بعد 3 أعوام على عملية "طوفان الأقصى"، التي بادرت إليها حركة "حماس" (7/10/2023)، وقُتل فيها نحو 1200 شخص في إسرائيل واحتُجز 251 رهينة، والتي وجدت فيها الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل (نتنياهو وسموتريتش وبن غفير) فرصة سانحة لشنّ حرب على الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أنها ترقى إلى إبادة جماعية، وهو ما ترفضه إسرائيل، ولإشعال حرب متعددة الجبهات في منطقة الشرق الأوسط كلها، بات يمكن إجراء قراءة أوليّة للتداعيات الكبيرة الناجمة عن تلك الحرب، على الفلسطينيين، وعلى الصعيد الإقليمي، وكذلك على إسرائيل، داخليا وخارجيا، بشكل موضوعي، وبمعزل عن العواطف، والمقولات الجاهزة والمسبقة.
تغيرات سياسية غير مسبوقة
هكذا، فقد نجم عن تلك الحرب الوحشية، والمدمرة، تغيرات، وتحولات، هائلة لعل أهمها يتمثّل في أن إسرائيل باتت الدولة الأكثر جبروتا، وفاعلية، في الشرق الأوسط، إلى درجة أنها ما زالت تخوض، منذ ثلاثة أعوام، حربا على عدة جبهات، دون أن تظهر عليها علامات تعب، أو تصدّع، عسكري أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، بما يمكن تفسيره بتماسك المجتمع الإسرائيلي إزاء أي خطر خارجي يراه وجوديا، كما يمكن إحالته إلى قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، والدعم الأميركي اللامحدود لها.

في المقابل، فقد تراجعت مكانة إيران، كفاعل إقليمي في الشرق الأوسط، بعد أن استهدفتها تلك الحرب، لإضعافها، وتحجيم مكانتها، وتقويض نفوذها في لبنان والعراق وسوريا واليمن، مع فرض الحصار المشدد عليها، لخنقها اقتصاديا، لإجبارها على التخلّي عن مشروعها النووي، وعن دعمها الميليشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لها في دول المشرق العربي، وحرمانها من القدرة على تهديد حرية الملاحة في الخليج العربي.
ويستنتج من ذلك أن حرب إسرائيل، التي بدأتها ضد الفلسطينيين ما لبثت أن حولتها إلى حرب إقليمية ودولية، بكل الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية.
أيضا، يأتي ضمن تلك التغيرات واقع تفكيك قضية فلسطين، سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً، مع وأد مشروع الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش، وفرض الوصاية الدولية عليه، وتاليا فكّ ارتباطه بالضفة، التي باتت تحت الهيمنة الإسرائيلية، كإدارة مدنية وكجيش وكمستوطنين، الذين بات بعضهم يعمل بمثابة ميليشيا منظمة تحظى بغطاء من الحكومة، بحيث بات وجود السلطة الفلسطينية محصورا في المدن، لكن دون سلطة على الأرض والموارد والمعابر، ولا حتى على الشعب.



