ثلاث سنوات على حرب غزة مثلت انكشافاً لبنانياً كاملاً أمام الحقائق الداخلية وأمام الحقائق الإقليمية وما بينهما من تداخل وثيق، وفي خلاصة هذه السنوات الثلاث يمكن القول إن مفهوم المقاومة كما جسده "حزب الله" قد سقط بالمعنى العسكري، وهو ما أعاد طرح (أو هكذا يجب) كل موضوع الصراع مع إسرائيل على بساط البحث، فيما كشفت الحرب الأخيرة، وما رافقها من احتلال إسرائيلي لأجزاء واسعة من المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، أن المسار الآخر الذي أطلقته الدولة اللبنانية، أي مسار التفاوض، يصطدم بدوره بحدود شديدة الوضوح. فبحكم الشروط الإسرائيلية، وبحكم موازين القوى التي أنتجتها الحرب الأخيرة، وبحكم اللحظة الإقليمية الراهنة، أثبت مسار التفاوض حدود الدبلوماسية وحدود قدرة لبنان على تحقيق نتائج إيجابية من خلالها في غياب موازين قوى إقليمية تسمح له بتثمير المسار الدبلوماسي وجني مكاسب سياسية فعلية.
وهكذا، نحن أمام أزمة احتلال إسرائيلي مع فقدان الأدوات التي يستطيع لبنان استخدامها للتعامل معه، وهذه بحد ذاتها أزمة وطنية كبرى. إذ إن التفكير في مستقبل لبنان بجغرافيته الحالية وبنظامه الحالي لا يستطيع تجاوز سؤال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، ولا يمكن لأي صياغة أو معادلة وطنية لبنانية أن تستقيم إذا لم تتضمن رؤية واضحة لكيفية إنهاء هذا الاحتلال. وتزداد المسألة تعقيداً لكون الاحتلال الإسرائيلي مفتوحا على أزمة داخلية تنطلق أساساً من انقسام اللبنانيين حول الحرب وحول "حزب الله" نفسه وسلاحه، الأمر الذي يجعل التداخل بين أزمة الاحتلال والأزمة الداخلية تداخلاً بنيوياً لا يمكن القفز فوقه، ولا يمكن العبور إلى أي صيغة جديدة للبنان من دون التوقف عنده ومعالجته. ومن هنا تحديداً يبدو أن المخرج الحقيقي للأزمة اللبنانية يقع عند تقاطع المسارين، الداخلي والخارجي (المتمثل بدعم المسار التفاوضي)، وليس في فصل أحدهما عن الآخر.
ويبرز في هذا السياق عامل أساسي آخر يتمثل في سقوط المظلة الإقليمية التي كان يستند إليها "حزب الله"، نتيجة الحرب الأخيرة على إيران، ونتيجة عدم تمكن إيران من دعم "حزب الله" بالقدر الذي كان يحتاج إليه، خصوصاً في وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان. واليوم لا يخالط الشك أي مواطن جنوبي، وأي مواطن لبناني عموما، أن إيران لا تستطيع فرض وقف للاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب طالما أنها لم تتوصل إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة الأميركية. وبغض النظر عن مآلات هذا الاتفاق، فإن الهدنة التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران بعد حرب الـ60 يوما، والتي نصت على وقف الأعمال القتالية في مختلف الجبهات في المنطقة، لم تؤدِ إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مع أنها حيّدت بيروت وضاحيتها الجنوبية عن القصف الإسرائيلي، ولكنها تركت الجنوب لمصيره أمام آلة التدمير الإسرائيلية.
وقد كشف ذلك اختلال موازين القوى في المنطقة، كما كشف حدود القدرة الإيرانية على حماية "حزب الله" ومنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها في جنوب لبنان. بهذا المعنى إذن، سقطت المظلة الإقليمية التي كان يستند إليها "حزب الله" حتى الآن، حتى وإن كان هذا السقوط قابلاً لإعادة النظر مع تغير المعطيات الإقليمية. والأمر نفسه يمكن ملاحظته في اليمن، حيث إن المعارك ضد الحوثيين وما انتزع منهم خلال الأيام الماضية من مكاسب ميدانية يمثل بدوره مؤشراً إلى تراجع قدرة إيران على حماية حلفائها ودعمهم عسكريا في أكثر اللحظات التي يحتاجون فيها إلى دعمها. ففي الحالتين، حالة "حزب الله" وحالة الحوثيين، نحن أمام معركة وجودية بالنسبة إلى الطرفين، ولذلك فإن سقوط تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، وسقوط المخا واستعادة مواقع استراتيجية في منطقة باب المندب من يد الحوثيين، يطرحان سؤالا رئيسا حول قدرة إيران على تأمين الدعم لحلفائها في ساحات المواجهة الأساسية بالنسبة إليهم.

في المقابل، أثبتت نتائج المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، أن لبنان لا يستطيع الحصول على مكاسب حقيقية في هذه المفاوضات من دون مظلة إقليمية. وهذه هي المفارقة الأساسية في اللحظة الراهنة، فالمظلة الإقليمية التي كان يستند إليها "حزب الله" سقطت، وفي الوقت نفسه لا توجد مظلة إقليمية كافية للمسار الدبلوماسي اللبناني، في لحظة تجري فيها إعادة تشكيل المنطقة ورسم توازناتها. ومن الواضح أنه ليست هناك حتى الآن، جهوزية إقليمية أو قدرة إقليمية كافية لدعم لبنان في مواجهة إسرائيل، وإن كان ذلك معطى متحركا لم يبلغ نهايته بعد؛ فطالما أن الحرب في الخليج مفتوحة، والحرب اليمنية مفتوحة، وطالما أن العراق يواجه مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد الانسحاب الأميركي منه، فيما لا تزال سوريا في مرحلة انتقالية، فضلاً عن غزة والأراضي الفلسطينية التي تتعرض لمزيد من التوغل الإسرائيلي، كل ذلك يبقي المشهد الإقليمي ضبابياً ويجعله ينطوي باستمرار على تعقيدات وأزمات كبرى.

