إسرائيل ترسم حدودها بالنار والاستيطان

من جنوب لبنان إلى الجولان والضفة الغربية، توسع عسكري واستيطاني يفرض وقائع جديدة على الأرض ويدفع خطوط السيطرة الإسرائيلية إلى ما وراء حدودها السابقة

ديانا إستيفانيا روبيو
ديانا إستيفانيا روبيو

إسرائيل ترسم حدودها بالنار والاستيطان

من جنوب لبنان إلى الجولان والضفة الغربية، تتشكل أمام المنطقة خريطة إسرائيلية جديدة، تُرسم بالنار والتحصينات والطرق والمستوطنات. تتقدم إسرائيل في مساحات متفرقة، وتحوّل نقاط الانتشار المؤقتة إلى مواقع ثابتة، وتدفع بالحدود الأمنية إلى عمق الأراضي المجاورة، فيما تتسع على الأرض مناطق يصعب معها تصور العودة إلى خطوط ما قبل الحرب.

في جنوب لبنان، أفرزت الحرب الأخيرة واقعا ميدانيا جديدا حول ما بات يعرف بـ"الخط الأصفر". خلف هذا الخط، أنشأت القوات الإسرائيلية نطاقا عسكريا يمتد داخل الأراضي اللبنانية، ترافق مع هدم واسع للمنازل والمنشآت والطرق وتفجير أحياء كاملة، فيما منع سكان قرى حدودية من العودة إلى مناطقهم. وتكشف الوقائع الميدانية أن المنطقة العازلة لم تعامل كإجراء عسكري عابر، إذ تحولت أجزاء منها إلى نطاقات يصعب على السكان الوصول إليها.

وفي 26 يونيو/حزيران 2026، فتح مسار سياسي يفترض أن يقود إلى إنهاء هذا الواقع. فقد نص اتفاق الإطار الثلاثي، في رعاية أميركية، على استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها، وعلى انسحاب إسرائيلي تدريجي يبدأ من "مناطق تجريبية" تتولى فيها القوات اللبنانية المسؤولية الأمنية بعد التحقق من خلوها من السلاح والبنية التحتية التابعة لجماعات مسلحة. غير أن الصيغة ربطت الانسحاب الإسرائيلي عمليا بملف نزع سلاح "حزب الله"، فيما لم يتضمن الاتفاق جدولا زمنيا نهائيا للانسحاب.

على الأرض، بقيت المعادلة أكثر تعقيدا من نص الاتفاق. استمرت إسرائيل في احتلال أجزاء من الجنوب وتنفيذ غارات وقصف وعمليات هدم، بينما تعثرت المفاوضات اللاحقة حول آلية التحقق، وترسيم مراحل الانسحاب، والنقاط المتنازع عليها على الخط الأزرق. وفي سبتمبر/أيلول، اتهم الرئيس جوزيف عون إسرائيل بعدم تنفيذ التزامات الاتفاق، فيما طالب رئيس الحكومة نواف سلام في أكتوبر/تشرين الأول بوضع مواعيد نهائية واضحة، مؤكدا أن نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسيرا بالتوازي، لا أن يصبح أحدهما شرطا مفتوحا للآخر.

وفي الجولان وجنوب سوريا، اتخذ التوسع الإسرائيلي بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 منحى أكثر عمقا واستدامة. فبعد دخول القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، تجاوز انتشارها حدود خط الفصل لعام 1974، وأقامت مواقع وقواعد عسكرية داخل الأراضي السورية، في خطوة قالت إسرائيل إنها ضرورية لمنع تهديدات محتملة من الجانب السوري.

لكن الوجود الميداني أخذ يتسع تدريجيا، ووثقت الأمم المتحدة استمرار انتشار القوات الإسرائيلية داخل الجانب السوري من المنطقة العازلة، حيث كانت قد حافظت على 11 موقعا وعززتها حتى أغسطس/آب 2026، تمتد من جبل الشيخ عبر القنيطرة وصولا إلى درعا والحدود الأردنية، بالتوازي مع شق طرق عسكرية، إلى جانب أعمال هندسية وتحصينية وقيود على حركة السكان وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية وتحسين المواقع الدفاعية. وتجاوز الأمر نطاق الجولان والقنيطرة إلى درعا، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات توغل ودهم واعتقال، وتقيم نقاط تفتيش ومواقع عسكرية مؤقتة، بالتزامن مع ضربات جوية ومدفعية متكررة.

ويأخذ هذا التوسع بعدا أكثر حساسية مع استئناف أعمال مشروع "سوفا 53" في القنيطرة، الذي يتضمن إنشاء طريق عسكرية وتحصينات وخنادق وحواجز تمتد في محاذاة خط الفصل وصولا إلى محيط حوض اليرموك قرب الحدود الأردنية. وتقول دمشق إن المشروع يمثل انتهاكا مباشرا لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974، فيما ترى فيه إسرائيل جزءا من منظومة أمنية أوسع لترسيخ سيطرتها على المنطقة.

أما الضفة الغربية، فتشهد توسعا استيطانيا متسارعا تدفعه الحكومة من أعلى، وضغوطا متزايدة يمارسها المستوطنون على التجمعات الفلسطينية من أسفل. ويقف مشروع E1 في قلب هذه المعادلة. فقد أُدخلت وحداته البالغ عددها 3,401 وحدة استيطانية إلى مرحلة المناقصات، في خطوة تقربه من التنفيذ الفعلي بعد عقود من التأجيل. ويقع المشروع بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، في منطقة تشكل ممرا استراتيجيا يربط شمال الضفة بجنوبها. ولذلك، فإن اكتماله سيعزز التواصل العمراني والاستيطاني الإسرائيلي شرق القدس، فيما يفصل القدس الشرقية بصورة أكبر عن محيطها الفلسطيني. وقد حذرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوقية من أن المشروع يهدد قابلية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

وتكتسب خطورة E1 بعدا إضافيا من ارتباطه بمشروع أوسع لتكثيف السيطرة الإسرائيلية على المنطقة C. وفي محيط E1 تحديدا، يهدد المشروع عشرات التجمعات البدوية الفلسطينية بالإخلاء. وعلى الأرض، يجري الضغط على القرى والتجمعات الفلسطينية في عدد متزايد من المناطق، إذ يقيم المستوطنون بؤرا قرب التجمعات، ثم يضيقون الوصول إلى الأراضي الزراعية والمياه والمراعي، ويهاجمون المنازل والمزارع والمواشي، ويغلقون الطرق، وصولا إلى دفع العائلات إلى الرحيل. ووثقت الأمم المتحدة و"هيومن رايتس ووتش" أن هذه الهجمات أدت منذ يناير/كانون الثاني 2023 إلى النزوح الكلي أو الجزئي لنحو 107 تجمعات تضم نحو 5,900 فلسطيني.

font change