حين عين الملك محمد السادس، عاهل المملكة المغربية، في 29 سبتمبر/ أيلول 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، دخلت السياسة المغربية لحظة ذات دلالة تتجاوز تغيير الشخص الذي يقود الجهاز التنفيذي. المنصوري صارت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بعد مسار سياسي شمل مناصبة عدة مهمة.
تفتح هذه اللحظة المغربية سؤالا أقدم من المؤسسات الدستورية المعاصرة، من يملك حق الحكم؟ طوال تاريخ طويل من التفكير السياسي، صيغت صورة المواطن الكامل حول نموذج ذكوري ارتبط بالاستقلال الاقتصادي، والقدرة على حمل السلاح، والتفرغ للشأن العام، وامتلاك الكلام العمومي. ظهرت المرأة في هذا التصور داخل الأسرة، ثم جرى الانتقال من هذا الموقع الخاص إلى المجال العام عبر معارك فكرية وقانونية متعاقبة. لذلك فإن وصول امرأة إلى قمة السلطة، خاصة في العالم العربي، يختبر تصورا كاملا للمواطنة، وللسيادة، وللكفاءة السياسية، وللعلاقة بين المجال الخاص والمجال العام.
لا تكفي قراءة الحدث من زاوية الاحتفال الرمزي أو الحساب الحزبي. السؤال أدق في هذه المرحلة، ماذا يحدث لمفهوم السلطة حين تتغير هوية من يمارسها؟ وهل حضور امرأة في موقع الحكم يغير بنية السياسة ذاتها، أم يغير صورة الحاكم فقط؟ وهل تمثيل النساء في المؤسسات يملك أثرا مستقلا عن البرامج والأحزاب والمؤسسات؟
تميز هنا أبحاث العلوم السياسية بين التمثيل الوصفي، أي حضور النساء في مواقع القرار، والتمثيل الجوهري، أي أثر ذلك الحضور في السياسات والمداولات والنتائج. ومن هذه المسافة يمكن قراءة اختيار المنصوري داخل تاريخ أطول من تاريخها الشخصي، تاريخ انتقال المرأة من موضوع للسياسة إلى فاعل فيها، بعدما كان بيد الملك، حسب الدستور المغربي، أن يختار من يراه الأنسب (باقي رجال الحزب) من الحزب الفائز، وليس بالضرورة أمينته العامة.
حين جعلت الفلسفة السياسية الحكم امتيازا ذكوريا
تنشأ المشكلة، منذ بداية الفعل الفلسفي-السياسي نفسه، من المدينة اليونانية، حيث ارتبطت السياسة بفكرة المشاركة في تقرير مصير الجماعة. تتأسس المدينة عند أرسطو، على تمايزات بين أنماط من السلطة، ويظهر الفرق بين الحكم السياسي والعلاقة المنزلية. ففي كتاب "السياسة" يربط أرسطو بين اختلاف الرجل والمرأة وبين اختلاف مواقع السلطة، ويرى أن الرجل أصلح للقيادة السياسية من المرأة. ارتبطت عنده هذه الفكرة بمفهوم الفطنة العملية (phronesis) وبترتيب اجتماعي يرى السلطة امتدادا لتقسيم طبيعي بين الجنسين، حيث أن الرجل وحده من يمتلك القدرة على الخطابة والقدرة على الفعل السياسي، أو مثلما يؤكد، "فالذكر بطبيعته أعلى منزلة، والأنثى أدنى، والذكر حاكم والأنثى محكومة".





