الكاتب الأرجنتيني أليخاندرو روميرس يواجه العنف بكمان

سيرة آلة موسيقية تعبر الأزمنة

غلاف "الموت بالقدر الضروري"

الكاتب الأرجنتيني أليخاندرو روميرس يواجه العنف بكمان

في المشهد الأدبي الأميركي اللاتيني المعاصر، يصعب تصنيف الأرجنتيني أليخاندرو غ. روميرس ضمن خانة واحدة. فهو شاعر قبل أي شيء، لكن الشعر عنده يتداخل باستمرار مع التأمل الفلسفي والنفس الروائي، كما أن تجربته الحياتية المتشعبة تمنح كتابته نزعة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والأنواع الأدبية.

يتجلى هذا في مجمل أعماله التي تعكس انشغالا دائما بأسئلة المعنى والزمن والتحول الداخلي، وبالبحث عن تلك الصلة العميقة بين الجمال والألم، والفن والمصير الإنساني. ولذلك تبدو رواياته محاولات لاكتشاف ما يختبئ خلف الوقائع، وإنقاذ ما تستطيع الذاكرة والفن إنقاذه وسط عالم هش.

من هذا الأفق تحديدا ينبثق عمله الجديد، "لغز كمان ستراديفاريوس الأخير" (2025)، الذي صدرت ترجمته الفرنسية حديثا في باريس عن دار "ميتيليي". رواية تمزج البوليسي بالتاريخي والتأملي، وتحول آلة موسيقية نادرة إلى مرآة لرحلة الإنسان بين العنف والخلاص.

صدمة

الرواية، التي قدم لها الكاتب البيروفي الكبير ماريو بارغاس يوسا قبل فترة وجيزة من رحيله، ولدت من صدمة واقعية تحولت تدريجيا إلى تأمل واسع في التاريخ والعنف والجمال والموسيقى.

الصدمة أحدثتها جريمة وقعت في ضواحي مدينة أسونسيون، وراح ضحيتها صانع كمانات ألماني وابنته بسبب كمان "ستراديفاريوس" نادر. وأكثر من مجرد حادثة بوليسية مثيرة، شكلت هذه الجريمة بالنسبة إلى روميرس سؤالا وجوديا مفتوحا: كيف انتهت إحدى أثمن الآلات الموسيقية في العالم إلى مكان معزول في الباراغواي؟ وما المسارات الخفية التي حملتها عبر القرون حتى وصلت إلى هناك؟

الفن يفتح أفق الخلاص لكنه يوقظ نوازع التملك والهيمنة والافتراس

من هذا السؤال تنطلق الرواية، التي تتجاوز منذ صفحاتها الأولى حدود التشويق الجنائي التقليدي لتصبح رحلة طويلة في الذاكرة الأوروبية والإنسانية. فالكمان الأخير الذي صنعه أنطونيو ستراديفاري يتحول إلى محور سردي حي، أشبه بكائن يعبر العصور حاملا آثار الحروب والمجازر والحب والخيانة.

 Carlos Alvarez / Getty Images
أليخاندرو روميرس خلال أمسية تكريمية للكاتب ماريو فارغاس يوسا في الذكرى الأولى لرحيله، مدريد، 2026

في هذا العمل، يراهن روميرس على بنية سردية مزدوجة تقوم على التناوب بين زمنين: حاضر باراغوياني يتابع فيه المفوض أليخاندرو توبوسا ومساعده غوتييريس خيوط الجريمة، وماض أوروبي يتعقب رحلة الكمان عبر ثلاثة قرون.

هذه البنية تبدو، للوهلة الأولى، تقنية مألوفة في الروايات التاريخية المعاصرة، لكنها سرعان ما تحول كل خط سردي تدريجيا إلى مرآة للآخر. فكل اكتشاف في الحاضر يعيد إضاءة جانب من الماضي، وكل محطة تاريخية تضيف معنى جديدا إلى الجريمة المعاصرة، إلى أن يصبح الكمان نفسه الشخصية المركزية الحقيقية، فيما يتراجع البشر إلى مرتبة العابرين في تاريخه الطويل.

في الحوارات التي أجريت معه حول الرواية، أكد روميرس ذلك بقوله إن البطل الحقيقي ليس المحقق ولا القاتل ولا الضحايا، وإنما الكمان نفسه. وهو ما يضع الرواية ضمن ما يسميه ماريو بارغاس يوسا، في مقدمته لها، "رواية الأشياء" أو "الرواية الدائرية"، ذلك التقليد السردي الذي ازدهر منذ القرن الثامن عشر، ويصبح فيه شيء جامد قوة دافعة للحكاية، فيعبر الأزمنة والطبقات الاجتماعية والأمكنة، كاشفا من خلال انتقاله تحولات العالم والبشر.

