أم كلثوم أبرزها... معارك عبد الحليم الفنية في "نصف حليم الآخر"

أجاد استخدام صداقاته للبقاء في الأضواء

Daniel SIMON/Gamma-Rapho via Getty Images
Daniel SIMON/Gamma-Rapho via Getty Images
المطرب المصري عبد الحليم حافظ خلال حفل في باريس، فرنسا، 17 سبتمبر 1974

أم كلثوم أبرزها... معارك عبد الحليم الفنية في "نصف حليم الآخر"

يكشف كتاب "نصف حليم الآخر – عبد الحليم حافظ معارك فنية ومواقف إنسانية" للكاتب المصري عادل السنهوري جانبا آخر من حياة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ (1929 - 1977) الذي بقي حاضرا بقوة من خلال أغانيه رغم مرور خمسين سنة على رحيله، مبتعدا عن جانب الرومانسية والحب ليكشف عن جوانب أخرى من حياة الفنان الشهير، متحدثا "عن الرجل الذي خاض معارك فنية شرسة، ودفع ثمنها شائعات واتهامات، وأغضب منه حتى أقرب أصدقائه، ثم عاد وصالحهم، لأن المعركة في جوهرها كانت حول الفن لا أكثر".

ذكاء "العندليب"

ارتبط عبد الحليم حافظ بعلاقات صداقة مع كبار الفنانين والشعراء، ويستعرض المؤلف طبيعة هذه العلاقات في فصل بعنوان "ذكاء حليم مع الكبار"، يؤكد فيه أن "العندليب الأسمر" "كان حريصا أن يظل محاطا بالكبار أمثال الشاعر والأديب كامل الشناوي، مصطفى وعلي أمين، إحسان عبد القدوس، صلاح جاهين، الروائي فتحي غانم، والأديب يوسف إدريس. ثم انتقل إلى الجيل التالي مع الإذاعي الكبير وجدي الحكيم، والكاتب الصحافي منير عامر، ومحمود عوض". ويضيف الكاتب: "وهنا نكتشف أن الإعلام كان يمنح عبد الحليم مساحات تتجاوز ما منحه لأم كلثوم. ولا يمكن أن نعزو ذلك إلا إلى جاذبية عبد الحليم. الذي كان قادرا على السيطرة على الإعلام".

من جانب آخر لم يكن عبد الحليم حافظ فقط ذلك الفنان الحالم المتسامح كما كنا نشاهده دائما من خلال الصورة الذهنية التي صدّرها لنا، وصارت راسخة في الوجدان حتى الآن، كما يقول الناقد الفني طارق الشناوي. فكبار الكتاب كانت لديهم القدرة على رسم صورة عبد الحليم حافظ بدقة، وهذا ما دفع كامل الشناوي (الذي غنى له حليم ثلاث قصائد هي "لا تكذبي" و"لست قلبي" و"حبيبها") إلى أن يطلق عليه تعبيرا صادقا صار لصيقا به "عبد الحليم يصدق إذا غنى، ويكذب إذا تكلم".

كان عبد الحليم حافظ حريصا أن يظل محاطا بالكبار ليبقى في بؤرة الإعلام الذي كان يمنحه مساحات تتجاوز ما منحه لأم كلثوم

ويكشف الكتاب عن الأسباب التي أدت إلى خلافات بين حليم وزملائه، قبل أن يسرد عددا ليس بالقليل من صراعاته مع عملاقة الفن: "كل شيء بالنسبة إلى حليم كان لديه وظيفة واحدة هي أن يضع عبد الحليم في مكانة خاصة، قد يضحي بصداقة صديق، قد يلجأ إلى الضرب تحت الحزام، قد يسطو على لحن أو ملحن أو شاعر أو قد يستخدم سلاح السخرية أو التشنيع".

غلاف "نصف حليم الآخر"

ربما لا يكون هذا الكلام دقيقا تماما، فالكتاب نفسه يورد تفاصيل كثيرة تبين جوانب مشرقة من شخصية العندليب "الذي كان يمتلك مكتبة كبيرة داخل منزله بالزمالك، وكان يفضل قراءة نجيب محفظ ويوسف السباعي ومصطفى محمود وأنيس منصور وتولستوي، ويقدم رؤيته في أدب وكتابات كل أديب، فيرى في أدب محفوظ أنه يحارب الفقر بأغنى أسلوب، فكل التصرفات الشاذة لأبطال قصصه مرجعها الفقر".

