لطالما شكلت المحاكمات التي يتعرض لها الأدب لحظات كاشفة تتجاوز مصير الكتاب الموضوع في قفص الاتهام. ففي اللحظة التي تقرر فيها سلطة ما أن نصا أدبيا يشكل خطرا على الأخلاق أو المجتمع، يتغير السؤال تلقائيا: من يملك الحق في رسم الحدود التي ينبغي للخيال ألا يتخطاها؟ وحين تدخل اللغة منطقة يعتبرها القانون أو العرف محرّمة، يتسع نطاق القضية ليشمل حرية الأدب نفسها، وقدرته على الاقتراب من تلك المناطق المظلمة في الإنسان التي يفضل المجتمع أحيانا تجاهل وجودها.
من هذه المنطقة الملتبسة بين الأدب والمحظور ينطلق الكاتب الفرنسي باتريس تريغانو في روايته الجديدة "باتاي في المحاكمة"، الصادرة حديثا في باريس عن دار "موريس نادو". رواية يستند فيها إلى واقعة حقيقية سرعان ما تتحول إلى عتبة تقود إلى منطقة أوسع بكثير.
الواقعة حدثت في 15 ديسمبر/ كانون الأول 1956، حين استُدعي الكاتب والفيلسوف جورج باتاي للشهادة أمام الغرفة الإصلاحية السابعة عشرة في باريس، خلال محاكمة الناشر جان جاك بوفير بسبب نشره مؤلفات الماركيز دو ساد. لكن ما أن يجلس باتاي في قاعة المحكمة حتى تتحول الجلسة إلى مسرح للذاكرة، وتغدو محاكمة الماركيز دو ساد مناسبة لمساءلة حياته وفكره وعلاقته بالكتابة.
في هذه النقلة تحديدا تكمن إحدى رهانات الرواية الأساس. فتريغانو لا يعيد بناء المحاكمة بوصفها حدثا تاريخيا مكتملا، بقدر ما يجعل منها حاضرا روائيا تتدفق نحوه أزمنة أخرى. فبينما يجلس باتاي في المحكمة مصغيا إلى الأسئلة والمرافعات والشهادات، يغادر ذهنه القاعة باستمرار. إذ تكفي كلمة، أو سؤال، أو صورة، لكي ينفتح باب في ذاكرته.
هكذا تعود الطفولة، والأب الأعمى والمشلول، والأم الغارقة في التدين، والرغبات الأولى، والحروب، والعلاقات العاطفية، والمواجهات الفكرية. وبهذه الحركة المستمرة بين الخارج والداخل، يبني تريغانو رواية تقوم على تداخل زمن المحاكمة مع الزمن الشخصي، بحيث تصبح الجلسة إطارا تنتظم داخله حياة باتاي الكاملة.
مرآة
في قلب هذا البناء، يحظى الماركيز دو ساد بموقع مركزي من دون أن يتحول إلى الشخصية الرئيسة. فمحاكمته الغيابية، عبر ناشره، تستدعي السؤال الذي شغل باتاي طويلا: لماذا ينجذب الإنسان إلى ما يخيفه، وإلى ما يهدد النظام الذي يعيش داخله؟ هنا يلتقي صاحب "قصة العين" بصاحب "مئة وعشرون يوما في سدوم" داخل منطقة فكرية مشتركة، هي اختبار الحدود القصوى للتجربة البشرية، حيث يتجاور الإيروس والعنف، اللذة والموت، المقدس والمحظور.



