طرابلس اللبنانية... من مدينة مهمّشة إلى بوابة لوجستية إقليمية

المرفأ والسكك والمنطقة الاقتصادية في سباق لإعادة رسم دور الشمال على خريطة التجارة

رويترز
رويترز
سفينة شحن تحمل حاويات في ميناء طرابلس بلبنان، 6 أغسطس 2020

طرابلس اللبنانية... من مدينة مهمّشة إلى بوابة لوجستية إقليمية

بعد عقود من تراجع دور مدينة طرابلس الشمالية الاقتصادي والتجاري، تعود المدينة اليوم إلى واجهة المشاريع التي يمكن أن تعيد وصل الساحل اللبناني بالداخل السوري والأسواق الإقليمية، مستندة إلى موقعها ومرفئها والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومشاريع النقل والاستثمار.

ففي الأشهر الأخيرة، برزت جهود لبنانية وإشارات سورية لإعادة طرابلس إلى خريطة التجارة والنقل الإقليمي. فقد رعى رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، في سبتمبر/أيلول الجاري، توقيع عقود ومذكرات تفاهم لمشاريع في المدينة، بعنوان "طرابلس: شراكات استراتيجية، مستقبل استثماري، وتنمية مستدامة"، بمشاركة المنطقة الاقتصادية الخاصة ومصلحة استثمار مرفأ طرابلس ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. ووضع سلام هذه المشاريع في إطار رؤية أوسع لمستقبل الشمال، مشيراً إلى أن موقع طرابلس ومرفأها والمنطقة الاقتصادية ومطار القليعات وشبكات النقل يمكن أن تتحول إلى "قوة اقتصادية فعلية".

من عقدة تجارية تاريخية إلى بوابة إقليمية مجدداً

لعبت مدينة طرابلس لقرون دوراً أساسياً كجزء من شبكة تجارية واسعة تمتد من المتوسط إلى حمص والعراق، كنقطة التقاء بين الساحل وبلاد الداخل، لكنها وبفعل ظروف إقليمية ومحلية تحولت تدريجياً من عقدة تجارية إقليمية إلى اقتصاد محلي يعاني ضعف الاستثمار وتعثر البنية التحتية.

ففي العهد العثماني، كانت المدينة الشمالية مركزاً تجارياً ترتبط حركته بالمدن الداخلية، ولا سيما حمص وحماة، فيما منحها موقعها على المتوسط وظيفة الوسيط بين الموانئ وشبكات التجارة المتجهة إلى الداخل.

ومع دخول القرن العشرين، تعزز هذا الدور مع تطور شبكة السكك الحديدية، وصولاً إلى ربط طرابلس بحمص، ثم اكتسب بعداً استراتيجياً أكبر مع النفط العراقي. ففي عام 1931 صودق على امتياز نقل النفط العراقي إلى المدينة، وفي عام 1934 بدأ تشغيل خط الأنابيب الذي نقل نفط كركوك عبر الأراضي السورية إلى طرابلس. وبعد ذلك، أُنشئت مصفاة طرابلس عام 1940 بطاقة بلغت 21 ألف برميل يومياً، لتصبح المدينة جزءاً من شبكة اقتصادية عابرة للحدود تربط العراق وسوريا ولبنان بالبحر المتوسط.

الموقع وحده لا يصنع دوراً اقتصادياً، بل المطلوب أن نؤمّن البنية التحتية والربط والخدمات والإدارة والبيئة الجاذبة للاستثمار

لكن هذا الدور بدأ يتراجع مع دخول لبنان في حرب أهلية استمرت لسنوات، وبعد انتهاء الحرب دخلت طرابلس في علاقة شديدة التعقيد مع نظام الوصاية السوري الذي كان حاضراً في كل التفاصيل السياسية والأمنية والاقتصادية في لبنان، وكان تأثيره في المدينة أكثر مباشرة من مناطق أخرى. حيث ساهم في إضعاف قدرة طرابلس الاقتصادية، عبر إبقاء مشاريع البنية التحتية والربط الاقتصادي متعثرة.