هالة

لكن الكمان عند روميرس يتجاوز دوره السردي ليكتسب حضورا يكاد يكون روحيا. فآلة ستراديفاري الأخيرة تبدو أشبه بخلاصة حياة كاملة من التجريب والشغف والسعي إلى الكمال. ومن دون السقوط في الفانتازيا المباشرة أو الواقعية السحرية، يمنحها الكاتب هالة غامضة توحي بأنها تختزن ذاكرة الأرواح التي مرت عبرها.

وهنا تحديدا تكمن إحدى نقاط قوة الرواية، في هذا التردد المستمر بين التفسير العقلاني والإيحاء الروحي، بين المصادفة والقدر، وبين التاريخ والأسطورة.

في أكثر من موضع، نستشف افتتان روميرس بشخصية أنطونيو ستراديفاري نفسه: الرجل الذي عاش أكثر من تسعين عاما، وكرس حياته لتحسين آلته، متفاعلا مع كبار الموسيقيين والملحنين في عصره، حتى استطاع أن يبتكر كمانا لم تتمكن التكنولوجيا الحديثة، رغم كل تطورها، من تجاوزه.

هكذا تصبح هذه الآلة رمزا للكمال الفني، ورمزا للتناقض البشري أيضا. فهي قادرة على إثارة أسمى المشاعر، وعلى إشعال الطمع والعنف والقتل في الوقت نفسه.

ومن هنا تنبع إحدى أهم ثيمات الرواية: التوتر الدائم بين الجمال والشر. ففي العالم الذي يبنيه روميرس، يفتح الفن أفقا للخلاص، لكنه يوقظ أيضا نوازع التملك والهيمنة والافتراس.

تظهر هذه الفكرة بوضوح في الشخصيات التي تحيط بالكمان عبر العصور. فالرواية تقود قارئها عبر محطات تاريخية متباعدة: البندقية زمن الغزو النابليوني، ترييستي بوصفها مدينة تقاطع حضاري، بدايات الحرب العالمية الأولى، صعود الفاشية، وصولا إلى معسكر "ريزييرا دي سان سابا"، المعسكر النازي الوحيد الذي أقيم على الأراضي الإيطالية.

لا تكون الشخصية الروائية مقنعة من دون تناقضات داخلية

وأكثر من مجرد خلفيات تاريخية، تتحول هذه المحطات إلى فضاء لاختبار العلاقة المعقدة بين الفن والعنف. فالكمان يمر عبر لحظات تكشف قدرة الإنسان على بلوغ أقصى درجات الوحشية، كما تكشف في المقابل قابليته للتضامن والحب والتسامح.

تناقض

في هذه الصفحات تحديدا تبلغ الرواية ذروتها الأخلاقية والإنسانية. فالموسيقي اليهودي الذي يجبر على العزف أمام جنرال نازي مولع بالموسيقى يعيش تناقضا مرعبا: الفن الذي يمنحه فرصة للبقاء هو نفسه ما يربطه بجلاده.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الجنرال نفسه، الذي يجسد هذا التناقض في صورته الأكثر قسوة: إنسان يمارس أقصى درجات الشر ويتأثر في الوقت نفسه بالموسيقى على نحو عميق.

وهذا ما يقودنا إلى اقتناع راسخ لدى روميرس، مفاده أنه لا يمكن شخصية روائية أن تكون مقنعة من دون تناقضات داخلية. لذلك، فإن ومضات الإنسانية الصغيرة التي تظهر لدى هذا الجنرال، بدلا من تخفيف ظلامه، تزيده رعبا وتعقيدا.

لكن أهمية هذه التناقضات تنبع أيضا من الطريقة يعالجها بها الكاتب. فما يعزز سحر الرواية هو غياب الخطابة السياسية المباشرة فيها. وبدلا من طرح أسئلتها في شكل تأملات نظرية، يدعها روميرس تتسلل عبر مصائر الشخصيات وعلاقتها بالكمان.

