في نوفمبر/تشرين الثاني 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا دبلوماسييها رهائن لأكثر من سنة. تحولت الأزمة إلى عبء على كارتر، وأسهمت في هزيمته أمام رونالد ريغان في انتخابات 1980.
وبعد 47 عاماً، وفي موسم انتخابات الكونغرس، وجد رئيس آخر نفسه أمام أزمة رهائن من نوع آخر. ناقلات نفط وسفن تجارية ومضيق تمر عبره إمدادات الطاقة إلى ولايات أميركا والعالم.
في المرة الأولى، كان الخميني في مواجهة جيمي كارتر. في الثانية، يقف مجتبى خامنئي في مواجهة دونالد ترمب. تغير "المرشد" وتغير الرئيس. تبدلت الجغرافيا وتغير الإقليم والعالم. بقيت "دبلوماسية الرهائن" واحدة من أوراق "الجمهورية الإسلامية". ففي لبنان خلال الثمانينات، اختطفت جماعات مسلحة مرتبطة بإيران عشرات الغربيين، واستخدمتهم في مساوماتها. ثم اعتقلت مواطنين غربيين في أراضيها لعقد صفقات مع بلدانهم.
أزمة هرمز امتداد لهذا الإرث. منذ أكثر من ثمانية أشهر، احتجزت طهران المضيق رهينة وإيران رهينة حصار بحري. مجتبى خامنئي قرأ من قاموس "المرشد" الأول والمؤسس. تعمد تأخير إعادة فتح المضيق كي تتفاقم الضغوط الاقتصادية على ترمب ويخسر حزبه الانتخابات. هذا ما حصل. الرئيس الأميركي ونائبه جيه دي فانس أقرّا بأن حرب إيران كانت من أسباب الهزيمة المدوية للجمهوريين.
هل تعني هزيمة حزب ترمب في الداخل إضعاف قدرته على التحرك في الخارج؟ هنا تفترق تجربة ترمب عن تجربة كارتر. كان كارتر يقاتل لإنقاذ رئاسته، أما ترمب فيقاتل على ما سيبقى منها في التاريخ بعد هزيمة حزبه. الأول كان ينتظر حكماً من الناخبين، والثاني تلقى الحكم ويبحث عن طريقة للرد عليه.
خسر ترمب الكونغرس، لكنه لم يخسر قيادة القوات المسلحة. يستطيع الديمقراطيون التضييق على تمويل الحرب، واستدعاء المسؤولين ومساءلتهم، وتعطيل أجندته التشريعية. وقد يجد بعض رجاله أنفسهم منشغلين بالدفاع عن قراراتهم أمام لجان التحقيق وقد يتخلى عنه بعضهم، لكن السياسة الخارجية تبقى المساحة الأوسع لحركة الرئيس، وقد يغريه انسداد الطرق في واشنطن بمحاولة فتحها بعيداً عنها.
ليس هذا سلوكاً غير مسبوق في الرئاسة الأميركية. كثيراً ما يخسر في الداخل من خاضوا حروبا في الخارج. وكثيرا ما يبحث من خسر في الصناديق المحلية على انتصارات في ساحات الآخرين، والرؤساء يبحثون في أواخر ولاياتهم عن إنجاز خارجي يعوّض تعثرهم الداخلي. ترمب يدخل هذه المرحلة مثقلاً بحرب لم تمنحه النصر الذي وعد به، ورهينة صورته بوصفه الرجل القادر على فرض ما عجز أسلافه عن تحقيقه. الضربة الانتخابية للرئيس العجوز تجعل حاجته إلى إنجاز أكثر إلحاحاً، وتجعل قدرته على تحمل فشل جديد أضيق.
هناك بُعد آخر. كانت إسرائيل حاضرة في مشهد الرهائن اللبناني أيضاً. احتجاز الغربيين جاء في سياق اجتياح العام 1982، وصعود النفوذ الإيراني وتشكّل "حزب الله". واليوم، يعود العامل الإسرائيلي من بوابة الحرب على إيران وملفها النووي و"جبل الفأس"، بالتزامن مع عدم فوز نتنياهو وسيناريوهات تصريف الأعمال أو حكومة وحدة.
لا تستطيع إيران افتراض أن الخسائر التي تُلحقها بالآخرين تعفيها من خسائر الحصار والحرب. للوقت كلفة على جانبي المضيق
يحتاج ترمب إلى إنجاز يعوّض هزيمته. وتحاول طهران تقدير ما إذا كان ضعف خصمها يمنحها وقتاً إضافياً، أم يجعله أكثر استعداداً للمغامرة. وهنا تكمن مخاطرة الحساب الإيراني. قد ترى طهران في الهزيمة الجمهورية وتعثر نتنياهو سبباً للتمسك بشروطها وانتظار مزيد من التنازلات. وقد يرى ترمب في الانتظار تمديداً للإهانة التي أسهمت في هزيمته، فيما قد يرى نتنياهو في خسارته بداية لمسلسل الإهانات.
متى يصبح الاحتفاظ بالرهينة عبئاً؟ إضعاف الخصم المغامر لا يضمن استجابته، وقد يدفعه إلى توسيع المواجهة إذا اعتقد أن التراجع سيكرّس ضعفه. ولا تستطيع إيران افتراض أن الخسائر التي تُلحقها بالآخرين تعفيها من خسائر الحصار والحرب. الوقت مكلف للرئيس و"المرشد".
من السفارة الأميركية إلى شوارع بيروت وسجون طهران، وصولاً إلى مضيق هرمز، تغيرت أسماء الرهائن وأشكال احتجازهم، وبقي الرهان على الوقت
لا تعني هذه المفارقة أن التصعيد حتمي. فالحرب التي أثقلت الناخب الأميركي تضغط أيضاً على قدرة واشنطن على مواصلتها، سياسياً وعسكرياً. وقد تدفع الهزيمة ترمب إلى البحث عن تسوية تحفظ له صورة القوة، مثلما قد تدفعه إلى محاولة استعادتها بالنار.
من السفارة الأميركية إلى شوارع بيروت وسجون طهران، وصولاً إلى مضيق هرمز، تغيرت أسماء الرهائن وبقي الرهان على الوقت. لكن فك أسر الملاحة وتفكيك "جبل الفأس" المتشابك معها، أعقد من الإفراج عن دبلوماسيين عند باب طائرة. و"المرشد" يواجه رئيساً لم يعد ينتظر انتخابات تنقذ رئاسته، بل إنجازاً ينقذ إرثه. قد تفتح الحاجة باباً لاتفاق، وقد تجعل الرهينة كرة نار في يد خاطفها. وللوقت كلفته على ترمب الجريح بفعل الانتخابات… ومجتبى الجريح بعد الضربات.