العطب السياسي الفلسطيني في الشرعيتين الثورية والانتخابية

العطب السياسي الفلسطيني في الشرعيتين الثورية والانتخابية

استمع إلى المقال دقيقة

عاش الحقل السياسي الفلسطيني حقبة طويلة على ما يسمى "الشرعية الثورية"، أي شرعية "حملة البنادق"، مع شعارات من نوع "هويتي بندقيتي"، و"الوحدة الوطنية في أرض المعركة"، و"النظرية تنبع من فوهة البندقية"، و"كل السلطة للمقاومة"، في حقبة الكفاح المسلح في الخارج (1965-1982)، وقد شمل ذلك الكيان الفلسطيني الجامع المتمثل في "منظمة التحرير الفلسطينية"، والكيانات الفصائلية المتعددة؛ وهي في الحقيقة مرحلة صعود الحركة الوطنية الفلسطينية.

ولعل مشكلة تلك الشرعية أنها لم تؤد إلى بناء حقل سياسي فلسطيني، مبني على مؤسسات، وقيادة جماعية، وإطارات شرعية، الأمر الذي حال دون إتاحة فضاء سياسي لمراجعات نقدية للخيارات السياسية والكفاحية، سواء فيما يتعلق بتجربتي الأردن (1970)، ولبنان (1976-1982)، إذ خسر المشروع الوطني الفلسطيني الساحتين، من دون أي مراجعة، ودون تحديد مسؤولية القيادات الفلسطينية عما حصل، فبالرغم من وجود عوامل خارجية، أو موضوعية، فإن ذلك لا يعفي العامل الذاتي من مسؤوليته عن التدهور الحاصل.

أيضا، فقد كرّست "الشرعية الثورية" العلاقات الأبوية /البطركية، وتاليا، الزبائنية، والولائية، في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية التي تضم ألوف المتفرغين، الأمر الذي حدّ أو قيّد الحراكات السياسية داخلها، وأثّر على أهليتها وعلى روحها الكفاحية، إضافة إلى أن ذلك همّش مشاركة عموم الفلسطينيين في السياسة، التي باتت حكرا على الفصائل التي شكلت طبقة سياسية تتمايز عن شعبها، في وضع تعتمد فيه الفصائل على الريع، المتأتّي من الخارج، الذي يشكل حيزا مهماً من مصادر شرعيتها إزاء شعبها.

المشكلة، أيضا، أن تآكل تلك الشرعية، الذي بدأ بسبب انحسار المكانة التمثيلية لمعظم الفصائل في مجتمعات الفلسطينيين، وتراجع دورها في إطار الصراع ضد إسرائيل، وافتقادها لهوية فكرية أو سياسية متميزة، لم يترجم بتغييرات في الواقع السياسي الفلسطيني، بحكم حرص القيادة الفلسطينية على إبقاء مكانتها المتميزة في النظام السياسي السائد، عبر نظام المحاصصة الفصائلية (الكوتة)، بحيث يكون لكل فصيل حصته، في المجلسين الوطني والمركزي وفي اللجنة التنفيذية لـ"منظمة التحرير"، وبواقع أن معظم الفصائل تستمد جزءا مهماً من شرعيتها من أطراف النظام العربي، ولأن مجتمعات الفلسطينيين، في الخارج، لا تملك الاستقلالية، ولا القدرة المناسبة للتأثير في الحقل السياسي الفصائلي.

بيد أن نظام "الشرعية الثورية" لم يبق على حاله، إذ ظهر نظام آخر قائم على الشرعية الانتخابية، بعد عقد "اتفاق أوسلو" (1993)، وتحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة على شعبها في الداخل، بحيث بات النظام السياسي الفلسطيني منقسما على شرعيتين، الأولى تتمثل بـ"منظمة التحرير"، القائمة على الشرعية الفصائلية، والثانية شرعية الكيان الفلسطيني الممثل بالسلطة الوطنية، المتأتية من الانتخابات (الرئاسية والتشريعية)، وهذه باتت هي مركز الثقل في العمل الوطني الفلسطيني، بعد انتقاله إلى الداخل، وبحكم تهميش المنظمة.

المشكلة أن الشرعية الانتخابية، بدت كحدث طارئ، ودخيل، إذ إنها لم تأت نتيجة تطور داخل الجسم السياسي (المنظمة والفصائل)، أو الثقافة السياسية، للفلسطينيين، بقدر ما أنها فرضت من الخارج، عبر النص عليها في "اتفاق أوسلو"، فاقم من ذلك أن الفصائل الفلسطينية تفتقد لبنية مؤسسية، ولحراكات ديمقراطية، وأن ثمة حوالي ربع مليون متفرغ ينضوون في الأجهزة المدنية والأمنية، في السلطة والمنظمة والفصائل، ما يعني اعتمادية أكثر من مليون فلسطيني في عيشهم على تلك الكيانات، التي باتت بمثابة رب عمل؛ ما يفسر، بين أسباب أخرى، جمود الحقل السياسي الفلسطيني.

