معركة تعز... كيف توقف الحكومة والجغرافيا تمدد الحوثيين؟

الهجوم الحوثي الواسع على تعز يتجاوز المدينة إلى محاولة إيرانية للتحكم بباب المندب، لكنه يصطدم بموازين قوى مختلفة وضربات جوية متواصلة وتضاريس وعرة ونسيج اجتماعي رافض للميليشيا

معركة تعز... كيف توقف الحكومة والجغرافيا تمدد الحوثيين؟

في توقيت ومكان أخطر جبهات "حرب التصعيد" التي أشعلتها جماعة الحوثيين في اليمن، كشف الهجوم الواسع الذي تشنه الجماعة على محافظة تعز عما هو أكبر من تعز وأكثر من قدرة ميليشيات الحوثيين على إحداث تغيير استراتيجي على الأرض، وأبعد من ذلك عن محاولة تحقيق حلم إيران في السيطرة على مضيق باب المندب والتحكم بخطوط الملاحة الدولية والتجارة العالمية بين خليج عدن والبحر الأحمر.

ولم يتأخر رد الجيش اليمني على ذلك كثيرا إذ شنت مقاتلاته الجوية سلسلة غارات على العاصمة صنعاء ظهر السبت، استهدفت، كما قال الناطق باسم الجيش العقيد الركن ماجد النزيلي "مواقع عسكرية حيوية مشروعة" تابعة لميليشيا الحوثيين في عدة مناطق شمال وشرق وغرب المدينة.

وأفادت مصادر متطابقة بأن دوي نحو 13 غارة جوية سُمع في أنحاء المدينة مؤكدة أن ضربات الجيش تركزت تحديدا على "مواقع في جبال النهدين وعطان، ونقم، والرئاسة" بالإضافة إلى دوي انفجارين من جهة شارع الستين الشمالي. حيث شوهدت سحب الدخان أعلى المناطق المستهدفة وسط تحليق مكثف للطيران الحربي في أجواء صنعاء استمر قرابة نصف ساعة.

في الجولة الحالية من حربهم أشعل الحوثيون، خلال ما أسموها "حرب التصعيد"، ما يزيد على 50 جبهة في محافظة تعز وحدها، بطول 450 كيلومترا، وعشراتٍ من الجبهات مثلها في مختلف خطوط وحدود التماس بين مناطق سيطرتهم في الشمال الغربي للبلاد وجميع المحافظات المتاخمة لتلك المناطق.

يعيد هذا التصعيد التذكير بـجرائم الحرب التي يجري اتهام الحوثيين بارتكابها أثناء حروبهم الست داخل معقلهم في محافظة صعدة وحوله، بين 18 يونيو/حزيران 2004 وفبراير/شباط 2010، حين أوقع الحوثيون آلاف القتلى في صفوف الجنود الحكوميين الذين تصدوا لتمردهم، دون الكشف عن محصلة القتلى والجرحى والمصابين من ميليشياتهم والمسلحين القبليين الذين وقفوا في مؤازرتهم أو الضحايا المدنيين الذين قضوا في تلك الحروب.

الحروب العبثية

أما إجمالي عدد قتلاهم ومن تسببوا في مقتلهم خلال الحرب المشتعلة معهم منذ اجتياح ميليشياتهم للعاصمة صنعاء واستيلائهم على السلطة عام 2014 فلا تزال الأرقام تتصاعد على جانبي الصراع بمتواليةٍ هندسيةٍ لا يمكن التكهن بنهايتها حتى تضع الحرب أوزارها وتتضح فاتورة الكلفة الضخمة لكل هذه الحروب التي اشتد أوارها في السنوات الثلاث الماضية بعد انخراط جماعة الحوثيين في القتال بالوكالة دفاعا عن إيران وتحت شعار "نصرة غزة" ضمن ما عُرف بـ"محور المقاومة" أو "وحدة الساحات" وذلك في إطار "غرفة العمليات المشتركة" التي يقودها "الحرس الثوري" الإيراني عن بُعدٍ في طهران أو من قُربٍ داخل الأراضي اليمنية وتحديدا في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية اعتمادا على ترسانة السلاح الصاروخي والطيران المسيّر وغيره من الأسلحة التي تمكن "حراس الثورة" الإيرانية من تهريبها أو العمل على تصنيعها في مناطق نفوذ الحوثيين فضلا عن منظومات الاتصالات الحديثة وبرامج التدريب والخبرات العسكرية الإيرانية المتراكمة.

