لبنان بعد 3 سنوات على "7 أكتوبر"... الواقع الموضوعي لمشروعي "المقاومة" و"السلام"

أي حل في لبنان سيكون جزءاً من الحل الشامل في المنطقة

لينا جرادات
لينا جرادات

لبنان بعد 3 سنوات على "7 أكتوبر"... الواقع الموضوعي لمشروعي "المقاومة" و"السلام"

ثلاث سنوات على حرب غزة مثلت انكشافاً لبنانياً كاملاً أمام الحقائق الداخلية وأمام الحقائق الإقليمية وما بينهما من تداخل وثيق، وفي خلاصة هذه السنوات الثلاث يمكن القول إن مفهوم المقاومة كما جسده "حزب الله" قد سقط بالمعنى العسكري، وهو ما أعاد طرح (أو هكذا يجب) كل موضوع الصراع مع إسرائيل على بساط البحث، فيما كشفت الحرب الأخيرة، وما رافقها من احتلال إسرائيلي لأجزاء واسعة من المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، أن المسار الآخر الذي أطلقته الدولة اللبنانية، أي مسار التفاوض، يصطدم بدوره بحدود شديدة الوضوح. فبحكم الشروط الإسرائيلية، وبحكم موازين القوى التي أنتجتها الحرب الأخيرة، وبحكم اللحظة الإقليمية الراهنة، أثبت مسار التفاوض حدود الدبلوماسية وحدود قدرة لبنان على تحقيق نتائج إيجابية من خلالها في غياب موازين قوى إقليمية تسمح له بتثمير المسار الدبلوماسي وجني مكاسب سياسية فعلية.

وهكذا، نحن أمام أزمة احتلال إسرائيلي مع فقدان الأدوات التي يستطيع لبنان استخدامها للتعامل معه، وهذه بحد ذاتها أزمة وطنية كبرى. إذ إن التفكير في مستقبل لبنان بجغرافيته الحالية وبنظامه الحالي لا يستطيع تجاوز سؤال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، ولا يمكن لأي صياغة أو معادلة وطنية لبنانية أن تستقيم إذا لم تتضمن رؤية واضحة لكيفية إنهاء هذا الاحتلال. وتزداد المسألة تعقيداً لكون الاحتلال الإسرائيلي مفتوحا على أزمة داخلية تنطلق أساساً من انقسام اللبنانيين حول الحرب وحول "حزب الله" نفسه وسلاحه، الأمر الذي يجعل التداخل بين أزمة الاحتلال والأزمة الداخلية تداخلاً بنيوياً لا يمكن القفز فوقه، ولا يمكن العبور إلى أي صيغة جديدة للبنان من دون التوقف عنده ومعالجته. ومن هنا تحديداً يبدو أن المخرج الحقيقي للأزمة اللبنانية يقع عند تقاطع المسارين، الداخلي والخارجي (المتمثل بدعم المسار التفاوضي)، وليس في فصل أحدهما عن الآخر.

ويبرز في هذا السياق عامل أساسي آخر يتمثل في سقوط المظلة الإقليمية التي كان يستند إليها "حزب الله"، نتيجة الحرب الأخيرة على إيران، ونتيجة عدم تمكن إيران من دعم "حزب الله" بالقدر الذي كان يحتاج إليه، خصوصاً في وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان. واليوم لا يخالط الشك أي مواطن جنوبي، وأي مواطن لبناني عموما، أن إيران لا تستطيع فرض وقف للاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب طالما أنها لم تتوصل إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة الأميركية. وبغض النظر عن مآلات هذا الاتفاق، فإن الهدنة التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران بعد حرب الـ60 يوما، والتي نصت على وقف الأعمال القتالية في مختلف الجبهات في المنطقة، لم تؤدِ إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مع أنها حيّدت بيروت وضاحيتها الجنوبية عن القصف الإسرائيلي، ولكنها تركت الجنوب لمصيره أمام آلة التدمير الإسرائيلية.