فتراجع دور طرابلس وقدرتها على أداء دورها كحلقة وصل تجارية، وكان إغلاق مطار القليعات أحد أبرز وجوه هذا التراجع. ومع انحسار حركة الترانزيت عبر سوريا بالتوازي مع تراجع دور المرفأ وتعطل شبكة السكك الحديدية، إضافة إلى توقف خط كركوك–طرابلس بعد التحولات السياسية التي شهدها قطاع النفط، ثم تعطل المصفاة خلال الحرب اللبنانية قبل أن تتوقف نهائياً عام 1992، تحولت المدينة من بوابة تجارية إقليمية إلى مدينة مهمشة ومهملة اقتصادياً وإنمائياً.

لكن بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا قبل نحو عامين، عادت المدينة إلى الواجهة من جديد من بوابة التجارة الإقليمية، والاهتمام هذه المرة ليس لبنانياً أو طرابلسياً فقط، بل هو أيضاً سوري وإقليمي، فهناك حراك سوري واضح لإعادة تفعيل شبكات النقل والربط مع لبنان.

أ.ف.ب
طائرة في مطار رينيه معوض في بلدة القليعات، بمحافظة عكار في أقصى شمال لبنان، في 6 يونيو 2026

ففي يونيو/حزيران، بحث رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري عمر الحصري في بيروت مع وزير الأشغال فايز رسامني "فرص التكامل والتعاون المرتبطة بمطار القليعات"، إلى جانب التكامل التشغيلي واللوجستي بين المطارات والشحن الجوي والخدمات اللوجستية.

وفي سبتمبر/أيلول، عاين وفد فني سوري مسار السكة الممتد من مرفأ طرابلس عبر المنطقة الاقتصادية ومطار القليعات ومعبر العبودية وصولاً إلى محطة العكاري في سوريا، تمهيداً لاستكمال الربط باتجاه حمص. وقال معاون وزير النقل السوري محمد رحال إن المشروع ينسجم مع توجه دمشق لتفعيل الربط الإقليمي وتعزيز حركة التجارة، فيما تحدث وزير النقل السوري يعرب بدر عن أهمية الانتقال من مجرد الترانزيت إلى تكامل أوسع في الإنتاج والتسويق والخدمات اللوجستية.

في هذا السياق، كشف وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني في حديث لـ"المجلة" أن "طرابلس أمام فرصة حقيقية للانتقال من دور محلي إلى دور لوجستي إقليمي على شرق المتوسط. لديها عنصر لا يمكن إنشاؤه بقرار، وهو الموقع: مرفأ قابل للتوسع، وقرب من الأسواق الإقليمية، وإمكانية للاتصال بالعمق العربي عبر سوريا".

لكنه أشار إلى أن الموقع وحده لا يصنع دوراً اقتصادياً، بل "المطلوب أن نؤمّن البنية التحتية والربط والخدمات والإدارة والبيئة الجاذبة للاستثمار. وهذا تحديداً ما نعمل عليه". وأضاف: "هدفنا أن يرتبط مرفأ طرابلس بالمنطقة الاقتصادية الخاصة والسكك الحديدية ومطار القليعات، وأن نعيد فتح امتداده البري عبر العبودية وحمص والشبكة السورية، ومنها مستقبلاً باتجاه العراق والأردن والخليج وتركيا".

واعتبر رسامني أن "التحولات في المنطقة ستنتج مسارات جديدة للنقل والتجارة، وعلينا أن نهيئ طرابلس لتكون جزءاً منها. هنا تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد: البحر من جهة، والعمق الإقليمي من جهة أخرى، وطرابلس بينهما".

طرابلس لا تفتقر إلى الموقع ولا إلى المقومات، بل إلى شبكة متكاملة تعيد وصلها بمحيطها وتحوّل موقعها البحري إلى حركة فعلية للبضائع والاستثمارات

