الغزيون معلقون بين النزوح والجوع والمرض

بعد دمار المنازل وتشريد العائلات، يواجه الغزيون منظومة صحية منهكة وانتشارا للأمراض، فيما تتفاقم أزمة الجوع وسط نقص الغذاء والعقبات التي تحول دون وصول المساعدات

ديانا إستيفانيا روبيو وسارة بادوفان
ديانا إستيفانيا روبيو وسارة بادوفان

الغزيون معلقون بين النزوح والجوع والمرض

في غزة، تمتد آثار الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، من عائلات تبحث عن مأوى، إلى مصابين يحتاجون إلى العلاج والتأهيل، وأطفال ينتظرون وجبة توفر لهم ما يحتاجون إليه للنمو. فالخسائر تتجاوز لحظة القصف، لترافق الناجين في رحلة طويلة لاستعادة ما فقدوه من صحة وأمان واستقرار.

تبدو رحلة التعافي شاقة أمام حجم الدمار الذي طال المنازل والبنية التحتية، إذ قدرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، فيما طالت الأضرار 201,290 منشأة، أي 82 في المئة من إجمالي المنشآت في غزة، و328,627 وحدة سكنية، وفق أحدث تقييم أممي. وخلف هذه الأرقام، عائلات فقدت منازلها واضطرت إلى النزوح مرارا تحت وطأة القصف وأوامر الإخلاء الإسرائيلية، لتجد نفسها في خيام تنتشر على امتداد الشاطئ وفي الأراضي المفتوحة والمساحات الخالية. وهناك، يواجه النازحون ظروفا قاسية، في ملاجئ مؤقتة تفتقر إلى الحماية من حر الصيف وأمطار الشتاء ورياحه، وتضيق بقاطنيها في ظل الاكتظاظ، فيما تتلاشى الخصوصية وتتعثر سبل الحصول على مرافق الصرف الصحي والخدمات الأساس. وحتى الخيام التي لجأوا إليها طلبا للأمان لم تسلم من الهجمات، مما يعرض العائلات لخطر النزوح مجددا، ويجعل العثور على مأوى يوفر الحد الأدنى من الأمان والاستقرار معاناة يومية مستمرة في حياة أنهكها التهجير.

وتواجه المنظومة الصحية عبئا يتجاوز قدرتها على الاستجابة. فبعد توثيق نحو مئات الهجمات على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها، ومقتل أكثر من 1,700 من الكوادر الصحية، لا يعمل أي من مستشفيات غزة الـ36 بكامل طاقته، فيما يعمل 19 منها جزئيا. ويحتاج أكثر من 6,600 شخص إلى خدمات التأهيل، في وقت تتطلب فيه الإصابات والعاهات الناجمة عن الحرب رعاية متواصلة وإمكانات يصعب توفيرها وسط هذا النقص.

وتتسع دائرة المعاناة مع تفاقم الأمراض المرتبطة بظروف النزوح وتراجع خدمات النظافة. ففي نصف مواقع النزوح التي شملها مسح أممي، يعاني السكان أمراضا جلدية، فيما تنتشر القوارض والآفات في نحو 80 في المئة من المواقع. ويتعرض أطفال لعضات الجرذان أثناء النوم، بينما تتسبب العدوى البكتيرية في تقرحات جلدية مؤلمة، في مشهد يعكس الأخطار الصحية التي تلاحق العائلات حتى داخل ملاجئها المؤقتة. ومع الاكتظاظ وتراكم النفايات وشح المياه ومستلزمات النظافة، تزداد صعوبة الوقاية من العدوى والحصول على العلاج والقدرة على احتواء هذه الأخطار المتفاقمة.

أما الجوع، فيفرض على العائلات معركة يومية لتأمين الغذاء. إذ يواجه أكثر من 1.4 مليون شخص، أي 67 في المئة من السكان المشمولين بالتقديرات، مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مرحلة الأزمة، أو ما هو أشد، بينهم 212 ألفا يواجهون ظروفا طارئة. وفي مواجهة هذا الاحتياج، تؤدي المطابخ المجتمعية دورا حيويا في إبقاء الطعام متاحا لآلاف العائلات، إذ يوفر أكثر من مئة مطبخ نحو 732 ألف وجبة يوميا. ومع ذلك، تظل هذه الجهود دون حجم الاحتياجات، في ظل محدودية فرص الحصول على غذاء كاف ومتنوع. فلا يحصل على نظام غذائي يلبي احتياجاته سوى طفل واحد من كل خمسة.

ولا يعني وصول المساعدات إلى غزة بالضرورة وصولها إلى من يحتاجون إليها. إذ زادت القيود المفروضة على دخول المساعدات وتوزيعها من صعوبة حصول العائلات على الغذاء، حتى خلال فترات تحسن تدفق الإمدادات عقب وقف إطلاق النار. فقد أُغلقت المعابر مجددا في أواخر فبراير/شباط 2026، قبل السماح بدخول المساعدات تدريجيا، فيما أدى إغلاق معبر زيكيم لاحقا إلى تقليص مسارات الإمداد وزيادة الضغط على معبر كرم أبو سالم. وبقيت الكميات الواصلة دون مستوى الاحتياجات، فيما حالت القيود على الحركة والتوزيع والعقبات الميدانية دون وصول الإغاثة بانتظام إلى جميع المحتاجين.

واضطر كثير من الغزيين إلى التوجه نحو شاحنات المساعدات أو نقاط توزيع الغذاء بحثا عن حصة تسد رمق عائلاتهم، في مشهد تحول فيه السعي إلى الطعام إلى خطر على الحياة. ووثقت الأمم المتحدة مقتل وإصابة أشخاص أثناء انتظار شاحنات الإمدادات أو التوجه إلى مواقع التوزيع، فيما أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمقتل ما لا يقل عن 2,256 شخصا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات، بين 27 مايو/أيار و9 سبتمبر/أيلول 2025، قرب مواقع التوزيع العسكرية وعلى طرق قوافل الإمداد.

font change