اتفاقيات ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة... هل تنتهك حقوق الإنسان؟

تخلق حالة من عدم اليقين حول مصير الأفراد وضمانات حمايتهم

أ ف ب
أ ف ب
هايتيون ينزلون من قارب خفر السواحل "موهوك" في 22 أبريل 1994، وذلك بعد أن تم إنقاذهم -هم وأكثر من 400 لاجئ هايتي آخر- في 21 أبريل من قارب قبالة ساحل "ميامي بيتش"

اتفاقيات ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة... هل تنتهك حقوق الإنسان؟

نفذت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) خلال شهر أغسطس/آب 2026، عدة رحلات جوية، قامت بموجبها بترحيل أكثر من مئة شخص أجنبي من طالبي اللجوء من عدة جنسيات مختلفة شملت كوبيين وفنزويليين ونيكاراغويين وأفغاناً وإيرانيين ونيباليين وأتراكاً، إلىدول أخرى غير دولهم الأصلية، شملت ثماني دول أفريقية من بينها بوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية وإيسواتيني (سوازيلاند سابقاً) وليبيريا ورواندا وسيراليون، في إطار متسارع غير مسبوق في سياسة الترحيل إلى دول ثالثة التي تنتهجها الولايات المتحدةمنذ فترة. وقد أعلنت ليبيريا في 20 أغسطس 2026 عن قبولها الانضمام إلى هذه القائمة من الدول وعزمها استقبال حوالي 1200 مرحّل خلال عام، فيما وصلت الدفعة الأولى وسط رفض خمسة أشخاص النزول وتحويلهم إلى غينيا الاستوائية.

وقد كشفت تقارير أصدرتها منظمتا "حقوق الإنسان أولاً" و"اللاجئين الدولية" غير الحكوميتين في أغسطس 2026 عن ترحيل الولايات المتحدة قسراً لأكثر من 23 ألف شخص إلى 26 دولة ثالثة منذ يناير/كانون الثاني 2025، كثير منهم كانوا قد حصلوا سابقاً على حماية قضائية من الإعادة إلى بلدهم الأصلي بموجب قرارات "وقف أو منع من الإبعاد" (Withholding of removal)، وقد رفضت المنظمتان هذه السياسة بشدة، معتبرتين إياها انتهاكاً لمبدأ "عدم الإعادة القسرية"وتعريضاً للمرحّلين لخطر الاحتجاز التعسفي والإعادة المتسلسلة، في حين وثّقت تقارير متزامنة حالات احتجاز طويل الأمد في إيسواتيني وجنوب السودان. وقد تزامن ذلك مع صدور تقرير عن خدمة أبحاث الكونغرس في 24 أغسطس يلخص الإطار القانوني الأميركي والتحديات القضائية المستمرة.

ويأتي هذا التوسع الأميركي في سياق مقارن مع تجربة بريطانية سابقة مع رواندا، ألغيت عام 2024 بعد حكم المحكمة العليا بعدم مشروعيتها، ومع المساعي الأوروبية الجارية لإقامة "مراكز عودة" في دول ثالثة، والتي تواجه هي الأخرى انتقادات حقوقية واسعة من منظمات غير حكومية دولية، هذه التطورات تعيد طرح السؤال الجوهري: هل تشكل اتفاقيات ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة انتهاكاً لحقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، أم إنها ممارسة مشروعة ضمن حدود السيادة الوطنية؟

أ ف ب
وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل (يسار) ووزير الخارجية والتعاون الدولي الرواندي فينسنت بيروتا في مركز مؤتمرات كيغالي رواندا في 14 أبريل 2022 يتصافحان عقب توقيع اتفاقية ترحيل طالبي اللجوء الواصلين إلى المملكة المتحدة إلى روندا

مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي

يُعد مبدأ "عدم الإعادة القسرية" (Non-refoulement)، هو حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين وحقوق الإنسان، وقد نصت عليه المادة 33 من اتفاقية جنيف لعام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، كما كرسته المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، ويُعتبر اليوم قاعدة قانونية ملزمة لجميع الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات، يُحظر بمقتضاها إعادة أي شخص إلى إقليم قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، ويشمل أيضاً "الإعادة القسرية المتسلسلة" عبر دولة ثالثة قد تعيده بدورها إلى مكان الخطر.

