بعد عقود من تراجع دور مدينة طرابلس الشمالية الاقتصادي والتجاري، تعود المدينة اليوم إلى واجهة المشاريع التي يمكن أن تعيد وصل الساحل اللبناني بالداخل السوري والأسواق الإقليمية، مستندة إلى موقعها ومرفئها والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومشاريع النقل والاستثمار.
ففي الأشهر الأخيرة، برزت جهود لبنانية وإشارات سورية لإعادة طرابلس إلى خريطة التجارة والنقل الإقليمي. فقد رعى رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، في سبتمبر/أيلول الجاري، توقيع عقود ومذكرات تفاهم لمشاريع في المدينة، بعنوان "طرابلس: شراكات استراتيجية، مستقبل استثماري، وتنمية مستدامة"، بمشاركة المنطقة الاقتصادية الخاصة ومصلحة استثمار مرفأ طرابلس ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. ووضع سلام هذه المشاريع في إطار رؤية أوسع لمستقبل الشمال، مشيراً إلى أن موقع طرابلس ومرفأها والمنطقة الاقتصادية ومطار القليعات وشبكات النقل يمكن أن تتحول إلى "قوة اقتصادية فعلية".
من عقدة تجارية تاريخية إلى بوابة إقليمية مجدداً
لعبت مدينة طرابلس لقرون دوراً أساسياً كجزء من شبكة تجارية واسعة تمتد من المتوسط إلى حمص والعراق، كنقطة التقاء بين الساحل وبلاد الداخل، لكنها وبفعل ظروف إقليمية ومحلية تحولت تدريجياً من عقدة تجارية إقليمية إلى اقتصاد محلي يعاني ضعف الاستثمار وتعثر البنية التحتية.
ففي العهد العثماني، كانت المدينة الشمالية مركزاً تجارياً ترتبط حركته بالمدن الداخلية، ولا سيما حمص وحماة، فيما منحها موقعها على المتوسط وظيفة الوسيط بين الموانئ وشبكات التجارة المتجهة إلى الداخل.
ومع دخول القرن العشرين، تعزز هذا الدور مع تطور شبكة السكك الحديدية، وصولاً إلى ربط طرابلس بحمص، ثم اكتسب بعداً استراتيجياً أكبر مع النفط العراقي. ففي عام 1931 صودق على امتياز نقل النفط العراقي إلى المدينة، وفي عام 1934 بدأ تشغيل خط الأنابيب الذي نقل نفط كركوك عبر الأراضي السورية إلى طرابلس. وبعد ذلك، أُنشئت مصفاة طرابلس عام 1940 بطاقة بلغت 21 ألف برميل يومياً، لتصبح المدينة جزءاً من شبكة اقتصادية عابرة للحدود تربط العراق وسوريا ولبنان بالبحر المتوسط.