وفي الإطار نفسه، أكّد مدير المنطقة الاقتصادية الخاصة الدكتور حسان ضناوي في حديث مع "المجلة"، أن "هناك لحظة إقليمية تحاول طرابلس الاستفادة منها لأقصى الحدود لإعادة تفعيل مرافق المدينة، فلا شك أن التغيير الإقليمي كان له تأثير على إعادة تفعيل دور طرابلس والذي هو دور تاريخي وليس مستجدا، ولكن بمرحلة معينة طويلة تعرضت هذه المدينة للظلم وسلب منها هذا الدور، ولكن اليوم هناك قرار حكومي واضح بإعادة تفعيل المدينة بكل مرافقها، هناك أيضا تحرك لتفعيل مصفاة طرابلس بداية عبر الصهاريج من العراق وإعادة تأهيل الخزانات، وهذا التحرك مهم للغاية كون المصفاة كانت على مدى أكثر من خمسين عاما مصدرا لآلاف فرص العمل، ومحرّكا أساسيا للاقتصاد اللبناني، وإدخال الأموال إلى المدنية. الحكومة فعليا، تقول لنا نحن سنكون الداعم لكل ما تحتاجه المدينة من تسهيلات تشريعية ولوجستية".

ولفت ضناوي: "إطلاق دور طرابلس اليوم لن يكون فقط محليا بالتأكيد، فمصفاة طرابلس لديها إمكانيات كبيرة لتكون ضمن الكوريدور اللبناني-السوري-العراقي، ومرفأ طرابلس بإمكانه أن يكون له دور أساسي في إعادة إعمار سوريا بحكم أن مرافئ سوريا تحتاج إلى سنوات لتصبح في جهوزيتها الكاملة، وبالتالي مرفأ طرابلس سيستفيد من هذا الأمر، وهذا يعني انتقال المدينة فعليا اليوم لتكون منصة لوجستية بامتياز بوجود مرفأ ومنطقة اقتصادية خاصة وسكة حديد ومطار القليعات والمصفاة، نحن اليوم منظومة متكاملة لديها إمكانيات التوسع، يمكننا القول إننا منظومة فريدة على ساحل شرق المتوسط".

وهذا أيض ما أكد عليه رسامني بأن "هناك مسارا واضحا تعمل الحكومة على تنفيذه لإعادة ربط مرفأ طرابلس بالحدود السورية عبر العبودية، ومنها إلى حمص والشبكة الحديدية السورية".

وأشار إلى أن "الملف انتقل من النقاش إلى العمل الفني. فقد شُكّل فريق لبناني-سوري مشترك، وبدأت المعاينات الميدانية وتحديث الدراسات وتحديد الاحتياجات الفنية ومتطلبات التنفيذ والتمويل. وأهمية هذا الربط أنه لا يجعل سوريا سوقاً للبضائع الآتية عبر طرابلس فحسب، بل ممر إلى أسواق أوسع من خلال شبكات النقل الإقليمية باتجاه العراق والأردن والخليج وتركيا".

الهدف الأساسي الداخل السوري والأسواق الإقليمية

في الأشهر الماضية، برز تصاعد الاهتمام التركي بتعزيز العلاقات مع لبنان، حيث لم يعد يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى التجارة والاستثمار والطاقة والبنى التحتية. ففي يوليو/تموز الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه رئيس الحكومة نواف سلام في إسطنبول إن بلاده "تولي أهمية لعلاقاتها مع لبنان"، مؤكداً أن أنقرة "تعمل على تطوير العلاقات الثنائية بين تركيا ولبنان". كما بحث الجانبان تعزيز العلاقات الثنائية، فيما أشارت الحكومة اللبنانية إلى توسيع التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والبنى التحتية، بما في ذلك مشاريع الربط الكهربائي والسككي بين تركيا وسوريا ولبنان.

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 22 سبتمبر 2026

في هذا الإطار، أكّد رسامني أن "تركيا تدخل ضمن الرؤية الأوسع للربط الإقليمي. فإذا نجحنا في ربط مرفأ طرابلس بالشبكة السورية، فإن أحد المسارات التي يمكن أن تفتح أمام حركة النقل والتجارة هو الاتجاه نحو تركيا، إلى جانب العراق والأردن والخليج".

ولفت: "ما نستطيع قوله اليوم هو أن تركيا تمثل إحدى الأسواق والامتدادات المحتملة لشبكة الربط الإقليمي. أما الحديث عن استثمارات أو شراكات تركية محددة، فلا توجد لدينا حالياً معلومات تسمح بالإعلان عنها".