تُلزم هذه القواعد الولايات المتحدة بوصفها طرفاً في بروتوكول 1967 واتفاقية مناهضة التعذيب، غير أن سياسات الترحيل إلى دول ثالثة التي توسعت منذ 2025 أثارت انتقادات حادة من المنظمات الدولية، فقد اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أن أي نقل إلى دولة ثالثة يجب أن يسبقه تقييم فردي صارم لضمان عدم وجود خطر مباشر أو غير مباشر، وأن الدبلوماسية المالية أو الضغط السياسي لا يعفيان الدولة الناقلة من مسؤوليتها. وقد رفضت منظمات حقوقية دولية غير حكومية بارزة هذه السياسات، من بينها "العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش"، معتبرة إياها تفريطاً في مبدأ عدم الإعادة القسرية، كما أكدت اللجان الأممية المعنية بحقوق الإنسان ومناهضة التعذيب أن الضمانات الدبلوماسية غير كافية بذاتها، وأن غياب التقييم الفردي الفعال يشكل انتهاكاً واضحاً للالتزامات الدولية.

الأرقام والحقائق الميدانية

توسعت الإدارة الأميركية خلال عامي 2025-2026 بشكل لافت في تطبيق سياسة ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة، حيث نجحت في ترحيل أكثر من 25 ألف شخص من غير مواطني الدول المستقبِلة إلى ما لا يقل عن 29 دولة، فضلاً عن نحو 20 ألف عملية ترحيل إضافية إلى المكسيك وحدها منذ يناير 2025. وقد تم ذلك بموجب حزمة من الاتفاقيات الثنائية بين الولايات المتحدة من ناحية وعدة دول من ناحية أخرى شملت دولاً مثل بليز وكوستاريكا وبوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا الاستوائية وإيسواتيني (سوازيلاند سابقاً) وليبيريا ورواندا وسيراليون، كما أعلنت الإدارة الأميركية أنها فاتحت ما يقارب 58 حكومة لقبول هذا النوع من الترحيل، مستخدمة أوراق ضغط متعددة كالتهديد بفرض تعريفات جمركية أو حظر سفر أو تقييد تنقل الدبلوماسيين.

تستند الإدارة الأميركية في ترحيل الأجانب إلى دول ثالثة إلى عقيدة راسخة في القانون الدستوري الأميركي تُعرف بـ"عقيدة السلطة التقديرية المطلقة" في شؤون الهجرة تحديداً


وتبرز القارة الأفريقية كوجهة رئيسة، حيث استقبلت رواندا وإيسواتيني وجنوب السودان دفعات متتالية من المرحّلين مقابل مبالغ مالية، إذ التزمت واشنطن بدفع 7,5 مليون دولار لرواندا و5,1 مليون دولار لإسواتيني وحدهما، ضمن ما يتجاوز 32 مليون دولار إجمالاً دفعتها لحكومات أفريقية. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن دراسات وأبحاث "معهد سياسات الهجرة" (MigrationPolicy Institute)، أحد أهم مراكز الأبحاث المستقلة غير الحزبية المعنية بسياسات الهجرة والترحيل ومقره الولايات المتحدة، تقدّر أن هذه العمليات لا تمثل سوى جزء يسير من إجمالي مليون عملية ترحيل سنوية تسعى الإدارة لتحقيقها، مما يشير إلى أن الهدف الحقيقي من هذه الاتفاقيات هو الردع النفسي وتخويف المهاجرين ودفعهم إلى "الترحيل الذاتي" أكثر من كونه أداة لتحقيق أرقام كبيرة فعلية.

