سوريا... هكذا تساعد اليمن

تستطيع "سوريا الجديدة" مساعدة اليمن، تثبيت خروجها من المحور الإيراني، وقطع طرق الإمداد والنفوذ التي استخدمتها طهران وبناء شبكة مصالح تربط دمشق ببغداد وبيروت وتطرق أبواب صنعاء لتخرج من القبضة الإيرانية

سوريا... هكذا تساعد اليمن

استمع إلى المقال دقيقة

قبل أشهر، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الرئيس السوري أحمد الشرع فكرة إرسال قوات سورية إلى لبنان للمساهمة في نزع سلاح "حزب الله". وتحدث دبلوماسيون عن حزمة إغراءات تتضمن، تعهداً أميركياً بتمويل إعادة إعمار سوريا بقيمة 300 مليار دولار، وغطاء جوياً أميركياً، وأسلحة متطورة، وتعاوناً استخباراتياً، إلى جانب تحالف عربي وإسلامي يوفر الغطاء السياسي للعملية. وذهب البعض إلى اقتراح إرسال المقاتلين الأجانب إلى لبنان، بحيث تتحول مشاركتهم في الحرب إلى وسيلة للتخلص منهم.

لم تتحول هذه التصورات إلى اتفاقات. وبعد اللقاء الذي جمع الشرع وترمب في تركيا في يوليو/تموز الماضي، برز اتجاه سوري مختلف، يقوم على ضبط حدود لبنان، ومنع تهريب السلاح والمقاتلين والمخدرات، والتعاون التقني والاستخباراتي مع جهات دولية ومؤسسات لبنانية، وتعزيز العلاقات بين دمشق وبيروت.

قبل أيام، عاد النقاش نفسه، لكن من بوابة اليمن. تحدثت تقارير عن احتمال إرسال ما بين 10 آلاف و20 ألف مقاتل سوري للمشاركة إلى جانب القوات اليمنية في مواجهة الحوثيين. وعادت أيضاً فكرة التخلص من المقاتلين الأجانب، في سيناريو يشبه ما طُرح بشأن لبنان.

في الحالتين، يبدو أن بعض التصورات لا تزال تستحضر أدوار سوريا السابقة. فعند الحديث عن لبنان، تحضر تجربة التدخل العسكري السوري عام 1976، وما تلاها من إخراج "منظمة التحرير الفلسطنية" وياسر عرفات ومصادرة قرار بيروت. وعند الحديث عن اليمن، تحضر مشاركة الجيش السوري الرمزية في التحالف الذي أخرج قوات صدام حسين من الكويت عام 1991.

لكن اليوم العالم تغير، وسوريا ليست سوريا الأسد، والشرق الأوسط لم يعد كما كان في السبعينات أو مطلع التسعينات. "سوريا الجديدة" خرجت من حرب طويلة، ولا تزال تواجه تحديات بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز توحيد القوات المسلحة، وإعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد وتثبيت الأمن.

هذا الاختلاف لا يعني حياد دمشق في الصراع الإقليمي أو وقوفها على مسافة واحدة بين الحكومة الشرعية اليمنية والحوثي وإيران. حلفاؤها، السعودية وتركيا وباكستان، في "حلف مكة". بوصلة دمشق معروفة الاتجاه وتدرك الدور المحوري الذي لعبته السعودية في إعادة دمج "سوريا الجديدة" عربياً ودولياً، ودعم مسار رفع العقوبات عنها. كما تدرك أهمية أمن الخليج العربي لاستقرار المنطقة.

تعرف دمشق جيدا مخاطر وكلاء إيران وجُرحت بمخالبها. وتدرك أن إنهاء نفوذ الحوثيين في اليمن لا يقل أهمية عن إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، وأن تحرير صنعاء لا يقل أهمية عن تحرير دمشق.

سقوط نظام الأسد أنهى أحد أهم الجسور التي ربطت طهران بحلفائها في لبنان والمنطقة، وشكل تحولاً استراتيجياً تتجاوز نتائجه حدود البلاد. ودمشق اليوم تعمل على تثبيت الأمن الداخلي، وضبط الحدود مع لبنان والعراق، ومنع استخدام الأراضي السورية ممراً للسلاح والمقاتلين والمخدرات والشبكات المرتبطة بإيران.

تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي لسوريا أهمية كبيرة، فهناك فرص لإعادة تنشيط خطوط نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط

يمكن أن تكون الخطوات المؤثرة هي تلك التي تُتخذ بين دمشق وبغداد وبيروت. مع العراق، تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي لسوريا أهمية كبيرة، فهناك فرص لإعادة تنشيط خطوط نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، وتطوير شبكات الطاقة، واستيراد العراق الفيول، وتوسيع حركة التجارة والنقل البري. ويمكن لهذه المشروعات أن تعيد بناء روابط اقتصادية تعطلت بفعل الحروب والعقوبات والصراعات السياسية.

وفي لبنان، تتيح إعادة تنظيم المعابر وتطوير شبكات الكهرباء والغاز والنقل، إلى جانب التعاون الأمني بين المؤسسات الرسمية، فرصة لإقامة علاقة مختلفة عن تلك التي سادت خلال عقود الوصاية السورية، حين كانت الأجهزة الأمنية والتنظيمات المسلحة تتقدم على مؤسسات الدولة.

هكذا تستطيع "سوريا الجديدة" مساعدة اليمن، تثبيت خروجها من المحور الإيراني، وقطع طرق الإمداد والنفوذ التي استخدمتها طهران

ليس المقصود أن التعاون الاقتصادي وحده قادر على نزع سلاح "حزب الله" وتسليم سلاح الميليشيات للدولة العراقية أو إنهاء نفوذ الحوثيين. فلكل منها ظروفه وحساباته. لكن قيام علاقات مستقرة بين دمشق وبيروت وبغداد، وتراجع قدرة إيران على استخدام الأراضي السورية ممراً إلى حلفائها، يغيران جانباً مهماً من البيئة الإقليمية التي استفادت منها طهران طوال عقود. هذا مكسب لا يقتصر على الدول الثلاث، بل ينعكس على أمن الخليج والبحر الأحمر، ويحدّ من قدرة إيران على تنسيق نفوذها الإقليمي، وإن بصورة غير مباشرة.

في عام 1976، دخل الجيش السوري لبنان ليصبح لاعباً أساسياً في تقرير مستقبله وخطف قراره. وفي عام 1991، أرسلت دمشق، بعد تفكك حليفها السوفياتي، قواتها إلى التحالف الذي حرر الكويت. أما في عام 2026، فإن أمام سوريا فرصة لتقديم مساهمة من نوع مختلف، لا تنطلق من الانتشار العسكري خارج حدودها، بل من الانتشار على الحدود وتثبيت الدولة وأمنها واقتصادها وإعادة بناء علاقاتها مع جيرانها.

هكذا تستطيع "سوريا الجديدة" مساعدة اليمن، تثبيت خروجها من المحور الإيراني، وقطع طرق الإمداد والنفوذ التي استخدمتها طهران، وبناء شبكة مصالح تربط دمشق ببغداد وبيروت... وتطرق أبواب صنعاء لتخرج من القبضة الإيرانية.

font change