استثمرت إيران حتى الآن مليارات الدولارات في بناء قوة الحوثيين العسكرية رغم فشل كل الحروب "المقدسة" العبثية لإيران في اليمن


استثمرت إيران حتى الآن مليارات الدولارات في بناء قوة الحوثيين العسكرية رغم فشل كل الحروب "المقدسة" العبثية لإيران في اليمن وذلك في أكبر جبهتين لها، أولاهما ترسيخ سلطة الميليشيات الحوثية وتحويلها إلى "دولة"، إذ لم تفلح في ذلك بل أسهمت في عزلهم وحصارهم ونبذهم على مستوى الداخل والإقليم والعالم، كما أخفقت إيران في جعل الحوثيين جسرا إلى "القدس" وتحرير فلسطين بل ساعدت على تقوية شوكة إسرائيل وضاعفت من جبروت طغيانها على معظم جوارها العربي.

في زمن الحوثيين الكارثي لا شيء تطور في اليمن غير التخلف بكل أشكاله وصوره، ولم يتحقق من أوهام إيران والحوثيين إلّا ازدياد عدد المقابر التي تتسع يوما بعد آخر لاستضافة المزيد من نزلائها الجدد من "المجاهدين الحوثيين" وجنرالات "الحرس الثوري" وخبراء "حزب الله" اللبناني، وسوى سقوط المزيد من الضحايا اليمنيين، ومنهم مدافعون عن عرضهم وأرضهم وكرامتهم وحرماتهم، في حرب تجاوزت حصيلتها، وفق تقديرات أممية، 377 ألف قتيل حتى نهاية 2021 وحدها، وسوى نزوح ملايين آخرين داخل البلاد وخارجها.

أسباب الإخفاق

أما الإخفاق في ثانية هاتين الجبهتين فلأسبابٍ معروفة، وفي مقدمتها الخلل الخطير في موازين القوة بين إيران ووكلائها في المنطقة من جهة وكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لصالح الأخيرتين من جهة أخرى، فلا تزال إيران تُمنى كل يوم بهزائم عسكريةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ على أيدي الأميركيين والإسرائيليين بينما تكسرت أضلاع محورها في سوريا والعراق ولبنان فيما يتهاوى محورها الأخير في اليمن بفعل ضربات "حرب الاستنزاف" المؤلمة و"عمليات التشتت" الواسع التي ينفذها الجيش اليمني ضد جحافل هذا المحور بصرف النظر عن التقدم "المؤقت" لمسلحيه في الساحل الغربي لليمن، فهو يواجه مقاومة عنيفة وضربات موجعة وذلك بفعل دعمٍ عربي ودولي عسكري وسياسي إلى جانب عوامل داخلية لها أكبر الأثر في هذه المواجهة.

من ناحيةٍ أخرى يتجلى مكر التاريخ بإيران ووكلائها الحوثيين بعوامل داخليةٍ حاسمة عدة أولها الاختلافات المذهبية العميقة بين معسكر إيران الشيعي والغالبية الساحقة من اليمنيين ومعظمهم من السنة الذين عانوا الأمرين من بطش الإمامة "الزيدية" طوال نحو ألف عام، وليس من الوارد اليوم، لدى هذه الغالبية، العودة للانقياد خلف "ولاية" الوريث الحوثي، ولا الانسياق مجددا وراء أيديولوجية الإمامة بعد 64 عاما من ثورتهم على الإمامة البائدة.

أما ثاني تلك العوامل فيكمن في مواجهة إيران والحوثيين لفسيفساء هائلةٍ من القبائل المدجج معظم مقاتليها الأشداء بملايين من قطع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي زادت حروب الأئمة القدامى والجدد من وفرتها بأيدي السكان وذلك بكميات يصعب حصرها.

