عبر تقنية الضغط والحرارة المرتفعين (HPHT)، التي تتيح إنتاج كميات كبيرة، ولا سيما الأحجار الصغيرة المستخدمة في المجوهرات، إضافة إلى الحبيبات والمساحيق الألماسية المخصصة للاستخدامات الصناعية. وتُظهر بيانات معهد الأحجار الكريمة الأميركي أن الصين أنتجت نحو 3 ملايين قيراط من الألماس المخبري بجودة الأحجار الكريمة في 2020، معظمها بتقنية HPHT، مقابل نحو 1.5 مليون قيراط للهند ومليون قيراط للولايات المتحدة.

استحوذت الصين والهند معا على نحو 80 في المئة من حجم إنتاج الألماس المخبري الخام عالميا في 2023، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة بحصة تقارب 10 في المئة

أما الهند فتحتل موقعا مهما في الإنتاج، خصوصا باستخدام تقنية الترسيب الكيميائي للبخار (CVD)، كما تستفيد من خبرتها التاريخية في قطع الألماس وصقله. وقدر المعهد الدولي للأحجار الكريمة حصة الهند من إنتاج الألماس المخبري العالمي بنحو 35 في المئة في 2023، فيما تشير بياناته إلى أن الهند كانت صاحبة 29 في المئة من صادرات الألماس المخبري المصقول عالميا في 2022. وتتركز الصناعة بدرجة كبيرة في سورات، التي تضم أكثر من 5,000 مصنع للقطع والصقل، فيما يقدر معهد الأحجار الكريمة الأميركي عدد مفاعلات CVD في الهند بنحو 4,000 إلى 6,000 مفاعل.

بدأ إنتاج الألماس المخبري يظهر عربيا في الإمارات، ولا سيما دبي، التي تحتضن عددا من المنشآت التي تنتج الأحجار بتقنية CVD وتنفذ مراحل النمو والقطع والصقل محليا. وفي المقابل، تتركز معظم الدول العربية الأخرى حتى الآن في تجارة الألماس المخبري أو تسويقه أو فحصه، وليس إنتاجه على نطاق صناعي واضح.

ماذا عن السوق؟

كقاعدة عامة، يعتمد سعر الألماس على القيراط واللون والنقاء والقطع، لذلك لا يوجد سعر واحد ثابت. لكن الفارق بين الألماس المخبري والطبيعي أصبح كبيرا جدا. فبحسب أحدث بيانات "برايت كو" (BriteCo)، بلغ متوسط سعر بيع قيراط الألماس المخبري في خواتم الخطوبة 2,057 دولارا في 2025، مقابل 8,428 دولارا للألماس الطبيعي، أي أن المخبري كان أرخص بنحو 76 في المئة.

وفي النصف الأول من 2026، انخفض سعر المخبري قليلا إلى 2,015 دولارا للقيراط، في حين ارتفع سعر الطبيعي إلى 8,703 دولارات. لكن عند مقارنة حجرين متساويين في المواصفات، يمكن أن يكون الفارق أكبر. فبيانات الأسعار الحالية تشير إلى أن حجر ألماس مخبري دائري بوزن قيراط واحد يمكن أن يباع بالتجزئة بنحو 545–560 دولارا، مقابل نحو 4,500–5,500 دولار لحجر طبيعي مماثل، حسب الجودة والمصدر.

رويترز
مجوهرات من الألماس المُصنّع في المختبر معروضة في مقر شركة "بيور غرون دايموندز" في وودبريدج، نيوجيرسي، الولايات المتحدة، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2017

وقد انخفضت أسعار الألماس المخبري بالجملة بنحو 90 في المئة منذ عام 2019، مما أتاح بيعه بأسعار أقل مع الحفاظ على هوامش إجمالية مرتفعة نسبيا في سوق التجزئة، تبلغ نحو 80 في المئة، وفق محلل صناعة الألماس "زيمنسكي" (Zimnisky). وأسهمت هذه الهوامش المرتفعة في تسريع انتشار الألماس المخبري عبر قنوات التوزيع في الولايات المتحدة. وإذا استمر اتجاه انخفاض الأسعار، فقد تتراجع حوافز متاجر التجزئة لتوزيعه.

