العالم الذي يغادرنا

الخطر أن نعتاد هذا العالم. أن نصبح مدمني المفاجأة التالية، فنترك الجروح دون التئام والأمراض بلا مداواة، والضحايا عراةً، والملفَ المفتوحَ دون إغلاق

العالم الذي يغادرنا

استمع إلى المقال دقيقة

عالم جديد. كل يوم حرب أو مغامرة أو كارثة. طائرة متجهة من دبي إلى تل أبيب تغيّر مسارها، بعد اعتداء داخل قمرة القيادة. في بريطانيا، تحقق السلطات في مخطط مرتبط بقاعدة تستخدمها القوات الأميركية، وتبحث احتمال تورط إيراني. في إثيوبيا، يتجدد القتال بين القوات الاتحادية وقوات تيغراي. وقبل ذلك بأيام أرسلت الجزائر طائرات حربية إلى النيجر.

وجبة يومية تضاف إلى قائمة طويلة من الأزمات والحروب. فالعالم الذي اعتدنا قراءته يغادرنا. عالم الحرب الباردة كان أسهل. معسكر سوفياتي وآخر أميركي، وبينهما دول تسعى إلى عدم الانحياز. لم يكن ذلك عالما ورديا. لم يكن الخير ضد الشر. شهد حروباً دامية وانقلابات وصراعات بالوكالة. لكن توزيع القوة كان أوضح نسبياً، والمواجهة بين القوتين العظميين فرضت حسابات، وتدفق المعلومات كان أقل سرعة وتفصيلا.

طوى ذلك العالم صفحاته مع تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991. ثم جاءت مرحلة التفوق الأميركي وثورة الاتصالات، قبل أن تتراجع قدرة واشنطن على الانفراد بتوجيه النظام الدولي. صعدت الصين، وغامرت روسيا لاستعادة نفوذها، واتسعت طموحات القوى الإقليمية في ساحات هنا وهناك.

دول كثيرة تقيم على فوهات البراكين وخطوط الزلازل ولهيب منصات السوشيال ميديا والبث الحي. في السودان، يستمر القتال بين الجيش و"الدعم السريع" منذ ثلاث سنوات. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة ترتيق قماشة الدولة، واتسعت شبكات الشاربين من شلالات الدماء. وفي إثيوبيا، يعيد تجدد المعارك فتح جروح تيغراي. وتتزامن الأزمة الداخلية مع فيضانات وتوترات مع الدول المجاورة.

وفي الضفة المقابلة على البحر الأحمر، تتصاعد المغامرات والاعتداءات الجنونية الحوثية. تتجاوز آثار المعارك الساحلَ الغربيَّ إلى الطاقة وسلاسل الإمداد. شظايا باب المندب ومضيق هرمز تصل إلى جيوب ومعدات الملايين في العالم. مسيّرة محلية يصل أثرها أكثر من مداها.

وفي الشمال والساحل الأفريقي، مع الانسداد الليبي والتمدد الجوي الجزائري في النيجر، تتداخل التمردات المسلحة والانقلابات مع تنافس القوى الخارجية والإقليمية. هذا الانتشار المذخّر بشهية اللاعبين الكبار في دعم السلطات المحلية يوضح كيف يدفع اضطراب الجوار دولاً إلى تدخلات وانقلابات في ساحة صراع جيوسياسية.

في بلاد الرافدين. يفتح اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق في نهاية سبتمبر/أيلول سؤال السيادة مجدداً. مرّت 23 عاماً منذ غزو 2003. انسحبت القوات الأميركية عام 2011، ثم عادت في 2014 لمحاربة "داعش". تعلن واشنطن اليوم انتهاء مهمتها، بينما تواجه بغداد مهمة حصر السلاح بيد الدولة. تحتفي القوى الموالية لإيران بالانسحاب وتقاوم فصائل مدعومة منها مطالب التخلي عن سلاحها، ويبحث عراقيون عن تحف الاستقلال في المتحف العراقي.

في بلاد الشام، سوريا آمنة وسط البراكين. تفجيرات تذكّر بالتحديات. لبنان منقسم ومتأهب وسط العواصف. غزة والضفة الغربية فريسة الشهية الإسرائيلية مع اقتراب استحقاق الانتخابات آخر الشهر. تتسع الوقائع المفروضة بالقوة بعد ثلاث سنوات من "7 أكتوبر"، فيما يتراجع الأفق السياسي.

مخاوف أمنية أوروبية مرتبطة بخطط إيرانية، وقلق من مدى ثبات الضمانة الأميركية أمام اختبارات موسكو وطهران

أوروبا على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، تعيش على مواقيت الحرب الأوكرانية والتهديدات الروسية والاختراقات الإيرانية. تتهم حكومات أوروبية موسكو بالوقوف وراء ضربات ومسيّرات. مخاوف أمنية مرتبطة بخطط إيرانية، وقلق من مدى ثبات الضمانة الأميركية أمام اختبارات موسكو وطهران. وفي الداخل، يواصل اليمين القومي والمتطرف صعوده.

يتغير العالم أيضاً من داخل مجتمعاته، وتنعكس هذه التغيرات على التحالفات والالتزامات. وفي أميركا الجنوبية، تعيد موجة اليمين في دول عدة تشكيل الخريطة السياسية. الحديقة الخلفية لأميركا، أصبحت حديقة أمامية وأولوية لترمب. أنظمة تتغير وأنظمة تحاصر وأنظمة ترضخ. بعضها تحولات قسرية بضربات عسكرية وأخرى تحولات انتخابية.

من يضبط العالم؟ لا توجد قوة واحدة قادرة على التحكم في جميع ساحاته. كل يوم مفاجأة. الأخطر أن نتعامل مع الحرب باعتبارها الوضع الطبيعي للعصر الجديد

كلمة "الغرب" لم تعد كافية لشرح كل موقف. ولا تشكل روسيا والصين معسكر "الشرق". ولم يتحول "عالم الجنوب" نادياً لدول جنوبية الهوى بالكامل. يستطيع بلد أن يعتمد على واشنطن في الدفاع، ويتعامل مع بكين في الاقتصاد، ويفتح قنوات مع موسكو. وتستطيع دولتان إقليميتان أن تتحالفا في أزمة وتتحاربا في ملف آخر. تستطيع قوة محلية أن تحرج داعمها، أو تتجاوز حساباته، أو تدفعه إلى مواجهة لم يختر توقيتها.

تعددت الجهات القادرة على التصعيد وتوزعت القدرة على منعه. والخطر أن نعتاد هذا العالم. أن نصبح مدمني المفاجأة التالية، فنترك الجروحَ دون التئام والأمراضَ بلا مداواة، والضحايا عراةً، والملفَ المفتوحَ دون إغلاق.

من يضبط العالم؟ لا توجد قوة واحدة قادرة على التحكم في جميع ساحاته. كل يوم مفاجأة. الأخطر أن نتعامل مع الحرب باعتبارها الوضع الطبيعي للعصر الجديد... العالم الذي اعتدنا قراءته يغادرنا ولا نعرف أي عالم ينتظرنا.

font change