يتعامل الناقد المغربي عمر العسري في كتابه "خميلة الأنساب: الشعر وأنساقه" (خطوط وظلال، 2026)، مع الشعر "بوصفه شبكة معرفية مركبة تقترن بمنافذ مشرعة على مفاهيم ومعالم وعوالم متعددة"، على حد قوله. أي أنه ينصت الى الخطاب الشعري العربي المعاصر من نوافذ متعددة، سماها الأنساق، لأن كل نص شعري يبني خطابه الخاص، مما يجعل الفعل النقدي في هذا الكتاب فعل اجتراح الحقول التي تنبث منها القصيدة العربية المعاصرة، في تعددها الثقافي والحضاري والفكري والهوياتي.
أما الأنساب هنا فتشير إلى الامتداد الذي يربط النص الشعري بأصوله وروافده، تماما كما يربط النسب الفرد بجذوره، إذ "تبقى نفس الشاعر مشغولة بملاحظة بيئته، وهذا الفعل يأخذ مجراه من خلال الصور والتشبيهات التي تضع الكتابة بين مفترق الهوية الاجتماعية وبين تنامي المشاعر والأحاسيس". ينبه العسري في مقدمة كتابه إلى أن حدود هذا القياس بين خميلة الأنساب والشعر وأنساقه لا تستدعي رمزا شعريا يدل على رحابة هذا الجنس الكتابي وحدها، فهي إلى جانب ذلك تستدعيها معطى واقعيا ينفتح على أنساقه عبر مداخل متشابكة تلتف وتتكاثف، بما يفسح المجال لقراءة تجربة الشعر العربي المعاصر من منظورات عدة.
مفهوم النسق
يمهد عنوان الكتاب إذن لمفهوم مركزي يشتغل عليه المؤلف بأكمله، وهو مفهوم النسق. الذي يتجاوز هنا كونه قالبا جامدا يفرض على النص من خارجه، إذ يستحيل إلى بنية ثقافية وفنية وهوياتية متحركة، تتناسل من داخل الكتابة نفسها، وتخضع لمسار مضبوط تحكمه رؤية فنية ووعي كتابي وتقنية أدائية. يفسر هذا التصور لماذا استهل الكتاب بابه الأول بعنوان "التأسيس، الشعر وجدلية الأنساق"، إذ لا معنى لدراسة الأنساق قبل أن يبنى تصور نظري يوضح كيف تتشكل هذه الأنساق، وكيف تتصارع في ما بينها، وكيف تفرض إحداها هيمنتها على حقبة بعينها قبل أن تتراجع لتفسح المجال لنسق آخر، هو ما يعززه قول الناقد: "إن انفتاح الشعر على الأنساق الثقافية قد يسهم في تخليق الخطاب، وتوزيعه على مسارين متوازيين، الأول هو الاشتغال على اللغة، والاعتناء بها أكثر، والثاني يكمن في تمكن الشاعر من صياغة رؤيته الفنية الكتابية"، وهي رؤية لا تستقيم إلا بوصفها رؤية للعالم. وأما الجدلية التي يشير إليها العنوان فتغدو حركة دائبة تجعل من كل نسق شعري نتاجا لما سبقه، ومصدرا لما سيليه، في تواصل يشبه إلى حد بعيد نمو الخميلة ذاتها.


