على رف واحد

على رف واحد

استمع إلى المقال دقيقة

لو أخفينا عنوان كتاب "المختصر في حساب الجبر والمقابلة" لمحمد بن موسى الخوارزمي ثم نظرنا في مقدمته، ربما نظن للوهلة الأولى أننا أمام مقدمة كتاب في الفقه أو الحديث أو الأصول. يتحدث الخوارزمي عن العلماء الذين كتبوا في "صنوف العلم ووجوه الحكمة"، وعن التأليف "احتسابا للأجر"، وعن عالم سبق إلى معرفة، وآخر شرح ما استغلق منها، وثالث أصلح خللا. ثم يبين لماذا ألف كتابه في الجبر فيقول: "ألفت كتابا مختصرا حاصرا للطيف الحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكري الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه، مقدما لحسن النية فيه، وراجيا لأن يبذله أهل الأدب بفضل ما استودعوا من نعم الله تعالى".

نحن أمام واحد من الكتب المؤسسة لعلم الجبر، وأعظم كتاب في تاريخ الرياضيات في العالم، وما زال اسمه لليوم مرتبط بأعظم الثورات العلمية الحديثة وهي الذكاء الاصطناعي التي تسير وفق الخوارزميات التي اشتقت من اسم مؤلفه. لكننا منذ الصفحة الأولى لذلك الكتاب نتحرك داخل الفضاء الثقافي الذي كتبت فيه كتب الفقه والحديث والتفسير، نفس اللغة والمفردات والروح وحتى العناوين والمقدمات.

هذه ليست حالة منفردة، بل سمة بارزة في تاريخ المعرفة في الحضارة الإسلامية، كانت العلوم متعددة ومتخصصة، لكن الثقافة التي أنتجتها كانت واحدة. ويكفي أحيانا أن نتجول بين عناوين الكتب القديمة، حيث نجد في الفقه "مختصر المزني"، وفي علم الفلك "مختصر في علم الهيئة" للأبهري. وفي الحديث "الجامع الصحيح" للبخاري، وفي الصيدلة "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" لابن البيطار، وفي الهندسة والميكانيكا "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" للجزري. ويظهر "الكافي" في الفقه، ثم نجده عند الكرجي في "الكافي في الحساب". وفي الفلك "التذكرة في علم الهيئة"، وفي طب العيون "تذكرة الكحالين". وحتى لفظ "الأصول" نجده في البيئة الرياضية في "تحرير أصول إقليدس" للطوسي، بينما يسمي ابن سينا موسوعته "القانون في الطب"، ويكتب الخازني "ميزان الحكمة".

كانوا يكتبون بروح ثقافية واحدة، ولغة عربية واحدة، لم تفرقهم العلوم، بل جمعت بينهم في قالب واحد. بل إن التشابه يتجاوز العناوين إلى طريقة بناء الكتب نفسها، أبواب وفصول ومسائل، وأصول وفروع، واختصار وشرح، وتهذيب وتحرير واستدراك. كان القارئ ينتقل من رف الفقه إلى رف الحساب أو الطب أو الفلك، فيجد علما آخر، لكنه لا يشعر أنه دخل إلى حضارة أخرى، أو ثقافة غريبة عنه.

كان القارئ ينتقل من رف الفقه إلى رف الحساب أو الطب أو الفلك، فيجد علما آخر، لكنه لا يشعر بأنه دخل إلى حضارة أخرى، أو ثقافة غريبة عنه

ولم تكن هذه الوحدة تعني ذوبان العلوم في بعضها. كان الفقيه فقيها، والطبيب طبيبا، والفلكي فلكيا، لكن الحاجات التي تستدعي هذه العلوم كانت متشابكة. فقسمة التركة تبدأ من حكم فقهي ثم تتحول إلى كسور وحساب، وتحديد أوقات الصلاة يفتح بابا للفلك وحركة الشمس والظل، وتحديد القبلة يستدعي الجغرافيا والهندسة، وقياس الأراضي والقنوات يجمع الحساب بالعمران.

ولهذا كان طبيعيا عند الخوارزمي أن تجتمع المواريث والوصايا والتجارة ومساحة الأرض في كتاب رياضي واحد. كانت المعرفة تتحرك داخل شبكة من الحاجات الدينية والاجتماعية والعمرانية. لم تكن العلوم عندهم بتنوعها واختلافها جزرا معرفية مغلقة، وإنما تجمعها وحدة اللغة، ووحدة القيم والمرجعية، وتقارب طرائق التأليف، واشتراك العلوم في الأسئلة والحاجات.

ويكشف كتاب "مفاتيح العلوم" لمحمد بن أحمد الخوارزمي هذه الصورة بوضوح، إذ يجمع في خريطة واحدة الفقه والكلام والنحو والكتابة والشعر، إلى جوار الطب والحساب والهندسة والنجوم والموسيقى والحيل والكيمياء. علوم مختلفة، لكن مفاتيحها داخل عالم معرفي واحد.

وتزداد الصورة وضوحا في مقدمات الكتب، ففي "ميزان الحكمة" للخازني، وهو كتاب في الموازين والكثافات، يتحدث في مقدمته عن معنى العدل والميزان والاستقامة، وفيها يقول: "ولما اختص العدل بهذه الرتبة العلية والمنزلة السنية أفاض الله عليه خلع الرضاء والمحبة، وأحبه إلى قلوب عباده جملة حتى صار مألوف الطباع ومطلوب النفوس". ثم ينتقل إلى الأوزان والفلزات والماء ومراكز الأثقال. لم يكن العالم يحتاج إلى مغادرة لغته الأخلاقية والثقافية حين يدخل ميدان العلم الطبيعي، بل يتحرك في فضائها وإطارها أينما توجه.

ويختصر عنوان الجزري الفكرة كلها: "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل". علم، وعمل، ونفع. فالتقنية والهندسة والصناعة لها مبادئ وأخلاق، ولهذا تتكرر في كتب العلماء كلمات النفع، والإتقان، ورفع الحاجة، وشرح المشكل، وإصلاح الخلل.

هذه التجربة التاريخية هي نموذج حي ماثل أمامنا على قدرة العربية على استيعاب المعرفة وصناعة مصطلحاتها وبناء ثقافة علمية كاملة

وفي هذا كله شاهد على حيوية اللغة العربية وقدرتها، فقد استطاعت أن تكون فضاء واسعا يجمع الفقه والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والهندسة والأدب، وأن تمنح هذه العلوم، على اختلاف موضوعاتها ومناهجها، لغة مشتركة للتفكير والتأليف. وهذه التجربة التاريخية هي نموذج حي ماثل أمامنا على قدرة العربية على استيعاب المعرفة وصناعة مصطلحاتها وبناء ثقافة علمية كاملة.

ونحن اليوم أكثر ما نحتاج إلى استعادة هذه الفكرة، والتأمل فيها، أن يعرف الطبيب والمهندس والفقيه والمؤرخ أنهم مع اختلاف أدواتهم وأسئلتهم، يعملون داخل ثقافة واحدة، وأن تكون لنا علوم كثيرة، من غير أن تكون لنا ثقافات متباعدة.

font change