منذ عنتر وعبلة وقيس وليلى، وقصص الحب العربية القديمة، التي تحولت إلى نصوص شعرية غاية في الجمال، والعالم يشك في أنها قصص متخيلة، حتى أصبح الشك هنا يمس قلب التراث الأدبي العربي. وبطبيعة الحال فإن الإجابة الدقيقة لا تعتمد سوى على التفرقة بين الحقيقة التاريخية والنسيج الأسطوري. فنماذج الحب الشهيرة مثل هؤلاء المخلدين، ليست قصصا خيالية بالكامل، أي إنها ليست من نسج الخيال المحض كقصص "السندباد" أو "ألف ليلة وليلة"، ولكنها تحولت مع مرور الزمن من أحداث واقعية إلى أساطير شعرية غنية بالخيال، وهو ما تؤكده دراسات كثيرة.
عنترة بن شداد مثلا، وشعره الذي لا غنى عنه، هو من أصدق وأقوى النماذج في تاريخ الأدب العربي، ومن يقرأه يجده مجسدا حيا لمعادلة الدم والدموع، بتلاحمه المذهل بين قسوة الحرب العنيفة من فخر وحماسة، وبين رقة العاطفة الإنسانية في غزله العذري، وجمال قدرته على الانتقال المفاجئ والسلس بين عالمين متناقضين تماما، من عالم السيوف والدماء إلى عالم الورد والحبيبة، وهو ما يجسده بيته الشهير:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني
وبيض الهند تقطر من دمي
فهل شعره العبقري الذي ليس كالشعر الجاهلي، والذي أغلبه ينبع من قضية وجودية حقيقية وهو يحارب من أجل انتزاع حريته والاعتراف به، نابع من قصة خيالية تاريخيا؟
عنترة شخصية حقيقية بلا شك، فهو شاعر وفارس معروف من بني عبس، وكانت هذه القبيلة تقع في المنطقة الممتدة بين أطراف الحجاز الشرقية وهضبة نجد، وهم عدنانيون، وديوانه الشعري يحمل تاريخا واضحا وصادقا عن معاركه، وكذلك قصة حبه لابنة عمه عبلة. لكن الخيال الشعبي الذي توسع في العصور الإسلامية المتأخرة، أضاف مئات البطولات والمبالغات الخيالية التي لم تحدث في واقع عنترة، حتى تحولت قصته وأصبحت تقع في منطقة رمادية، تماما كما حصل مع قيس. وكان هذا الأخير شابا من قبيلة بني عامر، وهم جيران بني عبس، وأغرم بليلى، حتى عرف بمجنون ليلى، بسبب قصائده لها، وهيامه بها، لكنّ كثيرا من المؤرخين والأدباء القدامى مثل الأصمعي وأبي الفرج الأصفهاني في كتاب "الأغاني" مثلا، شككوا في أن يكون كل هذا الشعر قد قيل من شخص واحد. وأن الشعراء العشاق الذين كانوا يخجلون من التصريح بحبهم في القبيلة كانوا ينسبون أشعارهم الغرامية لشخصية المجنون، مما جعله يتحول إلى أسطورة خيالية مبنية على أصل واقعي، بعد أن حولوا قصته إلى مغناطيس للشعر العذري، حيث نسبت له آلاف الأبيات الخيالية.
الخيال الشعبي الذي توسع في العصور الإسلامية المتأخرة، أضاف مئات البطولات والمبالغات الخيالية التي لم تحدث في واقع عنترة
من جهة أوضح، نتفق على أن الخيال في الحب الشعري ليس كذبا، بل هو أداة فنية احتاج إليها النص الشعري لصناعة نموذج مثالي في الثقافة العربية، أي صنع أيقونة للحب العذري النقي، كما تفعل السينما والأفلام اليوم، فاستخدمت القصة الأصلية لتمثيل التضحية المطلقة والجنون بالآخر، كما استخدمت قصة عبلة وعنترة لتمثيل الطبقية والعبودية.
وكل هذا لا يعني سوى الهروب من الرقابة الاجتماعية، التي كانت في صلب مجتمعات قبلية محافظة، حيث كانوا يرون في التغزل العلني بالنساء عارا قد يمنع الزواج، فكان الخيال والرمز والمجاز هو المتنفس الوحيد للشاعر ليقول ما يشاء دون ملاحقة.
وبالقدر ذاته، فإن قصة جميل بثينة واقعية جدا، وهي من أكثر القصص توثيقا وصدقا، فكان دور الخيال فيهما حول ابتكار صورة اللوعة والفراق، وأصبحت القصة مع الوقت دراما واقعية مؤثرة لم تحتج حتى للكثير من الخيال الشعبي لشهرتها الأصلية.
هؤلاء العشاق عاشوا ومضوا، لكن الخيال الشعري هو الذي منحهم الخلود، وأخذ الأدب العربي نواة حقيقية من مشاعر هؤلاء البشر، ونفخ فيها من خيال الشعراء ورواتهم حتى تحولوا من مجرد أشخاص عاديين إلى رموز عالمية للحب.
وهذا لا يقتصر على الجزيرة العربية، فظاهرة الواقع التاريخي مع الخيال الأسطوري في قصص الحب، ليست حكرا على التراث العربي، هي ظاهرة إنسانية عالمية. فنجد في بعض الثقافات الشرقية مثل الفارسية والصينية وحتى الغربية مثل اليونانية والأوروبية، قصصا تشبه تماما نموذج قيس وليلى، أو عنترة وعبلة، حيث تحول عشاق حقيقيون أو شبه حقيقيين إلى رموز خالدة بفضل الخيال الشعري والروائي، فكانت شيرين وخسرو، في التراث الفارسي، إلى الصين في عهد أسرة جين حيث قصة شابة تنكرت بزي رجل كي تتلقى تعليمها مع الذكور، فوقعت في حب زميلها، لتنتهي القصة بموتهما حزنا، ويأتي دور الخيال الشعبي الذي حولهما إلى فراشتين ملونتين طارتا معا في السماء، إلى حكاية روميو وجولييت التي خلدها شكسبير.
الإنسان لا يكتفي بالحقيقة الجافة، ويرغب بشدة في إعادة صياغتها ليترك لنا الجوهر النقي للحب البشري
والخلاصة هي أن الإنسان شرقا كان أم غربا لا يكتفي بالحقيقة الجافة، ويرغب بشدة في إعادة صياغتها ليترك لنا الجوهر النقي للحب البشري، ليبقى صالحا إلى الأبد، ومساحة راحة للإنسان المتعب.