وقد كشف ذلك اختلال موازين القوى في المنطقة، كما كشف حدود القدرة الإيرانية على حماية "حزب الله" ومنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها في جنوب لبنان. بهذا المعنى إذن، سقطت المظلة الإقليمية التي كان يستند إليها "حزب الله" حتى الآن، حتى وإن كان هذا السقوط قابلاً لإعادة النظر مع تغير المعطيات الإقليمية. والأمر نفسه يمكن ملاحظته في اليمن، حيث إن المعارك ضد الحوثيين وما انتزع منهم خلال الأيام الماضية من مكاسب ميدانية يمثل بدوره مؤشراً إلى تراجع قدرة إيران على حماية حلفائها ودعمهم عسكريا في أكثر اللحظات التي يحتاجون فيها إلى دعمها. ففي الحالتين، حالة "حزب الله" وحالة الحوثيين، نحن أمام معركة وجودية بالنسبة إلى الطرفين، ولذلك فإن سقوط تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، وسقوط المخا واستعادة مواقع استراتيجية في منطقة باب المندب من يد الحوثيين، يطرحان سؤالا رئيسا حول قدرة إيران على تأمين الدعم لحلفائها في ساحات المواجهة الأساسية بالنسبة إليهم.

أ.ف.ب
امرأة تسير بجوار مبنى مدمر في قرية زوطر الغربية بجنوب لبنان في 26 يوليو 2026

في المقابل، أثبتت نتائج المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، أن لبنان لا يستطيع الحصول على مكاسب حقيقية في هذه المفاوضات من دون مظلة إقليمية. وهذه هي المفارقة الأساسية في اللحظة الراهنة، فالمظلة الإقليمية التي كان يستند إليها "حزب الله" سقطت، وفي الوقت نفسه لا توجد مظلة إقليمية كافية للمسار الدبلوماسي اللبناني، في لحظة تجري فيها إعادة تشكيل المنطقة ورسم توازناتها. ومن الواضح أنه ليست هناك حتى الآن، جهوزية إقليمية أو قدرة إقليمية كافية لدعم لبنان في مواجهة إسرائيل، وإن كان ذلك معطى متحركا لم يبلغ نهايته بعد؛ فطالما أن الحرب في الخليج مفتوحة، والحرب اليمنية مفتوحة، وطالما أن العراق يواجه مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بعد الانسحاب الأميركي منه، فيما لا تزال سوريا في مرحلة انتقالية، فضلاً عن غزة والأراضي الفلسطينية التي تتعرض لمزيد من التوغل الإسرائيلي، كل ذلك يبقي المشهد الإقليمي ضبابياً ويجعله ينطوي باستمرار على تعقيدات وأزمات كبرى.

هناك مؤشرات إلى بداية تشكّل بنية إقليمية أمنية وسياسية جديدة، وأبرزها دخول "تحالف مكة" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حيّز التنفيذ بموازاة الحرب الدائرة في اليمن

عليه يصبح أي حل في لبنان جزءاً من الحل الشامل في المنطقة، وهو حل لم تتضح ملامحه بعد، وهذا ما يجعل التداخل بين الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية والحقائق الإقليمية أكثر عمقاً في الحالة اللبنانية. وهنا لا يمكن تجاهل الربط بين الوضعين السوري واللبناني، خصوصاً أن إسرائيل تتوغل في البلدين وأن الوحدة الجغرافية لهما باتت موضع تشكيك وأكثر هشاشة أمام الوقائع الأمنية والسياسية-الاجتماعية الجديدة. فالجغرافيا السياسية في المنطقة لم تعد تتطابق بالضرورة مع خرائط سايكس-بيكو كما عرفناها خلال المئة سنة الماضية، أو بمفردات أخرى فإن الحدود الوطنية التقليدية لم تعد قادرة على استيعاب أو احتواء الحقائق السياسية-الاجتماعية داخلها. ومن الأمثلة على ذلك أن سكان طرابلس اللبنانية أصبحوا في غالبيتهم، وبحكم ظروف تاريخية وراهنة لا متسع لذكرها هنا، أقرب سياسيا واجتماعيا إلى سلطة الرئيس السوري أحمد الشرع من مناطق سورية أخرى كمنطقة السويداء أو الساحل السوري، فيما تحاول إسرائيل فرض وقائع أمنية-جغرافية جديدة في الجنوب السوري والجنوب اللبناني معاً. ولذلك فإن السؤال المتعلق بالجغرافيا والخرائط السياسية وحدود الدول أصبح سؤالا مطروحا أكثر من أي وقت مضى، بما في ذلك احتمال نشوء أشكال من اللامركزية الإقليمية أو مناطق نفوذ تتجاوز الحدود التقليدية المرسومة منذ مئة عام، والتي قد يعاد النظر فيها، على ما ألمح أكثر من مرة المبعوث الأميركي توم باراك بقوله مرة إن إسرائيل لم تعد تعترف بـ"سايكس بيكو"- وهو ما يمكن اعتباره أيضا ثأرا أميركياً من الإرث البريطاني الفرنسي في المشرق- ومرة أخرى بقوله إن طرابلس قد تضم إلى سوريا.