وعلى الرغم من انتشار الألماس المخبري في سوق المجوهرات، لا تزال دور المجوهرات الفاخرة التقليدية، مثل "تيفاني" و"بولغاري"، تركز على الألماس الطبيعي، مما يعكس اختلافا في النظرة إلى قيمة الحجر ومكانته داخل سوق الرفاهية.

تصدرت منطقة آسيا والمحيط الهادئ سوق الألماس المخبري عالميا في 2025، بحصة بلغت 34.54 في المئة، ومن المتوقع أن تحافظ على موقعها خلال فترة التوقعات. وقدرت قيمة السوق في المنطقة بنحو 11.81 مليار دولار في 2026

حتى "دي بيرز"، التي دخلت سوق الألماس المخبري بعلامة "لايت بوكس" (Lightbox) عام 2018، أعلنت في 2025 التخلي عن النشاط والتركيز مجددا على الألماس الطبيعي.

ويكشف موقف مجموعة "أل في أم آش" (LVMH) عن تعقيد العلاقة بين الألماس المخبري وصناعة الرفاهية. ففي 2022، استثمرت ذراعها الاستثمارية "أل في أم آش لاكجوري فنتشرز" (LVMH Luxury Ventures) نحو 90 مليون دولار في شركة "لوسيكس" (Lusix) الإسرائيلية المتخصصة في إنتاج الألماس المخبري، في خطوة عكست اهتمام المجموعة بالتكنولوجيا وإمكاناتها في سوق المجوهرات. ولم يتوقف الأمر عند الاستثمار، فقد استخدمت دار "فريد" (Fred)، التابعة للمجموعة، ألماسا مخبريا أزرق بوزن 8.88 قيراطا في قطعة من المجوهرات الراقية عام 2023. ومع ذلك، لا يعني هذا تحول المجموعة إلى الألماس المخبري بديلا من الطبيعي. فقد أوضحت "أل في أم آش" لاحقا أن سياستها في المجوهرات لا تزال تعتمد على الألماس الطبيعي، فيما بقي استخدام الألماس المخبري مرتبطا بحالات محدودة واستثنائية.

أ.ف.ب
"ذا روك"، وهو ألماس أبيض على شكل كمثرى يبلغ وزنه 228.31 قيراطاً، وتُقدّر قيمته بين 20 و30 مليون دولار، جنيف، سويسرا، 6 مايو/أيار 2022

في المقابل، تبيع العلامات التجارية التي تستهدف شريحة السوق المتوسطة، الألماس المخبري، وهي اعتادت بيع أنواع أخرى من الأحجار المصنعة. وحسب تقرير نشرته "فوربس" في فبراير/شباط 2026، تقود الأجيال الأصغر، ولا سيما جيل الألفية والجيل "زد"، الطلب على الألماس المخبري، مدفوعة بعوامل عدة من بينها الاهتمام بالاعتبارات الأخلاقية والبيئية والتركيز على القيمة مقابل السعر، بما في ذلك حجم الحجر وجودته وشفافية مصدره، وتراجع أهمية منشأ الحجر التقليدي لمصلحة التعبير الشخصي واختيار ما يتناسب مع ذوق المشتري وميزانيته.

ويظهر هذا التحول بوضوح في سوق خواتم الخطوبة، إذ تشير بيانات "ذا نوت" (The Knot) إلى أن أكثر من نصف الأزواج المقبلين على الزواج يختارون ألماسا مخبريا، في تحول لافت عن الألماس الطبيعي الذي كان الخيار التقليدي شبه الحصري.

ولا يزال المشترون الأكبر سنا والأكثر ثراء يميلون بدرجة أكبر إلى الألماس الطبيعي، خصوصا في سوق المجوهرات الفاخرة والقطع المتوارثة والأحجار القابلة للاقتناء حسب "فوربس". ويرتبط الألماس الطبيعي لدى هذه الفئة بمفاهيم مثل الندرة، والقيمة العاطفية، واستمرارية الملكية عبر الأجيال، والقيمة الطويلة الأجل. وهي عناصر يستطيع الألماس المخبري أن يضيف إليها خيارات جديدة، لكنه لا يحل محلها بالضرورة.