الاستنتاج من ذلك أن الشرعية الانتخابية، مثل "الشرعية الثورية"، لم تثمر إيجابيا في الواقع الفلسطيني، ساهم في ذلك عاملان، الأول، ذاتي/داخلي، يتمثل بطغيان نمط القيادة الفردية، والافتقاد لبني مؤسسية، وغياب العلاقات الديمقراطية، والحراكات الداخلية الطبيعية، في الكيانات الفلسطينية. والثاني، خارجي/موضوعي، ناجم عن طابع الصراع العنيف ضد إسرائيل وسياساتها، المتوازي مع سعيها تقويض الكيان السياسي الفلسطيني، وعدم تمكينه.

هكذا، لم تجر الانتخابات الفلسطينية سوى مرتين (في عام 1996، وفي العامين 2005-2006)، في غضون ثلاثين عاما، في حين أجرت فيها إسرائيل 12 دورة انتخابية للكنيست (1996-2022)، عرف خلالها المجتمع الإسرائيلي كثيرا من رؤساء الحكومات.

استنهاض الحالة الوطنية الفلسطينية لا يتوقف على الانتخابات، التي لا تقدم ولا تؤخر، إذ الأمر يتطلب إدراك أهمية إحداث تغيير حقيقي في الحقل السياسي الفلسطيني

معنى ذلك أن الزمن بين الانتخابات الفلسطينية الأولى والثانية، كان حوالي عشرة أعوام، تخللتها الانتفاضة الثانية (2000-2004)، ورحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، أما الزمن بين الانتخابات الثانية، والثالثة (في حال حصولها)، فهو عشرون عاما، تخللها انقسام الكيان الفلسطيني، إلى سلطتين، واحدة لـ"فتح" في الضفة، والثانية لـ"حماس" في غزة (منذ عام 2007)، كما تخللها حصار إسرائيل لقطاع غزة، منذ ذلك الحين، وتعرضه لعدة حروب، ضمنها حرب الإبادة الجماعية التي ما زال يشهدها القطاع، منذ ثلاثة أعوام، وقد تحول إلى منطقة غير صالحة للعيش لمليوني فلسطيني بات معظمهم يعيش على المساعدات الخارجية، في حين تسيطر إسرائيل على 70 في المئة من القطاع بشكل مباشر.

في غضون ذلك، دعا الرئيس الفلسطيني لتنظيم انتخابات تشريعية في عام 2021 إلا أنه تراجع عن ذلك، لرفض إسرائيل إجرائها في القدس، والأرجح، بسبب عدم جهوزية "فتح" لها، مع تضارب مراكز القوى فيها، علما أنه قام بتوجيه ضربة للشرعية الانتخابية، بحله المجلس التشريعي (المنتخب 2005)، وذلك أواخر عام 2018)، أي إن الشرعية الانتخابية تلك لم يبق منها إلا الرئيس الذي بات في ذلك الموقع عقدين من الزمن.

المشكلة أن القيادة الفلسطينية، وهي قيادة "المنظمة" و"السلطة" و"فتح"، تحاول الآن تجديد شرعيتها هي، أكثر مما تحاول إعادة بناء الحقل السياسي الفلسطيني، وأنها تحاول التوليف بين الشرعيتين الفصائلية والانتخابية، علما أن الأولى تآكلت، وانتهى زمنها، ذاتيا وموضوعيا، أما الثانية، فيجري ترسيمها وفقا للمحددات التي تتناسب مع حسابات القيادة؛ وضمن ذلك طرح بدعة "المجمعات الانتخابية"، لاختيار أعضاء "المجلس الوطني"، بحيث تنتقي القيادة أشخاصها، بما يعني أن القيادة تنتخب ناخبيها؛ علما أن هذا الأمر ليس جديدا إذ إنه يسرى على تسمية أعضاء مؤتمرات "فتح".

ثمة ملاحظتان هنا، الأولى أنه لا يوجد ما يمنع إجراء انتخابات في كثير من الدول التي توجد فيها تجمعات فلسطينية، وهذا يسري على دول عربية، وعلى تركيا وعلى الدول الغربية قاطبة، علما أن الفلسطينيين كانوا قد اختبروا إجراء انتخابات في ظروف عاتية، وهو ما ينطبق على الانتخابات للمنظمات الشعبية (الطلاب، العمال، المرأة، المهندسين، الأطباء) التي كانت تجري حتى في سوريا وفي لبنان، وفي ظل صراعات حامية مع ممثلي السلطة السورية، آنذاك، في السبعينات والثمانينات.

وعموما لو كان ثمة جدية في هذا الأمر لتم تنظيم قيد إلكتروني لكل الفلسطينيين، مع كود خاص لكل شخص، في كل أنحاء العالم، وهذه باتت مسألة متاحة بحكم تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا.

الثانية أن استنهاض الحالة الوطنية الفلسطينية لا يتوقف على الانتخابات، التي لا تقدم ولا تؤخر، إذ الأمر يتطلب إدراك أهمية إحداث تغيير حقيقي في الحقل السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء الكيانات الفلسطينية، على قاعدة مؤسسية وديمقراطية ووطنية، ما يفترض إطلاق ورشة حوار شاملة في كل التجمعات الفلسطينية، لإعادة رسم الإجماعات الوطنية، وليس مجرد اجتماعات لقادة فصائل، لم يبق لمعظمها سوى الاسم.

وباختصار، لا يقين بإجراء الانتخابات، وبالتأكيد لا يقين بشأن قدرتها على استنهاض الحالة الفلسطينية.

font change