أميركا وإسرائيل... علاقة لا تنكسر لكنها تتغير

تحول بطيء في "علاقة خاصة"

إدواردو رامون
إدواردو رامون

أميركا وإسرائيل... علاقة لا تنكسر لكنها تتغير

شهدت مواقف الناخبين الأميركيين من الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية تحولات لافتة وعميقة، مع بروز تحولات عميقة قد تمهد لإعادة رسم ملامح السياسة الأميركية تجاه المنطقة بصورة جذرية خلال العقد المقبل. فقد أثار النهج الذي اتبعته إدارة ترمب في الشرق الأوسط ردود فعل واسعة بين الناخبين، اتسم معظمها بالسلبية. ومع تصاعد هذا الاستياء من السياسة الأميركية في المنطقة، قد تجد واشنطن نفسها في نهاية المطاف أمام تحول جوهري في طبيعة علاقاتها مع أبرز شركائها في الشرق الأوسط، وفي مقدمتهم إسرائيل.

وللتوضيح، لا يشكل الشرق الأوسط أولوية رئيسة لدى غالبية الناخبين الأميركيين. فمع بقاء ستة أسابيع فقط على انتخابات التجديد النصفي الحاسمة للكونغرس، يهيمن مزاج سلبي على قطاع واسع من الناخبين، فيما تنصب اهتماماتهم أساسا على الضغوط الاقتصادية ومجموعة من القضايا الداخلية الملحّة، من بينها الهجرة والرعاية الصحية وإصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز نزاهتها. أما السياسة الخارجية فتأتي في مرتبة متأخرة على سلم أولوياتهم، إذ أظهر استطلاع حديث أجراه مركز "بيو" أن 4 في المئة فقط من الناخبين يرغبون في معرفة مواقف مرشحي الكونغرس من قضايا السياسة الخارجية خلال الحملة الانتخابية لهذا العام.

تلوح في الأفق مؤشرات احتمال اندلاع الحرب مجددا مع إيران، إلا أن النقاش الدائر بشأنها قلما يتوقف عند رهاناتها أو تداعياتها المحتملة، إذ ينصب الاهتمام أساسا على كلفتها الاقتصادية. فالارتفاع الحاد في أسعار الوقود والمواد الغذائية، بفعل الحرب وحالة عدم الاستقرار التي تخيم على الشرق الأوسط، ينعكس مباشرة على دخول الأميركيين، إلى حد دفع بعض الاقتصاديين إلى تقدير أن هذه الزيادات قد تحمل الأسرة الواحدة أعباء إضافية تصل إلى نحو ألف دولار.

باتت إسرائيل إحدى القضايا التي تعمق الانقسام الحزبي داخل السياسة الأميركية. فقد أسهمت مواقف وتصرفات عدد من القادة الإسرائيليين، في تراجع ثقة كثير من الديمقراطيين بهم

تدور هذه الانتخابات، في جوهرها، حول الاقتصاد، وهو المنظور الذي ينظر من خلاله معظم الأميركيين إلى قضايا الشرق الأوسط، أي بقدر ما تنعكس تداعياتها مباشرة على حياتهم اليومية. لكن الصورة الراسخة عن المنطقة في الوعي الأميركي اليوم لم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل تبلورت على امتداد ربع قرن أعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وهي سنوات طبعتها حروب متواصلة، وهجمات إرهابية، وصعود حركات متطرفة ورجعية سعت إلى دفع العالم قرونا إلى الوراء، فيما تكبدت الولايات المتحدة جرّاء ذلك كله أثمانا باهظة.

تنامي النظرة السلبية تجاه إسرائيل

أيضا شهد العقد الماضي تحولا لافتا في نظرة الأميركيين إلى "العلاقة الخاصة" مع إسرائيل، مع اتساع دائرة المواقف السلبية تجاهها، ولا سيما في أوساط الأجيال الشابة. ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، كما لا يمكن اختزاله في رد الفعل على ما قامت به إسرائيل عقب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي شنتها حركة "حماس".

أسهمت ثلاثة عوامل رئيسة في تنامي النظرة السلبية إلى إسرائيل. أولها أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوسع في الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أثارا استياء متزايدا لدى شريحة من الأميركيين. كما أثار تقديم دافعي الضرائب الأميركيين مليارات الدولارات من الدعم لإسرائيل مخاوف من أن تسهم الولايات المتحدة بذلك في تمويل ممارسات قمعية تزيد من زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وتدفع المنطقة بعيدا عن فرص التوصل إلى سلام عادل ودائم.

رويترز
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماعهما في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن، في 9 نوفمبر 2015

ثانيا، باتت إسرائيل بصورة متزايدة إحدى القضايا التي تعمق الانقسام الحزبي داخل السياسة الأميركية. فقد أسهمت مواقف وتصرفات عدد من القادة الإسرائيليين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، في تراجع ثقة كثير من الديمقراطيين بهم والتشكيك في صدقيتهم السياسية. ويبرز في هذا السياق خطاب نتنياهو أمام الكونغرس مطلع عام 2015، حين وجّه انتقادات إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي كانت إدارة الرئيس باراك أوباما تتفاوض بشأنه آنذاك. وقد مثّل ذلك الخطاب محطة مفصلية، ولا يزال يُستحضر باعتباره مثالا واضحا على تدخل قادة وأصوات من اليمين الإسرائيلي في الشأن السياسي الأميركي. كذلك أسهمت العلاقة الوثيقة التي جمعت، حتى وقت قريب على الأقل، بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونتنياهو في تعميق هذه الانقسامات الحزبية وزيادة حدتها.