خريطة سوق الألماس المخبري عالميا

تصدرت منطقة آسيا والمحيط الهادئ سوق الألماس المخبري عالميا في 2025، بحصة بلغت 34.54 في المئة، ومن المتوقع أن تحافظ على موقعها خلال فترة التوقعات. وقدرت قيمة السوق في المنطقة بنحو 11.81 مليار دولار في 2026، مدفوعة بقاعدة التصنيع الكبيرة في دول مثل الصين والهند، التي توفر إمدادات واسعة من الألماس المخبري. كما تدعم حكومات دول، من بينها الهند وتايلاند، تطوير الصناعة من خلال منح وتمويلات مخصصة للأبحاث.

 بلغت قيمة سوق الألماس المصنّع في المختبرات في السعودية 763.32 مليون دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 2.296 مليار دولار عام 2034

تحليل "ديب ماركت إنسايتس" (Deep Market Insights)

وفي الصين، بلغت قيمة سوق الألماس المخبري نحو 3.55 مليارات دولار في 2025، بما يعادل نحو 12.08 في المئة من الإيرادات العالمية. ويزداد إقبال المستهلكين الذين يركزون على سعر المنتج بسبب انخفاض تكلفته مقارنة بالألماس الطبيعي. كما يدعم الطلبَ الاستخدامُ الصناعي للألماس المخبري، ولا سيما في أدوات القطع والتلميع المستخدمة في قطاعي الإلكترونيات والإنشاءات. أما الهند فقد بلغت قيمة السوق نحو 2.86 مليار دولار في 2025، بما يمثل قرابة 9.71 في المئة من السوق العالمية، لتكون من أكبر الأسواق عالميا إلى جانب كونها مركزا رئيسا للإنتاج.

رويترز
أنابيلا تشان تقيس أحجار الألماس في متجر المجوهرات الخاص بها، حيث تبيع مجوهرات مصنوعة من الألمنيوم المعاد تدويره والمُكرّر، وأحجار كريمة مُصنّعة في المختبر بطرق مستدامة، في لندن، بريطانيا، 13 ديسمبر/كانون الأول 2023

وجاءت أميركا الشمالية في المرتبة الثانية عالميا بحصة بلغت 29 في المئة، وبلغت قيمة سوق الألماس المخبري فيها 8.61 مليارات دولار في 2025. ويسهم ارتفاع الطلب من المستهلكين ذوي الدخل المرتفع على المجوهرات التي تتضمن أحجارا مخبرية كبيرة الحجم في دعم نمو السوق. كما تساعد ثقافة التسوق الإلكتروني الراسخة في المنطقة على انتشار المنتج، عبر شركات مثل "بريليانت إيرث" (Brilliant Earth) و"جايمس آلن" (James Allen) التي تبيع الألماس المخبري عبر الإنترنت.

وفي الولايات المتحدة، بلغت قيمة السوق نحو 6.59 مليارات دولار في 2025، أي ما يعادل نحو 22.37 في المئة من المبيعات العالمية. وتعمل علامات مجوهرات عدة، من بينها "باندورا" (Pandora) و"كاي جولورز" (KAY Jewelers) على توسيع عروضها من الألماس المخبري استجابة للطلب المتزايد.

أما في أوروبا، فمن المتوقع أن تنمو سوق الألماس المخبري بمعدل 12.81 في المئة سنويا بين 2026 و2034، بعدما بلغت قيمته 6.23 مليارات دولار في 2025. ويسهم تزايد توجه المستهلكين الأوروبيين نحو المنتجات التي تراعي الاستدامة في دعم الطلب، خصوصا عندما يُنتج الألماس المخبري باستخدام مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات.

أما أسواق أميركا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا فمن المتوقع أن تشهد نموا معتدلا بين 2026 و2034. وبلغت قيمة سوق أميركا الجنوبية نحو 1.65 مليار دولار في 2025، مدفوعة خصوصا بتوسع الاستخدامات الصناعية للألماس المخبري في قطاعات مثل الآلات والتعدين، حيث يستخدم في أدوات الطحن والحفر.

في الولايات المتحدة، بلغت قيمة السوق نحو 6.59 مليارات دولار في 2025، أي ما يعادل نحو 22.37 في المئة من المبيعات العالمية

وعربيا، ووفق تحليل "ديب ماركت إنسايتس" (Deep Market Insights)، بلغت قيمة سوق الألماس المصنّع في المختبرات في السعودية 763.32 مليون دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 2.296 مليار دولار في عام 2034. مع الإشارة إلى أن المملكة استحوذت على 2.54 في المئة من حجم سوق الألماس المصنّع في المختبرات عالميا في عام 2025.