ولذلك ثمة سؤال ملحّ متعلق بكيفية تصرف "حزب الله"- كقوة رئيسة في لبنان، وكقوة كانت قد أخذت على عاتقها في مرحلة سابقة مستقبل سوريا ولبنان- في المرحلة المقبلة. فمن الواضح أن "الحزب" لا يمتلك، حتى الآن، مشروعاً وطنياً أو تصوراً لمشروع يعيد صياغة الفكرة الوطنية اللبنانية بمضامين جديدة في ظل المتغيرات الحاصلة، بحيث لا يعود يعرف نفسه بسلاحه بل كقوة اجتماعية- سياسية تتطلع إلى إخراج لبنان من مأزقه الوجودي. وفي المقابل، فإن خصوم "حزب الله"، سواء السلطة الحالية أو القوى السياسية الداعمة لها، لا يمتلكون أيضاً مشروعاً وطنياً واضحاً يستطيعون دعوة "الحزب" و"بيئته" إلى الانخراط فيه. هناك مشروع الدولة كفكرة، لكن هذا المشروع يحتاج إلى أدوات مالية وسلطوية وإلى توسيع الحاضنة الاجتماعية للدولة، خصوصاً بعد الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019 وانهيار جزء أساسي من وظائف الدولة الاجتماعية.

ينطبق ذلك بصورة مباشرة على جنوب لبنان، حيث إن عودة الدولة إلى الجنوب بقوة لا تتوقف فقط على قدرتها العسكرية والأمنية على حصر السلاح بيدها، وإنما كذلك على قدراتها التمويلية وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين الجنوبيين والتخفيف من تداعيات الحرب عليهم، فضلاً عن مسؤوليتها الأساسية في تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. وهذا يعني أن غياب مشروع وطني يمتلك كامل مقوماته يخلق فراغاً سياسياً حقيقياً في لبنان، وهو فراغ لا يمكن تعويضه بأي دعم إقليمي، خصوصاً أن صيغة الدعم الإقليمي الجديدة للبنان لم تتبلور بعد.

وغني عن القول هنا، إن هناك مؤشرات إلى بداية تشكّل بنية إقليمية أمنية وسياسية جديدة، وأبرزها دخول "تحالف مكة" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حيّز التنفيذ بموازاة الحرب الدائرة في اليمن واستهداف السعودية. وهذا التحالف سيكون له، بطبيعة الحال، أثر على المرحلة المستقبلية في لبنان، خصوصاً أن دولتين من أطرافه، تركيا والسعودية، تمتلكان نفوذاً تاريخيا أكيداً فيه، مع احتفاظ الرياض بالأرجحية الكبرى. لكن لا يزال من المبكر تصور مفاعيل هذا التحالف على لبنان، ولاسيما أن تأثيره الأساسي سيكون من خلال الضغط على الإدارة الأميركية- في إطار عملية تبادل المصالح بين واشنطن وعواصم هذا التحالف- بهدف الدفع نحو تخفيف الضغوط الإسرائيلية أو تأمين انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ومن جنوب سوريا أيضاً. وهذه مسألة لم تتضح صورتها النهائية بعد، ولذلك يبقى المشهد اللبناني شديد الضبابية والغموض. مع الإشارة إلى أن التسريبات التي نشرتها "رويترز" عن لقاء جمع قيادات من "حزب الله" والنظام السوري برعاية تركية، تشي بمقدار اهتمام أنقرة بالمشرق العربي، فعلى الرغم من نفي الأطراف المعنية حصول هذا اللقاء، فإن هذا النفي لم يترافق مع لغة تصعيدية بين دمشق و"حزب الله"، وهو ما يؤشر إلى مرحلة جديدة في مقاربة كل منهما للآخر، في سياق اللحظة الإقليمية الراهنة. ولا بد هنا من استعادة "مزحة" الرئيس السوري خلال زيارته الأخيرة إلى نيويورك، إذ كشف أنه قال لدونالد ترمب، خلال زيارته السابقة: "لماذا تعطيهم الجولان ولا تعطيهم نيوجيرسي؟ أنت لا تملك الجولان لتمنحها لإسرائيل، ولكنك تملك نيوجيرسي"، وهو ما يكشف ليس تشددا سورياً وحسب بخصوص الجولان والجنوب السوري، بل تركياً أيضا، ولاسيما بعد ربط الرئيس التركي بين أمن تركيا وأمن كل سوريا ولبنان.

