مما جاور كتّابا مغاربة من الحيوانات، حدّ أمست هذه المجاورة متلازمة، تخطّت العلاقة الوجدانية والوجودية إلى ما هو رمزي، السلاحف، في المقام الأوّل، لغرابة الصداقة التي جمعت محمد زفزاف بها، والكلاب في المقام الثاني، ومنها كلب محمد شكري المدعو «جوبا»، على سبيل المثال لا الحصر.
سلاحف محمد زفزاف الأليفة كانت تعيش معه في شقته بحي المعاريف، الدار البيضاء، مفاضلا بينها وبين الكثير من البشر، والألمع في حواراته، حينما كان يُسأل عن السر في هذا الاختيار المثير، جوابه أن السلاحف تتفرد بثلاث فضائل: الصمت والبطء والصبر.
إن كان محمد زفزاف قد اشتهر فيما كتبه عن الحيوانات برمزية أو توصيف «الثعلب الذي يظهر ويختفي»، عنوان إحدى أبدع رواياته عن التجربة البوهيمية في مدينة الصويرة، فالسلاحف التي جاورته في عزلته تظل الأقرب إلى صورته التخييلية ما إن يُذكر اسمه الروائيّ والقصصي الذي بحجم مدينة كبرى ككازابلانكا. هذا يذكرنا عالميا بالكاتب د. هـ. لورنس، الذي لم يكتفِ بمراقبتها في حديقته ومعايشتها، بل كتب عنها مجموعة شعرية اختار لها عنوان «السلاحف»، وأما زفزاف فأفرد لها قصة قصيرة بعنوان «الغيلم» في مجموعة «الملاك الأبيض».
في المقابل، ألمع محمد برادة في مفتتح مراسلاته المتبادلة مع محمد شكري، الموسومة بعنوان «ورد ورماد»، إلى أن أوّل مرة تعرّف فيها إلى صاحب «الخبز الحافي» كان خلال صيف 1972، بشارع باستور في طنجة، وكان ممسكا برسن كلب كبير فيما يمشي بتلقائية وسط زحمة الناس. هذا الكلب اللافت الذي لازمه لفترة كان من أشهر الحيوانات التي عبرت حياة الكاتب في طنجة، ووشمت ذاكرته ووجدانه، في أعمق مشاعر الألفة والصداقة، كلب أثير أطلق عليه اسم «جوبا» نسبة إلى ملك أمازيغي مرموق الثقافة.
ومن أوفى المصادر المقربة من الكاتب محمد شكري ما حكته خادمته فتحية الخياطي عن عمق ارتباطه بكلبه، وأسطع صورة ما ألمّ بصاحب «زمن الأخطاء» من حزن حينما أصاب «جوبا» مرض كاسح، جعله واهنا، حدّ تساقط شعر فروته. وقد شاء القدر أن يموت الكلب «جوبا» بينما كان محمد شكري مسافرا في القاهرة، وفتحية من نعت له الخبر على الهاتف، فأوصى صديقه البوكيلي بدفنه، ولما عاد إلى المغرب بكى رفيقه الكلب على القبر، منخرطا في حداد واكتئاب جارفين، يذكرنا بتأبين ثلاث مرثيات شعراء لكلابهم الأثيرة، أولها قصيدة لأبي نواس عن كلبه «حلاب»، وثانيها للورد بايرون عن كلبه «بواتسوين»، وثالثها لعباس العقاد عن كلبه «بيجو».
من الطرائف التي حكتها فتحية أن شجارا نشب بين محمد شكري وزمرة من سكارى ليل طنجة، تفاقم إلى اشتباك معهم، لكن الكلب «جوبا» خذله، لائذا بالفرار، مما جعل شكري يشتمه ويبرحه سبّا، لدرجة أن «جوبا» ترك إقامته لدى الكاتب ولم يرجع إلا بعد فترة، طارقا الباب عبر حركة المخالب، وما كان من صاحب «مجنون الورد» إلا أن تحاشاه المرة الأولى منصرفا إلى ما يكتبه، ومع إصرار الكلب، فتح شكري الباب غافرا له بعد أن مسد «جوبا» على قدميه كتقديم اعتذار، مع أن «جوبا» لم يكن وحده، بل كان مصطحبا لكلبة.
كان «جوبا» شاهدا على فترة صاخبة من اللحظات التي استقبل فيها شكري الكثير من رموز الكتابة والثقافة في بيته.
الشيء ذاته يؤكده الكاتب محمد عز الدين التازي في مذكراته الموسومة بعنوان «محمد شكري: غواية العيش والكتابة»، مضيفا أن الكلب «جوبا» جلبه صاحب «الخبز الحافي» من الشاطئ إذ صادفه ضالا، والطريف أنه طوّق رقبته بحزام بنطاله، وقدم له في سطحه دجاجة بالكامل، وفوق ذلك صنع له بيتا من خشب، وقد كان «جوبا» شاهدا على فترة صاخبة من اللحظات التي استقبل فيها شكري الكثير من رموز الكتابة والثقافة في بيته.
اضطر شكري إلى أن يتخلص من كلبه مرة ثانية بحسب مذكرات محمد عز الدين التازي، بعد أن قرف من رائحة بوله على السطيحة، ثم تفاجأ بعد أن أطلق سراحه في الشاطئ، تاركا إياه شريدا، لمصير تيه وتشرد طارئين، بينما لاذ هو بالحانة تلو الأخرى، وما إن عاد رفقة محمد عز الدين إلى شقته في حي تولستوي سابقا، حي البحتري حاليا، ألفيا «جوبا» رابضا عند الباب.
لم يكن الكلب وحده مستأثرا بحب ورفقة الكاتب، بل جلب طائر كناري إلى بيته وأطلق عليه اسم «موزار»، غير أن موزار كان لا يغرد إلا في الثالثة صباحا، مما يزعج منامه المستغرق، حدّ فكّر أن يتخلص منه هو الآخر، دون جدوى، وفضلا عن الطائر المغرد جلب سنجابين، للاستمتاع بنزقهما، ذهابا وإيابا، فيما يتبادلان لعبة الحضور والغياب.
مع أن محمد شكري لم يكتب عن «جوبا»، إلا أن ما خلّده أصدقاؤه وضيوفه عنه جعل من كلبه علامة أو رمزا يضاهي رمزية كلبَي تشيخوف اللذين أطلق عليهما اسمَي «بروم إيسايفيتش» و«هينا ماركوفنا»، وكذا كلب شتاينبك المدعو «تشارلي»، و«باسكت» كلب غيرترود شتاين و«فلاش» كلب إليزابيث براوننيغ الذي كتبت فيرجينيا وولف سيرته الذاتية.