لا ينبغي للعالم أن ينخدع بتلك التطمينات التي يرسلها الحوثي تباعا بشأن أمن الملاحة في باب المندب، لأن الميليشيا لم تقدم ضمانا دائما ومعلنا لحرية العبور، وكل ما فعلته أنها وزعت استثناءات مؤقتة بين السفن، وأبقت أخرى تحت التهديد، وربطت سلامة الآخرين بموقفهم من المواجهة الدائرة، وهذه ليست لغة طرف يحترم القانون الدولي، وإنما طريقة جماعة مسلحة تريد أن تعترف لها الدول ضمنيا بحق التصنيف والمنع والسماح، ريثما تستكمل تثبيت وجودها عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقد كشف القيادي الحوثي نصر الدين عامر جانبا من هذه المناورة في مقابلته الأخيرة مع بيرس مورغان، حين قال إن جماعته لا تستهدف الولايات المتحدة "حاليا"، ثم أوضح أن هجوم الحوثيين موجه إلى السعودية، وبالتوازي مع ذلك تحدثت تقارير عن تطمينات وصلت إلى الأميركيين، وأخرى تخص السفن الإسرائيلية، لكن هذه الرسائل لم تصدر في اتفاق معلن ولم تتضمن آلية تحقق أو مدة زمنية، وبقي تفسير السفينة الآمنة والجهة المعادية بيد ميليشيا الحوثي وحدها، وهي صيغة تمنح الميليشيا الوقت ولا تمنح العالم أمنا.
الحوثي يحتاج إلى هذا الوقت لأن تقدمه في المخا وذوباب وميون منحه قدرة متقدمة على تهديد المدخل اليمني لباب المندب، لكنه لم يمنحه سيطرة كاملة على المضيق، فجبهة كهبوب ما زالت متنازعا عليها، والمرتفعات وخطوط الربط والإمداد لم تتحول إلى عمق بري مضمون، كما بقي طريق تعز وعدن تحت سيطرة القوات الحكومية الشرعية بعد صد هجمات أخيرة، وتواصل القوات المسلحة اليمنية الضغط على مواقع الميليشيا وتحركاتها، لذلك تبدو التطمينات محاولة لتخفيف الضغط الخارجي وتأجيل أي رد دولي، إلى أن تعيد الجماعة ترتيب قواتها وتحصين مكاسبها الساحلية.
لا ينبغي للعالم أن ينخدع بالتطمينات التي يرسلها الحوثي تباعا بشأن أمن الملاحة في باب المندب، لأن الميليشيا لم تقدم ضمانا دائما ومعلنا لحرية العبور، وكل ما فعلته أنها وزعت استثناءات مؤقتة بين السفن
ولا يمكن قراءة هذه المناورة بعيدا عن السياسة الإيرانية، فطهران استخدمت مضيق هرمز طوال الأشهر الماضية ورقة تفاوض، وقيدت المرور ثم ربطت عودته الطبيعية بشروط سياسية واقتصادية في مفاوضاتها مع واشنطن، والحوثي يحاول نسخ الأسلوب ذاته عند باب المندب، يهدد حين يحتاج داعمه إلى رفع كلفة المواجهة، ويطمئن حين يحتاج إلى كسب الوقت، ثم يحتفظ لنفسه بحق تغيير القواعد متى تبدلت الحسابات، ومن يصدق التطمين المؤقت اليوم قد يجد نفسه غدا أمام ابتزاز جديد، لأن الميليشيا التي تملك زر التهديد لن تتخلى عنه طوعا بعد أن يعترف العالم بقيمته.
الأخطر أن العالم يتابع محاولة جماعة مصنفة إرهابية الاقتراب من التحكم بمضيق دولي بهذه الأهمية، وكأن اختلاف اسم الميليشيا أو التنظيم أو مذهبه يغير طبيعة الخطر، ولو وضعت "القاعدة" أو "داعش" يدها على الجزر والمرتفعات المطلة على الممر لما اكتفى أحد بتصريحات تطمينية، خصوصا أن تقارير فرق الخبراء والرصد التابعة للأمم المتحدة تحدثت عن تعاون عملي متزايد بين الحوثيين وتنظيم "القاعدة" و"حركة الشباب" الصومالية في التدريب والسلاح والتهريب، ثم جاءت واقعة مكة لتكشف حدود الخطاب ذاته، حيث اعترضت السعودية هجمات حوثية كانت متجهة إلى مكة المكرمة، بينما اكتفت الجماعة بالنفي دون دليل، واستمرت بعد ذلك في التصعيد ضد المملكة.
هذه التطمينات لا تغير حقيقة أن الحوثي يريد تحويل باب المندب إلى نسخة أخرى من هرمز، ولا يجعل وجوده المسلح عند المضيق أمرا يمكن التعايش معه، والمكاسب التي حققها على الساحل خطيرة لكنها لم تصبح واقعا نهائيا، إذ ما زالت المناطق الاستراتيجية المحيطة وخطوط الإمداد موضع مواجهة، وما زالت لدى القوات اليمنية الشرعية فرصة لاستعادة المبادرة، واليمنيون الذين دفعوا ثمن هذا المشروع يدركون أن حماية الساحل تبدأ بإخراج الميليشيا منه، وأن الطريق لن يتوقف عند المخا وميون، لأن عين الدولة ستظل على صنعاء، حتى يعود البحر لليمن وتعود العاصمة لأهلها.