أثبتت تجربة رفيق الحريري، على قصرها وما حملته من تناقضات، أن إعادة صياغة فكرة معينة للبلد بعد الحروب والأزمات الكبرى تمر في جانب أساسي منها عبر إنعاش الاقتصاد

والحال أن الغموض يزداد حول لبنان بفعل تراجع قدرة إيران على إدارة نفوذها في المنطقة والبدء بعملية جديدة لتقاسم النفوذ الإقليمي، وثمة احتمال أن يبقى العراق إلى حد بعيد ضمن الحصة الإيرانية، ويخرج اليمن إلى حد بعيد من دائرة النفوذ الإيراني، فيما يتحول لبنان وسوريا إلى نقطة تقاطع نفوذ دول عدة، وهذا كله على افتراض أن التسوية الإقليمية مع إيران ممكنة وقابلة للاستمرار. وهذا ربما يكون أحد أكثر السيناريوهات احتمالاً للمستقبل اللبناني، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر وتناقضات كبيرة، لأن تقاسم النفوذ في لبنان لم يكن سهلاً يوماً، ولن يكون سهلاً في المرحلة المقبلة.

أ.ف.ب
صورة ملتقطة من قرية "الحنية" في جنوب لبنان، تظهر تصاعد الدخان من موقع سلسلة من التفجيرات التي نفذتها إسرائيل في قرية "المنصوري" المجاورة 28 سبتمبر 2026

وفي كل هذه التحولات، تبقى مسؤولية اللبنانيين كبيرة إذا أرادوا فعلا إعادة بناء بلدهم، لكن السؤال الأعمق يتعلق بقدرة لبنان نفسه على إعادة إنتاج تركيبته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التاريخية. ليس السؤال في أن يزول لبنان عن الخريطة، وإنما في ما إذا كان قادراً على إعادة إنتاج حيويته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلى أن يكون له دور في مستقبل المنطقة كما كان عليه في مراحل سابقة. وربما يكون المدخل الاقتصادي هو المدخل الأكثر واقعية لإعادة تحفيز الواقع الاجتماعي-السياسي في لبنان وإعادة صياغة فكرة وطنية لبنانية جديدة أو محدثة. إلا أن هذا المسار لا يبدو متوافراً حتى الآن، خلافاً لسوريا التي، على الرغم من أزمتها الاجتماعية والاقتصادية الهائلة، يبدو أن هناك اهتماماً إقليمياً ودولياً بدورها الاقتصادي المستقبلي.

وقد أثبتت تجربة رفيق الحريري، على قصرها وما حملته من تناقضات، أن إعادة صياغة فكرة معينة للبلد بعد الحروب والأزمات الكبرى تمر في جانب أساسي منها عبر إنعاش الاقتصاد. لبنان بعيد اليوم عن هذا المسار، كما أن المنطقة نفسها لم تصل بعد إلى لحظة استقرار تسمح بتحديد موقعه النهائي في النظام الإقليمي الجديد. ولذلك فإن لبنان، بعد ثلاث سنوات على "7 أكتوبر"، يقف في المنطقة الرمادية والخطرة بين مشروعي "المقاومة" و"السلام"، وذلك بعد سقوط صيغة "المقاومة" كما أرادها "حزب الله"، والتي حكمت علاقته بالصراع مع إسرائيل خلال العقود الماضية، في وقت لم تنضج بعد الصيغة الدبلوماسية القادرة على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فيما لم تتشكل بعد المظلة الإقليمية التي تستطيع حماية أي تسوية مع إسرائيل، مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل الحالية ليست "إسرائيل تسوية". وبين هذه المستويات الثلاثة، أي الاحتلال، والأزمة الداخلية، وإعادة تشكيل المنطقة، يتحدد السؤال اللبناني الحقيقي: كيف يمكن إعادة بناء الدولة والبلد في لحظة تتغير فيها الحدود الفعلية للنفوذ، وتتبدل فيها موازين القوى، ويعاد فيها تعريف موقع لبنان نفسه داخل المشرق والمنطقة عموما؟

font change