ومن أبرز هذه الأسئلة: كيف يمكن لشخص متوحش أن يكون عاشقا للموسيقى؟ وكيف يمكن للجمال أن يتجاور مع العنف داخل الروح نفسها؟

Getty Images
أليخاندرو روميرس خلال تقديم ديوانه "سونيتات الحب الكامل" في المسرح الملكي بمدريد، 2019

وتكتسب الرواية مزيدا من السحر بفضل بعدها الشعري. فروميرس، الذي جاء أساسا من عالم الشعر، يستخدم اللغة لإضفاء إيقاع داخلي على سرديتها، حتى في أكثر المقاطع عنفا وقسوة. ومن يقرأ الرواية يلاحظ أن اللغة لا تكتفي بنقل الأحداث. إنها تعمل أيضا على خلق مناخ شعوري يرافق حركة الكمان عبر الزمن، ويمنح السرد نبرة أقرب إلى المرثية الطويلة لذاكرة أوروبية مثقلة بالحروب.

لكن هذا البعد لا يعمل دائما لمصلحة الرواية. ففي بعض الفصول المرتبطة بالتحقيق المعاصر، يطغى الوصف والتأمل أحيانا على التوتر البوليسي، مما يبطئ الإيقاع ويخفف كثافة التشويق. كما تبدو بعض الشخصيات أقرب إلى نماذج رمزية منها إلى شخصيات مكتملة نفسيا، خصوصا المفوض توبوسا الذي يجسد صورة الرجل النزيه في مواجهة عالم فاسد، إلى حد يقترب أحيانا من المثالية الأدبية.

كذلك، فإن رغبة روميرس في تغطية ثلاثة قرون من الزمن، تجعله أحيانا يراكم الأمكنة والشخصيات والتفاصيل التاريخية، بحيث تبدو بعض المقاطع أقرب إلى الاستعراض المعلوماتي منها إلى التوتر الدرامي.

متاهة

مع ذلك، لا تنتقص هذه الملاحظات فعليا من قدرة الرواية على خلق عالم شديد الجاذبية. فكلما عاد السرد إلى الرحلة التاريخية للكمان، استعاد النص حيويته وامتلاءه. والقارئ لا يتابع فقط انتقال آلة نادرة من يد إلى أخرى، بل يدخل متاهة من القصص المتشابكة التي تربط الموسيقى بالموت، والذاكرة بالخطيئة.

من اللافت أيضا حضور شخصيات حقيقية داخل النسيج السردي، من بينها البابا فرنسيس، الذي يمر في نهاية الرواية كظل حميم يستدعي الصداقة التي جمعته بروميرس، ويمنح الصفحات الأخيرة نبرة وداعية مشبعة بالوفاء والحنين.

تعيد الرواية الاعتبار الى فكرة الفن بوصفه ذاكرة حية

هذا المزج بين الوقائع التاريخية والإيحاء الأسطوري، يمنح النص مرونة خاصة تجعل القارئ يتحرك باستمرار على الحدود الملتبسة بين الحقيقة والتخييل.

لكن أهمية "لغز كمان ستراديفاريوس الأخير" تتجاوز حبكتها المتينة، وطموحها التاريخي، وثراء شخصياتها، وجانبها الشعري، لتكمن أيضا في قدرتها على إعادة الاعتبار الى فكرة الفن بوصفه ذاكرة حية. فالكمان هنا إرث من الماضي، وحامل لأصوات البشر وآلامهم وأحلامهم عبر القرون. وكل مالك جديد له يترك عليه بصمته، كما يترك الكمان أثره في مصير من يقتنيه.

AFP
الشاعر والكاتب الأرجنتيني أليخاندرو روميرس خلال مؤتمر "سوكركس ميامي 2025" في ميامي بيتش، 2025

ولهذا تبدو الرواية، في جوهرها، تأملا في انتقال الجمال عبر الزمن، وفي قدرة الفن على النجاة من الحروب والأحقاد البشرية. فبينما تتبدل الإمبراطوريات والأيديولوجيات والحدود، يبقى صوت كمان "ستراديفاريوس" يتردد، مذكرا البشر بأن ثمة شيئا فيهم أعمق من العنف وأكثر دواما من الخراب.

وربما لهذا السبب بالذات يرى روميرس أن الأدب تجربة قادرة على تغييرنا من الداخل، والرواية تدفعنا إلى الخروج من ذواتنا والدخول في حياة الآخرين، وتمنحنا قدرة أكبر على الفهم والتسامح.

في المحصلة، "لغز كمان ستراديفاريوس الأخير" رواية عن كمان أسطوري، لكنها في العمق رواية عن الذاكرة الإنسانية نفسها: عن هشاشتها، وعنفها، وجمالها، وعن ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين الفن والخلاص، حتى في أحلك الأزمنة.

font change

مقالات ذات صلة