ثمة عامل ثالث ظهر اليوم بعد التصعيد الأخير للحوثيين ومحاولتهم التمدد غربا. حيث أدى اندفاعهم نحو السهول والسواحل إلى انكشافهم أكثر فأكثر أمام سلاح الطيران الحربي والمسير التابع للجيش الحكومي والتشكيلات العسكرية المتحالفة معه، ونتيجة لمحاولة الميليشيات الحوثية القبلية شبه العسكرية التمدد جنوبا وإلى الوسط في محافظة البيضاء وفي محافظات جنوب البلاد ذات الطبيعة الجغرافية الوعرة التي لا يعرفون دروبها ومسالكها، وهذا إلى جانب التكوين الطبوغرافي الاجتماعي المعادي لها بشدة سواء في هضاب ومرتفعات محافظات تعز ولحج والضالع أو صحارى محافظات الجوف ومأرب وشبوة.

أ.ف.ب
جنود من القوات الحكومية اليمنية قرب جبهة جبل هان غرب مدينة تعز،

 

 أما ثاني تلك العوامل فيكمن في مواجهة إيران والحوثيين لفسيفساء هائلةٍ من القبائل المدجج معظم مقاتليها الأشداء بملايين من قطع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي زادت حروب الأئمة القدامى والجدد من وفرتها بأيدي السكان وذلك بكميات يصعب حصرها

تحديات وعوائق

تواجه الميليشيات الحوثية صعوبات جمة للحفاظ على المواقع التي سيطرت عليها مؤخرا بفعل الاستهداف المتواصل لها برا وبحرا وجوا بما يمنعها من تثبيت وجودها على غرار ما كانت تفعله في السابق لأشهرٍ وسنوات.

كما أن تقدمها أكثر يصطدم بشدة بإصرار سكان تلك المناطق على الصمود في وجهها ومقاومتها، إذ يرى المقاتلون وهؤلاء السكان، بعد أن فر عشرات الألوف من عائلاتهم صوب محافظات جنوب وشرق البلاد، أنه لم يعد أمامهم مكان ينزحون إليه وليس من خيار بديل لهم سوى القتال "حتى آخر رصاصة أو قطرة دمٍ" كما يقولون.

كذلك فإن عودة تلك الميليشيات إلى حيث جاءت يبدو خيارا مستحيلا ومحفوفا بالخطر ليس فقط بسبب وعورة التضاريس بل أيضا نتيجة تقطع السبل بهم جراء مئات الآلاف من الألغام التي قاموا بزراعتها عشوائيا ودون خرائط في الطرق التي سلكوها وعلى جنباتها قبل وبعد تصعيدهم الأخير في معظم المحافظات المحيطة بمناطق سيطرتهم.

ما نجحت فيه إيران هو إعادة بلدٍ عربيٍ مسلم كاليمن 100 عامٍ على الأقل إلى الوراء على كل المستويات والصعد، ولعل الإنجاز الوحيد الذي أفلحت فيه "مغامرة" الحوثيين في تعز، على سبيل المثال، يتمثل في أن الحوثيين استطاعوا إعادة فتح جراح الماضي وفتح ملفات المعاناة التاريخية التي عاشتها المدينة قرونا في زمن الإمامة.

يقول السياسي اليمني، مصطفى نعمان، وهو أحد أبناء بيوت السياسة في تعز: "إن الميليشيات الحوثية لا تفهم تاريخ اليمن، ولا تتوقف ولا تعيد التفكير في أن محاولاتها الدموية المدمرة في السيطرة على كل محافظة تعز كما فعل الأئمة حين وصفوا دخولهم إليها في ثلاثينات القرن الماضي بأنه (فتح لأرضي خراج) ستفشل، ومصيرها إلى الزوال".

‏ويؤكد نعمان أن ما يفعله الحوثيون اليوم هو الشيء ذاته، أي تكريس المزيد من الكراهية والأحقاد والثارات داخل كل بيت وقرية ومدينة يمنية، وعليهم أن يتوقفوا عن مغامراتهم التي ستنتهي إلى زوال طال الزمن أم قصر.

‏ومثل نعمان يتفق كثيرون على أن الدماء التي أراقتها أسلحة الميليشيات الحوثية والدمار الذي ألحقته داخل محافظة تعز "سيبقى علامة متجددة في الذاكرة، وسيدفع كل من ارتبط بهم، خاصة أبناء تعز، أثمانا على المستوى الوطني جنوبا وشمالا".

font change

مقالات ذات صلة