وستكون الإمارات العربية المتحدة السوق الأسرع نموا في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع توقع وصول حجم السوق فيها إلى 3.26 مليارات دولار في عام 2034.

أثر الألماس المخبري على قطاع التعدين

لا تقتصر تداعيات صعود الألماس المخبري على متاجر المجوهرات، بل تصل إلى المناجم والدول التي تعتمد عليها. فكلما استحوذ المخبري على جزء من الطلب، خصوصا في الشرائح الأكثر حساسية للسعر، ازدادت الضغوط على أسعار الألماس الطبيعي وربحية المنتجين، مما يدفع شركات التعدين إلى خفض الإنتاج وتأجيل بعض الاستثمارات.

ويظهر الأثر بصورة أوضح في اقتصادات مثل بوتسوانا وناميبيا، حيث انعكس ضعف سوق الألماس على الإنتاج والصادرات والإيرادات الحكومية والنمو الاقتصادي. لكن الألماس المخبري ليس المسؤول الوحيد عن هذا التراجع، إذ تزامن صعوده مع ضعف الطلب الصيني وتراكم المخزونات وتباطؤ سوق السلع الفاخرة عالميا.

وقد أدى انتشار الألماس المخبري إلى هبوط كبير في أسعار الألماس الطبيعي، مما انعكس مباشرة على مناطق تعتمد اقتصاديا على التعدين، ومنها منطقة كونو في سيراليون حسب تقرير نشرته الـ"بي بي سي" في 3 يونيو/حزيران 2026. فأُغلقت أكبر مناجم الألماس في سيراليون، بينما يجد عمال المناجم الحرفيون أنفسهم مضطرين للعمل ساعات طويلة أملا في العثور على أحجار صغيرة، من دون ضمان دخل ثابت.

هل للألماس المخبري خصائص بيئة؟

يمنح الألماس المخبري قطاع المجوهرات ميزة بيئية محتملة، لأنه يلغي الحاجة إلى التعدين وما يرتبط به من إزالة للأراضي ومخلفات واستهلاك للموارد. لكن هذه الميزة ليست مطلقة، إذ تستهلك عملية إنتاجه كميات كبيرة من الكهرباء، تقدرها "ماكنزي" بنحو 250 كيلوواط/ساعة لكل قيراط خام.

أ.ف.ب
مشهد عام لشاحنات نقل خامات من المنجم المكشوف في منجم جوانينغ للألماس بمدينة جوانينغ في بوتسوانا، 11 مايو/أيار 2023

بالتالي، يعتمد أثره المناخي بدرجة كبيرة على مصدر هذه الكهرباء. فالإنتاج المعتمد على الطاقة المتجددة يمكن أن يقلل الانبعاثات بصورة كبيرة، بينما قد تكون الميزة محدودة في البلدان التي تعتمد شبكاتها على الفحم. ولهذا لا يمكن اعتبار الألماس المخبري "صديقا للبيئة" تلقائيا، بل يتوقف أثره على كيفية إنتاجه ومصدر الطاقة المستخدمة.

صعود الألماس المخبري في قطاع التكنولوجيا

لا يتوقف صعود الألماس المخبري عند المجوهرات، فخصائصه الفيزيائية، ولا سيما قدرته العالية على توصيل الحرارة وصلادته ومقاومته للتآكل، تفتح أمامه أسواقا صناعية متنامية. ويُستخدم في أدوات القطع والصقل، والإلكترونيات وأشباه الموصلات، وأجهزة الاستشعار، كما يبرز كمادة واعدة لتبريد الرقائق ومكونات الحوسبة العالية الأداء.

ومع طفرة الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذه الاستخدامات، إذ تولد الرقائق ومراكز البيانات كثافة حرارية مرتفعة تحتاج إلى مواد قادرة على نقل الحرارة بكفاءة. وفي الصين، على سبيل المثل، بلغ تصدير الألماس المخبري عبر بورصة شنغهاي للألماس 1.41 مليار يوان (نحو 210 ملايين دولار) في النصف الأول من 2026، بزيادة 65.3 في المئة على أساس سنوي، فيما بدأت شركات وباحثون تطوير مواد قائمة على الألماس لتطبيقات تبريد أشباه الموصلات.

font change