إذن، طرابلس لا تفتقر إلى الموقع ولا إلى المقومات، بل إلى شبكة متكاملة تعيد وصلها بمحيطها وتحوّل موقعها البحري إلى حركة فعلية للبضائع والاستثمارات. فإذا تحوّلت مشاريع الربط والنقل والطاقة من خطط إلى خطوات تنفيذية، ستستعيد المدينة دورها كبوابة اقتصادية للبنان نحو الداخل العربي. أما إذا بقيت هذه المشاريع رهينة الوعود، فسيظل موقع طرابلس الاستراتيجي فرصة معلّقة، فهل ستشهد المدينة قريباً بدء تنفيذ مشاريع مؤجلة منذ عقود؟

من الآن حتى نهاية العام سيكون هناك تحديث لدراسة السكك الحديد الممولة من مرفأ طرابلس وسيتم تحديد عملية التلزيم، هل ستكون بالشراكة مع القطاع الخاص أم تمولها الدولة وتلزمها للقطاع الخاص لإدارتها

من هنا، كشف رسامني لـ"المجلة" عن المشاريع التي تتحضر للمدينة، بداية من مرفأ طرابلس، "هناك نحو 20 مشروعاً تطويرياً خلال السنوات الثلاث المقبلة، تشمل تطوير البنية التحتية والخدمات الجمركية والمستودعات والرقمنة وتوسعة محطة الحاويات.

وبالتوازي، نعمل على إعادة الربط السككي من المرفأ باتجاه الحدود السورية، وعلى استكمال الإطار الذي يسمح للمنطقة الاقتصادية الخاصة باستقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية، وعلى إعادة تشغيل مطار القليعات وتطوير الطريق المؤدي إليه".

ولفت رسامني إلى أن "هذا التكامل بدأ يترجم مؤسساتياً أيضاً: مرفأ طرابلس يساهم في تمويل تحديث دراسة خط السكك الحديدية إلى الحدود السورية، كما يساهم في تمويل دراسة الإطار القانوني والتنظيمي ونظام التراخيص للمنطقة الاقتصادية الخاصة... هذا هو النموذج الذي نريده: مؤسسات تتشارك الموارد والمسؤولية عندما يكون الهدف الاقتصادي واحداً".

أ.ف.ب
أحد أسواق مدينة طرابلس الساحلية، شمال بيروت، في 26 يناير 2021

وأكّد رسامني: "الأولوية اليوم هي الانتقال من البنية التحتية إلى النشاط الاقتصادي الذي يمكن أن تولده هذه البنية. في المرفأ، يجري إنشاء باحة حديثة للكشف الجمركي، وهناك مستودعات حديثة ومبردة، والعمل على (Port Community System)، إضافة إلى التوسع الكبير في قدرة محطة الحاويات: من نحو 250 ألف حاوية نمطية سنوياً إلى نحو 800 ألف في المرحلة الحالية، ثم إلى أكثر من 1.8 مليون وفق الخطة التوجيهية.

هذه الأرقام ليست هدفاً بحد ذاتها. زيادة القدرة يجب أن تترجم إلى خطوط ملاحية جديدة، ومشغلين واستثمارات وخدمات لوجستية وصناعية ذات قيمة مضافة، وبالتالي أعمال وفرص عمل جديدة.

ولهذا لا نقيس نجاح مرفأ طرابلس بعدد الحاويات وحده، بل بالاستثمارات التي يستقطبها، والأعمال التي يولدها، والأسواق التي يفتحها، وفرص العمل التي يخلقها. طرابلس ليست فقط مدينة تحتاج إلى التنمية؛ هي مدينة قادرة على إنتاجها".

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزراء من الحكومة اللبنانية في دمشق 9 مايو 2026