أما عن صديقه إحسان عبد القدوس فيرى فيه "كاتبا عصريا يناقش مشكلات الشباب ويدلي برأيه فيها بوضوح، وهو ليس كاتبا جنسيا، لكنه مرآة تنعكس عليها حقائق قد تؤلم الكثيرين ولكننا إذا كسرنا المرآة فلن نرى الحقيقة".

 AFP
المطربة المصرية أم كلثوم خلال حفل على مسرح الأولمبيا في باريس، 16 نوفمبر 1967

معارك فنية وأم المعارك مع "كوكب الشرق"

يستعرض المؤلف عددا من معارك عبد الحليم حافظ، موردا أنه عندما كان ينشب خلاف بينه وبين الملحن محمد الموجي، كان هذا الأخير يهدده بعد المصالحة: "كل ما تحصل بينا مشكلة هطلعك مطرب جديد".

يورد السنهوري أخبار "المعركة الكبرى" بين "العندليب" و"كوكب الشرق" أم كلثوم. التي وصلت إلى درجة إصابة "العندليب" بنزيف وسقوطه مغشيا عليه. وظلّ عبد الحليم لا يسمع أغاني أم كلثوم طوال 15 عاما بسبب الخلافات بينهما والغيرة الفنية، ولم يعاود الاستماع إليها إلا عندما بدأ محمد عبد الوهاب يلحن لها.

وبدأت المواجهة الحقيقية مع أم كلثوم عندما تجرأ حليم وقال رأيه في إحدى أغنياتها، بأن "هذه الأغنية ليست من مستواها". فاتصلت ثائرة بعبد الوهاب تهدد بأن على تلميذه عبد الحليم أن لا يتعدى حدوده وإلا ستعرف كيف تعلمه الأدب والتربية. فجاراها عبد الوهاب واستدعى عبد الحليم وعرف منه السبب وعاتبه قائلا: "يبدو أنك لا تعرف أم كلثوم جيدا إنها تغضب من أي نقد... اسمع يا حليم اتصل فورا واعتذر لها". ولما رفض، حذره عبد الوهاب بقوله: "هذا الموقف سوف يكلفك الكثير، أم كلثوم لما تغضب على واحد تقدر تحطمه وأنت مش قد معركة ضدها".

لم يكن عبد الحليم حافظ فقط ذلك الفنان الحالم المتسامح كما كنا نشاهده دائما من خلال الصورة الذهنية التي صدّرها لنا

وبدأت المواجهة بين حليم وأم كلثوم. أما المواجهة العلنية والمباشرة بينهما فحدثت في حفلة نادي الضباط بالزمالك في عيد ثورة 23 يوليو الثاني عشر عام 1964، حيث قررت أم كلثوم أن تلقن عبد الحليم درسا بما أنه سيختتم الحفل، فغنت وأطالت وتجاوزت وقتها بكثير. بعد ذلك صعد حليم إلى المسرح وعبر عن غضبه بكلمات صدمت الجميع: "منتهى الجرأة إني اختتم حفلة غنت فيها السيدة أم كلثوم، خصوصا بعد ما غنت اللحن العظيم "أنت عمري"، بس الحقيقة مش عارف هو شرف ولا مقلب إني أطلع متأخر ولا عشان أعرف الناس بتحبني قد إيه" ليستقبل الجمهور كلماته بالتصفيق والهتاف.

غضبت أم كلثوم وأمرت ألا يشترك معها في أي حفلة، وطلب الجميع من حليم وفي مقدمهم المشير عبد الحكيم عامر أن يعتذر لأم كلثوم عما قاله، فرفض ورأى أنه لم يخطئ وأصر على موقفه، فمنع بعد ذلك من الغناء في حفلات عيد الثورة. وتوالت الأحداث بينهما، واستمرت القطيعة نحو خمس سنوات حتى كان الصلح والقبلة الشهيرة من حليم التي طبعها على يد الست بعد إرضاء عبد الناصر له في حفلة خاصة في ذكرى تأميم القناة.

 AFP
المطرب المصري عبد الحليم حافظ في صورة تعود إلى أواخر ستينات القرن الماضي

مع محمد رشدي: فرقهما الفن وجمعتهما الحرب

لم يغفل الكاتب ذكر الخلافات التي حدثت بين حليم وأصدقائه من أمثال محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ووردة، لكن هذه الخلافات لم تصل حد القطيعة. كما يروي قصته مع الملحن بليغ حمدي وأغنية "أي دمعة حزن لا"، ناقلا تفاصيله عن الإعلامي الراحل وجدي الحكيم. فكان لدى عبد الحليم تقليد يحرص عليه أثناء بروفات أي لحن جديد، وهو أن يدعو بقية الملحنين إلى الحضور والاستماع إلى الأغنية وهي في طور الإعداد. وذات يوم كان يعمل على بروفة أغنية "رسالة من تحت الماء" التي عاد بها إلى ألحان الموسيقار محمد الموجي بعد سنوات من القطيعة بينهما، "وجلس بليغ يستمع إلى اللحن وهو يغلي من الداخل. وبمجرد انتهاء البروفة دخل حجرة عبد الحليم وأمسك بالعود وطلب من حليم أن يستمع إلى مقدمة أغنية "أي دمعة حزن لا". لم ينم عبد الحليم حتى الصباح وطلب من وجدي الحكيم أن يذهبا معا للبحث عن بليغ في كل مكان، لأن الجملة الموسيقية ظلت ترن في أذنه".