الترحيل إلى دول ثالثة في النظام الأميركي

تستند الإدارة الأميركية في ترحيل الأجانب إلى دول ثالثة إلى عقيدة راسخة في القانون الدستوري الأميركي تُعرف بـ"عقيدة السلطة التقديرية المطلقة" (Plenary Power Doctrine) في شؤون الهجرة تحديداً. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، أكدت المحكمة العليا في أحكامها على أن الكونغرس يتمتع بسلطة شبه مطلقة في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وإبعادهم، وذلك وفقاً لنصالمادة الأولى من الدستور في الفقرة الخاصة بسلطة تنظيم التجارة والجنسية الطبيعية والتجنس، واعتبرتها من السلطات السيادية المتأصلة للدولة.

رويترز
يقف حراس أمن خارج مبنى في مارشال -وهي بلدة ساحلية صغيرة بالقرب من مطار روبرتس الدولي- تزامناً مع وصول مُرحَّلين من الولايات المتحدة إلى ليبيريا، في 20 أغسطس 2026

أما السلطة التنفيذية فتستمد صلاحياتها الواسعة في التنفيذ من المادة الثانية من الدستور، خاصة في مجال العلاقات الخارجية والأمن القومي، وقد تبلورت هذه الأسس تاريخياً منذ إصدار قانون الأجانب والأعداء لعام 1798، مروراً بقضايا إبعاد بعض الأشخاص من الجنسية الصينية في ثمانينات القرن التاسع عشر، وصولاً إلى قانون اللاجئين لعام 1980 الذي أدخل معايير الحماية الدولية، ثم إصدار "قانون إصلاح الهجرة غير الشرعية ومسؤولية المهاجرين" (the Illegal Immigration Reform and Immigrant Responsibility Act) عام 1996 والذي رسّخ صراحة إمكانية إبرام اتفاقيات مع دول ثالثة.

في حين ينص قانون الهجرة والجنسية (Immigration and Nationality Act)، على أن الأجانب الصادر بحقهم أمر ترحيل أو إبعاد يُرحَّلون أولاً إلى الدولة التي يحددونها أو دولة جنسيتهم أو الدول التي تربطهم بها صلة، فإذا تعذّر ذلك لأسباب عملية أو دبلوماسية أو أمنية، يجوز إبعادهم إلى أي دولة أخرى توافق على استقبالهم، كما يجوز إبرام اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف مع "دولة ثالثة آمنة" بشرط أن لا يتعرض الشخص لخطر على حياته أو حريته، وأن تتوافر إجراءات كاملة وعادلة للبت في طلب اللجوء أو حماية مؤقتة مكافئة.

سوابق المحكمة العليا الأميركية

أرست المحكمة العليا الأميركية مبدأً قضائياً حاسماً في هذا الشأن، حيث قضت في حكم قضية"سال ضد مجلس المراكز الهايتية" (Sale v. Haitian Centers Council) الصادر في يونيو/حزيران 1993، بأن حظر الإعادة القسرية المنصوص عليه في قانون الهجرة والجنسية وبروتوكول اللاجئين لا ينطبق خارج الإقليم الأميركي، وبالتالي قضت بأن القرار الرئاسي الصادر تنفيذاً لسياسة الإدارة الأميركية، التي بدأت في عهد الرئيس بوش الأب واستمرت في عهد الرئيس كلينتون، باعتراض قوارب اللاجئين الهايتيين في أعالي البحار وإعادتهم إلى هايتي دون إجراء فحص فردي لطلبات اللجوء، كان دستورياً وقانونياً، ولا يشكل انتهاكاً للالتزامات القانونية الأميركية، ومن ثم أيّدته ولم تلغه. وخلال السنوات الأخيرة توسعت المحكمة في تطبيق ذلك المبدأ مؤكدة بذلك على هامش واسع للسلطة التنفيذية، مع الإبقاء على الحد الأدنى من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة (Due Process)، المحمية بموجب التعديل الدستوري الخامس، مع قصر تطبيقها على من يوجدون بالفعل داخل الأراضي الأميركية.

