نفذت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) خلال شهر أغسطس/آب 2026، عدة رحلات جوية، قامت بموجبها بترحيل أكثر من مئة شخص أجنبي من طالبي اللجوء من عدة جنسيات مختلفة شملت كوبيين وفنزويليين ونيكاراغويين وأفغاناً وإيرانيين ونيباليين وأتراكاً، إلىدول أخرى غير دولهم الأصلية، شملت ثماني دول أفريقية من بينها بوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية وإيسواتيني (سوازيلاند سابقاً) وليبيريا ورواندا وسيراليون، في إطار متسارع غير مسبوق في سياسة الترحيل إلى دول ثالثة التي تنتهجها الولايات المتحدةمنذ فترة. وقد أعلنت ليبيريا في 20 أغسطس 2026 عن قبولها الانضمام إلى هذه القائمة من الدول وعزمها استقبال حوالي 1200 مرحّل خلال عام، فيما وصلت الدفعة الأولى وسط رفض خمسة أشخاص النزول وتحويلهم إلى غينيا الاستوائية.
وقد كشفت تقارير أصدرتها منظمتا "حقوق الإنسان أولاً" و"اللاجئين الدولية" غير الحكوميتين في أغسطس 2026 عن ترحيل الولايات المتحدة قسراً لأكثر من 23 ألف شخص إلى 26 دولة ثالثة منذ يناير/كانون الثاني 2025، كثير منهم كانوا قد حصلوا سابقاً على حماية قضائية من الإعادة إلى بلدهم الأصلي بموجب قرارات "وقف أو منع من الإبعاد" (Withholding of removal)، وقد رفضت المنظمتان هذه السياسة بشدة، معتبرتين إياها انتهاكاً لمبدأ "عدم الإعادة القسرية"وتعريضاً للمرحّلين لخطر الاحتجاز التعسفي والإعادة المتسلسلة، في حين وثّقت تقارير متزامنة حالات احتجاز طويل الأمد في إيسواتيني وجنوب السودان. وقد تزامن ذلك مع صدور تقرير عن خدمة أبحاث الكونغرس في 24 أغسطس يلخص الإطار القانوني الأميركي والتحديات القضائية المستمرة.
ويأتي هذا التوسع الأميركي في سياق مقارن مع تجربة بريطانية سابقة مع رواندا، ألغيت عام 2024 بعد حكم المحكمة العليا بعدم مشروعيتها، ومع المساعي الأوروبية الجارية لإقامة "مراكز عودة" في دول ثالثة، والتي تواجه هي الأخرى انتقادات حقوقية واسعة من منظمات غير حكومية دولية، هذه التطورات تعيد طرح السؤال الجوهري: هل تشكل اتفاقيات ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة انتهاكاً لحقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، أم إنها ممارسة مشروعة ضمن حدود السيادة الوطنية؟

مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي
يُعد مبدأ "عدم الإعادة القسرية" (Non-refoulement)، هو حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين وحقوق الإنسان، وقد نصت عليه المادة 33 من اتفاقية جنيف لعام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، كما كرسته المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، ويُعتبر اليوم قاعدة قانونية ملزمة لجميع الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات، يُحظر بمقتضاها إعادة أي شخص إلى إقليم قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، ويشمل أيضاً "الإعادة القسرية المتسلسلة" عبر دولة ثالثة قد تعيده بدورها إلى مكان الخطر.
تُلزم هذه القواعد الولايات المتحدة بوصفها طرفاً في بروتوكول 1967 واتفاقية مناهضة التعذيب، غير أن سياسات الترحيل إلى دول ثالثة التي توسعت منذ 2025 أثارت انتقادات حادة من المنظمات الدولية، فقد اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أن أي نقل إلى دولة ثالثة يجب أن يسبقه تقييم فردي صارم لضمان عدم وجود خطر مباشر أو غير مباشر، وأن الدبلوماسية المالية أو الضغط السياسي لا يعفيان الدولة الناقلة من مسؤوليتها. وقد رفضت منظمات حقوقية دولية غير حكومية بارزة هذه السياسات، من بينها "العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش"، معتبرة إياها تفريطاً في مبدأ عدم الإعادة القسرية، كما أكدت اللجان الأممية المعنية بحقوق الإنسان ومناهضة التعذيب أن الضمانات الدبلوماسية غير كافية بذاتها، وأن غياب التقييم الفردي الفعال يشكل انتهاكاً واضحاً للالتزامات الدولية.
الأرقام والحقائق الميدانية
توسعت الإدارة الأميركية خلال عامي 2025-2026 بشكل لافت في تطبيق سياسة ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة، حيث نجحت في ترحيل أكثر من 25 ألف شخص من غير مواطني الدول المستقبِلة إلى ما لا يقل عن 29 دولة، فضلاً عن نحو 20 ألف عملية ترحيل إضافية إلى المكسيك وحدها منذ يناير 2025. وقد تم ذلك بموجب حزمة من الاتفاقيات الثنائية بين الولايات المتحدة من ناحية وعدة دول من ناحية أخرى شملت دولاً مثل بليز وكوستاريكا وبوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا الاستوائية وإيسواتيني (سوازيلاند سابقاً) وليبيريا ورواندا وسيراليون، كما أعلنت الإدارة الأميركية أنها فاتحت ما يقارب 58 حكومة لقبول هذا النوع من الترحيل، مستخدمة أوراق ضغط متعددة كالتهديد بفرض تعريفات جمركية أو حظر سفر أو تقييد تنقل الدبلوماسيين.