غضبت أم كلثوم وأمرت ألا يشترك معها في أي حفلة، وطلب الجميع منه وفي مقدمهم عبد الحكيم عامر أن يعتذر فرفض

كما ظهرت خلافات أخرى مع فنانين لأنه غنى أغنياتهم مثل "لا تكذبي" التي غنتها نجاة الصغيرة وأغنية "يا رايحين الغورية" التي عاشت بصوت محمد قنديل ولم يسمعها أحد بصوت "العندليب". أما المعارك التي خاضها حليم مع محمد رشدي خلال الستينات لاستمالة الشعراء والملحنين مثل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي فقد أدت، بحسب الكاتب، إلى إثراء الساحة الفنية، حيث قدم الاثنان أفضل ما عندهما. ولخص الموسيقار كمال الطويل ذلك بقوله: "لا بد من أن يعترف الجميع أن عبد الحليم حافظ ومحمد رشدي يقودان الآن مسيرة الغناء ولكل منهما لونه". لكن مرحلة المعارك الفنية والتراشق الصحافي انتهت بينهما مع نكسة يونيو/حزيران 1967 وبدء حرب الاستنزاف، وهو ما فرض مرحلة الاصطفاف الوطني والغنائي لعبور الهزيمة، ورفع الروح المعنوية للشعب والجنود. فذهب الاثنان إلى الجبهة لإحياء الحفلات وتحفيز الجنود وأصبح حليم ورشدي جنديين بصوتهما في المعركة.

 AFP
المطرب المصري عبد الحليم حافظ خلال حفل في "بيسين عاليه" بمنتجع عاليه الجبلي، شرق بيروت، عام 1959

مواقف إنسانية

خصص المؤلف مساحة للدكتور إبراهيم مجدي حسين، استشاري الطب النفسي بجامعة عين شمس عن رأي الطب النفسي في معارك "العندليب". فيتساءل هذا الأخير: "ماذا لو كانت وسائل التواصل موجودة في زمن حليم، أعتقد من خلال قراءاتي لما كتب عنه، ومشاهدتي لقاءاته التلفزيونية والصحافية وأقوال المقربين منه أنه ربما سيكون أكثر النجوم احترافا في استخدام السوشال ميديا، لأنه يمتلك ذكاء اجتماعيا أدرك مفهوم صناعة النجوم قبل غيره، فأحاط نفسه بزمرة رجال السياسة والسلطة والمثقفين وكبار الإعلاميين ونجوم المجتمع".

ويضيف: "البعض يقول إن حليم رغم رقته وطيبة ملامحه، امتلك شخصية قوية، ودخل في صراعات وعرف كيف يقضي على خصومه، وصوّر للجميع أنه الضحية، حتى معركته مع المرض استطاع من خلالها اكتساب التعاطف وواجه المرض حتى آخر لحظة، وهذا ليس عيبا في قواعد لعبة النجومية والشهرة".

يظهر الكتاب وجه حليم الآخر فقد كان طيب القلب، لكنه كان شرسا في معاركه الفنية التي لم تستثن أحدا

أما عن الوجه الإنساني لحليم فقد أبرزه المؤلف من خلال باب بعنوان "أيادي بيضاء في الحلوات وجامعة الزقازيق"، وفيه يسرد العديد من الأعمال الإنسانية له مثل إنشاء أول وحدة صحية في قريته الحلوات، وإدخال الكهرباء إليها. وجمع تبرعات من أهالي الزقازيق الميسورين ماديا، لبناء جامعة الزقازيق. كما أنه لم يتأخر، بحسب ما أكد المايسترو عادل صموئيل، عن مساعدة أي فرد من أفراد الفرقة، وكان يبحث دائما عن الشكل اللائق الذي يقدم به المساعدة كي لا يجرح أحدا. كما كان يقوم بمبادرات إنسانية للعمال أثناء تصوير بعض أفلامه، وغير ذلك الكثير من الأعمال الإنسانية.

font change