تمنح هذه الترتيبات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي هامشاً واسعاً للمناورة، وتضعف في الوقت ذاته من وضوح مبدأ عدم الإعادة القسرية

أما من حيث دستورية هذه الاتفاقيات، فهي تُعتبر مشروعة في الإطار القانوني الأميركي طالما التزمت بالقيود القانونية الداخلية، وعلى رأسها حظر الإبعاد أو الترحيل إلى دولة يتعرض فيها الشخص لخطر الاضطهاد أو التعذيب، غير أن التوسع الحالي في إرسال أشخاص سبق أن حصلوا على حماية قضائية إلى دول ذات سجلات حقوقية متدنية يثير جدلاً حول ما إذا كانت الممارسة تتجاوز الحدود الدستورية والقانونية، أم تبقى ضمن السلطة التقديرية الواسعة التي أقرتها المحكمة العليا تاريخياً للسلطتين التشريعية والتنفيذية في إدارة شؤون الهجرة.

مقاربة مقارنة: التجربة البريطانية مع رواندا

تبرز التجربة البريطانية مع رواندا كمثال بارز على التحديات القانونية التي تواجه سياسات الترحيل إلى دول ثالثة، ففي أبريل/نيسان 2022 وقّعت المملكة المتحدة اتفاقاً مع رواندا يقضي بترحيل طالبي اللجوء الواصلين بطريقة غير نظامية لمعالجة طلباتهم هناك، مقابل تمويل تجاوزت تكلفته الإجمالية 700 مليون جنيه إسترليني. غير أن المحكمة العليا البريطانية قضت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بالإجماع بعدم مشروعية هذا الاتفاق، معتبرة أن رواندا ليست دولة آمنة بسبب خطر الإعادة القسرية. وبعد فوز حزب "العمال" في انتخابات 2024، ألغت الحكومة الجديدة الصفقة فوراً، وانتهى النزاع التحكيمي اللاحق حول المدفوعات لصالح بريطانيا في 2026.

أما على الصعيد الأوروبي، فقد شهدت أواخر أغسطس 2026 زيارة وفود من ألمانيا والنمسا والدنمارك واليونان وهولندا إلى العاصمة الرواندية كيغالي لمناقشة إقامة "مراكز عودة" لطالبي اللجوء المرفوضين، في إطار توجه أوسع نحو نقل جزء من إجراءات الإعادة خارج حدود الاتحادالأوروبي، وتواجه هذه المساعي انتقادات قانونية وحقوقية مماثلة لتلك الموجهة ضد الممارسة الأميركية والبريطانية، حيث تحذر منظمات دولية من خطر تعريض الأفراد لانتهاكات في دول قد تفتقر إلى ضمانات كافية.

موقف دول تحالف "العيون الخمس"

وفي سياق متصل نجد أن مجموعة دول الهجرة الخمس (Migration 5)، وهي ذات الدول الأعضاء في تحالف "العيون الخمس" الاستخباراتي، وهي دول أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، قد اتخذت إطاراً للتعاون بين سلطات الهجرة فيما بينها بهدف تعزيز نزاهة وأمن وكفاءة خدمات الهجرة والحدود، بما في ذلك تبادل البيانات البيومترية والشخصية المتعلقة بطلبات اللجوء، مما يعكس توجهاً مشتركاً نحو تنسيق سياسات الإعادة والسيطرة على الحدود بين هذه الدول، وقد اتفقت هذه الدول في عام 2025 على مبادئ مشتركة بشأن إعادةترحيل طالبي اللجوء، أهمها التأكيد على حق هذه الدول السيادي في ترحيل من لا يستحق البقاءوفقاً لمنظورها، مع إمكانية تقييد التأشيرات ضد الدول غير المتعاونة، مما يعكس توجهاً مشتركاً نحو تشديد سياسات الإعادة.

تضع سياسات الترحيل إلى دول ثالثة طالبي اللجوء في منطقة قانونية رمادية تتداخل فيها السيادة الوطنية مع الالتزامات الدولية، فتخلق حالة من عدم اليقين حول مصير الأفراد وضمانات حمايتهم. وبينما تمنح هذه الترتيبات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي هامشاً واسعاً للمناورة، وتضعف في الوقت ذاته من وضوح مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتفتح الباب أمام ممارسات غير مشروعة قد تفلت من الرقابة القضائية الفعالة، مما يهدد استقرار النظام القانوني الدولي للاجئين.

font change