من جانبه، لفت حسان ضناوي إلى أن "هناك تعاونا مؤسساتيا على مستوى المدينة بين المنطقة الاقتصادية الخاصة ومرفأ طرابلس ونقابتي المهندسين والمحامين وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس، وبدعم من القطاع الخاص لإنجاز المشاريع في المدينة، فالتعاون أصبح واقع اليوم، ونتيجته تظهر قريبا، فمن الآن حتى نهاية العام سيكون هناك تحديث لدراسة السكك الحديد الممولة من مرفأ طرابلس وسيتم تحديد عملية التلزيم، هل ستكون بالشراكة مع القطاع الخاص أم تمولها الدولة وتلزمها للقطاع الخاص لإدارتها، كذلك الأمر بالنسبة إلى مشاريع المنطقة الاقتصادية الخاصة التي تعمل على تطوير النظم القانونية والتنظيمية- ونظام التراخيص، هذا التطوير يحتاج إلى عام، ولكن هذا لا يعيق مشاريعنا فمشروع تحضير دفاتر الشروط يفترض أن يكون جاهزا في شهر أكتوبر/تشرين الأول، ومن ثم إطلاق مرحلة المزايدة الرسمية مع بداية يناير/كانون الثاني 2027، أمّا المبنى الخاص بالمنطقة الاقتصادية فهو بحاجة إلى نحو 6 أشهر ليكون جاهزا، فالمنطقة الاقتصادية رغم أهميتها لم تكن تملك مكاتب خاصة خلال السنوات الماضية وظلت تنتقل من مبنى مستأجر إلى آخر".

اختبار التنفيذ والتمويل

ولكن هل ستعيق الأزمة المالية والتضخم الحاد الذي يمرّ به لبنان تنفيذ هذه المشاريع؟

في ضوء ذلك، لفت ضناوي إلى أن "هناك استعدادات من القطاع الخاص إضافة إلى اهتمام من شركات دولية، وبدعم من مرفأ طرابلس لحل المشكلة التمويلية، الأهم اليوم أن نثبت مبدأ العدالة والشفافية وأن نجري كل المناقصات بشكل شفاف، علينا أن نخرج من الفساد والمحسوبيات والصفقات المضرة. هناك ظرف إقليمي كنا نفتقده سابقا ودعم حكومي يعمل على تسهيل وتيسير الأمور علينا الاستفادة منهما لزيادة حظوظ لبنان وفرصه لكي يلعب دورا لوجستيا في المنطقة عبر إطلاق منصة كانت موجودة ولكن لم تكن مفعلة، واليوم نحن نريد تفعيلها وتوسعتها لكي نعيد دور لبنان الرابط بين الشرق والغرب".

لم تخسر طرابلس دورها التجاري بسبب عامل واحد، بل نتيجة تحولات إقليمية وحروب وتعطل السكك ومنشآت النفط وإغلاق مطار القليعات

وختم ضناوي: "هناك دور مهم يمكننا لعبه اليوم كبوابة لوجستية لسوريا والعراق، والدولة السورية مهتمة جدا بمرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة وهذا ما ظهر لنا بأكثر من محادثة، خصوصا أن سوريا لديها مناطق حرة وهي مناطق لوجستية، ولكن نحن لدينا أيضا صناعات خفيفة ومتوسطة ولوجستيات بإعفاءات ضريبية واسعة ولدينا نظام خاص يخولنا العمل على استقطاب الاستثمارات بتسهيلات مالية وإدارية، وهم يعرفون هذه الإمكانيات، وهدفنا اليوم في المنطقة الاقتصادية هو جذب كل الصناعات الخفيفة والمتوسطة واللوجستيات، لذلك نحن نتواصل مع الجميع من المملكة العربية السعودية وتركيا ودول أوروبية وخليجية، ومنفتحون على الجميع لتسويق المنطقة الاقتصادية الخاصة وخدماتها وخصوصا فيما يتعلق بخط سكة الحجاز الذي نعمل على ربطه مع سكة طرابلس، فالاستثمار في المدينة مفتوح أمام الجميع اليوم".

إذن، لم تخسر طرابلس دورها التجاري بسبب عامل واحد، بل نتيجة تحولات إقليمية وحروب وتعطل السكك ومنشآت النفط وإغلاق مطار القليعات. واليوم تملك المدينة مجدداً مقومات موقعها الإقليمي: المرفأ والمنطقة الاقتصادية والسكك والمطار وقربها من سوريا. لكن استعادة هذا الدور لن تتحقق بالموقع وحده، بل بتحويل مشاريع الربط والنقل والاستثمار من خطط إلى واقع. فالسؤال اليوم ليس ما إذا كانت طرابلس تملك مقومات البوابة الإقليمية، بل ما إذا كانت ستنجح في إعادة تشغيل الشبكة التي تجعل من هذه المقومات اقتصاداً فعلياً؟

font change