صدر أخيرا كتاب "العدسة المتواطئة: التغطية الإعلامية الأميركية للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة" للباحثة في دراسات الإعلام روبن أندرسن عن دار "أور بوكس" بالشراكة مع "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، وبمقدمة للمؤرخ الفلسطيني رشيد الخالدي. تنطلق أندرسن، الأستاذة الفخرية في دراسات الإعلام بجامعة "فوردهام"، من مساءلة أداء وسائل الإعلام الأميركية السائدة في تغطيتها للحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مقارنة إياها بالتغطيات الفلسطينية المستقلة والدولية وبما ظهر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
لكن الكتاب لا يتوقف عند رصد التحيز الواضح في التغطية وإثباته وحسب، إذ يتتبع الكيفية التي يشارك بها الإعلام نفسه في إنتاج معنى الحرب، وذلك بطرح عدد من محاور النقاش، مثل: من أين تبدأ القصة؟ من يمنح حق الكلام والصدقية؟ كيف يكتب الخبر وصياغته؟ وكيف يظهر التناقض والتحيز في استخدامات اللغة اعلاميا؟
يتتبع الكتاب السياق الدلالي لبعض المصطلحات مثل مجزرة وإبادة وغيرهما. ويتساءل أيضا متى يتحول حدث القصف إلى انفجار بلا فاعل؟ ومتى ينقل مصدر خبر كحقائق ووقائع، ومتى تحاط رواية ما بالشك؟ عبر هذا الطرح، تكشف أندرسن عن بنية تحريرية ولغوية أوسع من مجرد تداول أخبار مغلوطة، بنية تحدد ما يمكن رؤيته وتسميته وفهمه، وترسم الإطار الذي تصل من خلاله غزة إلى الجمهور الأميركي.
بداية القصة
تتوقف أندرسن عند سؤال مهم يقع في صميم صناعة الخبر أو الحدث: من أين تبدأ القصة أو متى بدأت القصة؟ فاختيار اللحظة التي يفتتح عندها السرد يغير معادلة الفهم في المجمل، إذ تتحدد بها الأسباب والدوافع وحيثياتها، وكذلك النتائج ورود الفعل المترتبة لاحقا. هذا بدوره يخلق الرواية ومنطق تفاصيلها، وهو أيضا ما يمكن تسميته الخلفية والتأصيل التاريخي للحدث. وهذا الأمر ليس قرارا زمنيا محايدا، إذ يؤثر في أحكامنا على أطراف السرد باختلاف تراتب الأحداث والتزامن المنطقي للفعل ورد الفعل، وهذا ما استغل سياسيا.