أثار تقديم دافعي الضرائب الأميركيين مليارات الدولارات من الدعم لإسرائيل مخاوف من أن تكون الولايات المتحدة بذلك تسهم في تمويل ممارسات قمعية تزيد من زعزعة استقرار الشرق الأوسط

وأخيرا وليس آخرا، أسهم صعود اليمين المتطرف في إسرائيل في تعميق التباعد القيمي بين شرائح واسعة في المجتمعين الأميركي والإسرائيلي. ويظهر هذا التباعد بوضوح لدى أصوات يهودية أميركية بارزة ترى أن ثمة تناقضا عميقا بين القيم التي تتمسك به والتوجهات التي يتبناها قادة المشهد السياسي في إسرائيل، بعدما اتجه هذا المشهد على مدى سنوات بصورة متزايدة نحو اليمين. ويبرز هذا التناقض بوجه خاص في خطاب بعض الشخصيات السياسية الإسرائيلية، ومن بينها الوزيران الحاليان إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وما يحمله من لغة مهينة تجاه الفلسطينيين تتعارض مع قيم أساسية يؤمن بها كثير من الأميركيين، وكانوا يرون أنها تنسجم في السابق مع صورة إسرائيل لديهم. كذلك فإن الطروحات التي يتبناها بعض الساسة الإسرائيليين المتطرفين بشأن إقصاء الفلسطينيين عن وطنهم تقترب، في جوهرها، من الأفكار التي كان يؤمن بها ييغال عمير، الذي اغتال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995.

وتفسر هذه العوامل، إلى حد بعيد، نتائج استطلاع حديث أجرته شبكة "إن بي سي نيوز"، أظهر أن 55 في المئة من الناخبين الأميركيين أقل ميلا إلى التصويت لمرشح يدعم تقديم الأموال والأسلحة لإسرائيل.

لن تتغير السياسة الأميركية بسرعة

تشهد المواقف الأميركية تجاه إسرائيل تحولا لافتا، مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياساتها من شخصيات بارزة تنتمي إلى اتجاهات سياسية متباينة. فمن اليسار، برزت أصوات مثل عمدة نيويورك زهران ممداني وعبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن، بينما صدرت انتقادات حادة أيضا عن شخصيات بارزة في اليمين، من بينها نائب الرئيس جيه دي فانس والإعلامي المحافظ تاكر كارلسون.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 28 يوليو 2026

ومع ذلك، ثمة أربعة عوامل قد تحد من سرعة تحول السياسة الأميركية تجاه إسرائيل في المدى القريب. أولها أن إدارة ترمب الثانية وكبار مسؤوليها لا يزالون متوافقين إلى حد بعيد مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية في القضايا الكبرى، فضلا عن اشتراك الطرفين في كثير من القيم الأساسية. ومع بقاء أكثر من عامين على انتهاء ولاية ترمب، فمن المستبعد أن تُقدم إدارته على تغيير جوهري في نهج الدعم المفتوح الذي انتهجته تجاه إسرائيل.

ثانيا، رغم أن المؤشرات الراهنة ترجح فوز الديمقراطيين بمقاعد إضافية في مجلسي الكونغرس، فمن المرجح أن يبقى الانقسام الحزبي الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين سمة أساسية في السياسة الأميركية، خصوصا في ظل التقارب الكبير بينهما داخل الكونغرس. وفي الوقت نفسه، لا يزال التيار المعارض لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري محدودا، وتكشف عمليات التصويت الأخيرة في الكونغرس بشأن وقف المساعدات الأميركية لإسرائيل عن ذلك بوضوح، إذ لم يؤيد هذا التوجه سوى عدد ضئيل جدا من الجمهوريين.

إدارة ترمب الثانية وكبار مسؤوليها لا يزالون متوافقين إلى حد بعيد مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية في القضايا الكبرى، فضلا عن اشتراك الطرفين في كثير من القيم الأساسية

ثالثا، لا تزال قضايا إسرائيل والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموما حبيسة النقاش بين النخب إلى حد بعيد، ولا تشكل عاملا حاسما في توجيه خيارات الناخبين في الانتخابات العامة، ولا سيما خارج أوساط الحزب الديمقراطي. وبما أن اهتمام السياسة الأميركية يتركز أساسا على القضايا الداخلية أكثر من ملفات السياسة الخارجية، فمن غير المرجح أن يشهد هذا المسار تغييرا جوهريا حتى بعد تشكيل الكونغرس المقبل.

رويترز
تظاهر مؤيدة للفلسطينيين على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في ميدان تايمز سكوير بمدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، في 24 سبتمبر 2026

وأخيرا وليس آخرا، قد تسفر الانتخابات الإسرائيلية المقبلة عن وجوه جديدة وخطاب سياسي مختلف، حتى إذا لم تقترن بتحول جوهري في السياسات. فقد تضررت صورة نتنياهو لدى قطاعات واسعة في الولايات المتحدة، وبات يُنظر إليه في بعض الأوساط على أنه شخصية يصعب الوثوق بها، حتى من جانب حليفه المقرب الرئيس ترمب. ومع الانتخابات الإسرائيلية المقررة هذا الخريف، قد تبرز قيادات سياسية جديدة تسهم في تغيير الانطباعات السائدة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرا مماثلا في جوهر السياسات الإسرائيلية.

ولهذه الأسباب مجتمعة، قد تظل التحولات الجارية داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي وفي الدوائر الانتخابية التي يهيمن عليها الحزب محدودة الأثر عندما يتعلق الأمر بإحداث تغيير جوهري في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل بحلول عامي 2027 و2028. ويضاف إلى ذلك أن الشرق الأوسط قد يشهد خلال هذه الفترة القصيرة تطورات ميدانية عديدة من شأنها أن تعيد رسم المشهد من جديد.

font change