لم يكن الاعتداء الحوثي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض هجوما إرهابيا على منشأة مدنية وحسب، بل كشف مفارقة بين رؤية تستثمر في المطارات والموانئ والمضائق والتكنولوجيا لعبور الحدود وربط بلاده بالعالم، ومشروع يستثمر في الأنفاق والصواريخ والمسيّرات والتحصينات لاختراق الحدود وعزل نفسه عن العالم.
ولعل جنسيات ضحايا الاعتداء تختصر هذه المفارقة. سعوديون وسوريون وأردنيون ومصريون وأميركيون وهنود وبنغلاديشيون، بينهم معتمرون. أشخاص من دول مختلفة جمعتهم صالة مطار، قبل أن يستهدفهم اعتداء واحد. لم يكونوا أطرافاً في النزاع اليمني أو حرب إيران. كانوا مسافرين إلى أعمالهم وعائلاتهم وبلدانهم. جمعهم المطار، واستهدفهم صاروخ من نفق.
المطار ليس مجرد مدرج وصالات. إنه جزء من شبكة عالمية تقوم على القوانين والاتفاقات والمؤسسات والثقة المتبادلة. الطائرة التي تقلع من الرياض إلى جهات العالم تعبر أجواء دول عدة، وتحمل جنسيات مختلفة، وتربط أسواقاً ومجتمعات وعائلات. إنها تعبير عن عالم تتداخل فيه المصالح، وتصبح فيه الحدود معابر للتواصل لا خطوطاً للمواجهة.
أما النفق العسكري، حين يتحول إلى قاعدة لجماعة مسلحة خارج سلطة الدولة، فهو جزء من منظومة مختلفة. شبكة للتحصين والتخزين والاتصالات وإخفاء الأسلحة ومنصات الإطلاق. وليس الحديث عن كهوف بدائية أو جماعات تجهل التكنولوجيا. فالأنفاق الحديثة تحتاج إلى مهندسين وخبراء وتمويل ومعدات وتقنيات متقدمة. المشكلة ليست في غياب المعرفة، بل في توجيهها عبر الوكلاء إلى الحرب بدلاً من التنمية.
المطار رمز الحياة ويعمل في الضوء، والنفق وصفة الموت ويعيش في الظلام. وعرفت إيران ووكلاؤها وحلفاؤها نماذج متعددة لهذه الأنفاق. في لبنان، أقام "حزب الله" شبكات من التحصينات والمنشآت العسكرية. وكذلك فعلت "كتائب حزب الله" وميليشيات عراقية. وفي غزة، بنت "حماس" شبكة واسعة تحت الأرض للحركة والتخزين والقيادة والقتال. (في سوريا، حفرت "قوات سوريا الديمقراطية" أنفاقاً وتحصينات في مناطق سيطرتها. موضوعها مختلف يرتبط بأنفاق كردية غرب العراق وجنوب شرق تركيا).
تتنوع الظروف والأهداف والتحالفات، لكن القاسم المشترك هو تكريس الموارد والجهود لبناء مدن تحت الأرض بدل الاستثمار في الإعمار فوقها. وفي حالة الحوثيين، يتداخل هذا النموذج مع خطط إيرانية أوسع. فقد استثمر "الحرس الثوري" الإيراني، على مدى عقود، في تدريب جماعات مسلحة خارج حدود إيران، ونقل الخبرات والتكنولوجيا الصاروخية والمسيّرة إليها. ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، تقدمت الجماعة على الدولة، والميليشيات على المؤسسات. أصبحت موارد السلطة في خدمة مشروع الجماعة، وتوسعت شبكات الجباية واقتصاد الحرب، فيما تراجعت فرص التنمية والاستثمار. ومع تطور القدرات الصاروخية والمسيّرة، لم تعد تداعيات هذا النموذج محصورة داخل اليمن، بل امتدت إلى دول الجوار وخطوط الملاحة الدولية.
إيران- التي لم يظهر "مرشدها" الجديد مجتبى خامنئي منذ وراثته والده- تهدد هرمز. وباب المندب تحت تهديد طهران، عبر جماعة مسلحة تتحصن قياداتها في مخابئ تحت الأرض
وهنا تظهر المفارقة الثالثة؛ مضيق باب المندب. يقع اليمن عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبره حركة تجارية تصل آسيا بأوروبا من خلال قناة السويس. وكان يمكن لهذا الموقع أن يجعل اليمن مركزا للموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة والاستثمارات. لكنه تحول، مع الهجمات الحوثية والتدخل الإيراني المباشر، إلى مصدر تهديد لسفن الشحن والطاقة وسلاسل الإمداد.
سابقة في العلاقات الدولية. مضيقان قرارهما في نفق تحت الأرض. إيران- التي لم يظهر "مرشدها" الجديد مجتبى خامنئي منذ وراثته والده- تهدد هرمز. وباب المندب تحت تهديد طهران، عبر جماعة مسلحة تتحصن قياداتها في مخابئ تحت الأرض، وتحيط السرية بمكان إقامة زعيمها عبد الملك الحوثي.
المطار يربط الشعوب. والمضيق يربط الاقتصادات. والنفق العسكري، حين يصبح قاعدة لسلطة موازية وقرار خارجي، يستطيع تهديد الاثنين
كيف يمكن ضمان حرية الملاحة عندما يكون قرار الحرب والسلام خارج مؤسسات دولة مسؤولة عن التزاماتها؟ ليست المشكلة في سيادة اليمن على أرضه ومياهه، بل في منع الدولة من ممارسة هذه السيادة، وفي كون القرار في طهران وليس صنعاء أو أحد أنفاق اليمن؟
تكشف صور المطار والنفق والمضيق أن المشكلة ليست في امتلاك التكنولوجيا الحديثة، بل في الغاية من استخدامها. المطار يربط الشعوب. والمضيق يربط الاقتصادات. والنفق العسكري، حين يصبح قاعدة لسلطة موازية وقرار خارجي، يستطيع تهديد الاثنين.