المكسيك كما يراها لو كليزيو

رحلة عبر أدب خوانا إينيس وخوان رولفو ولويس غونثالث

MARC LE CHELARD / AFP
MARC LE CHELARD / AFP
الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لو كليزيو في مطار لونورور في فانواتو جنوب المحيط الهادئ، 2005.

المكسيك كما يراها لو كليزيو

حين توجت الأكاديمية السويدية الكاتب الفرنسي جان ماري لو كليزيو بجائزة نوبل للآداب عام 2008، لم تستند في تبرير قرارها إلى مهاراته السردية والكتابية، بقدر ما شددت على كونه "كاتب قطيعة، ومغامرة شعرية، ونشوة حسية، ومستكشف إنسانية تقع ما وراء الحضارة السائدة، وما دونها".

وبقدر ما يبدو هذا التوصيف دقيقا بالنظر إلى طبيعة أعمال لو كليزيو، المنشغلة في معظمها بأسئلة المنفى والتهجين الثقافي، والانجذاب إلى حضارات الشعوب الأصلية للقارة الأميركية، فإنه لا يحيط تماما بمنابع هذه الأعمال، المرتبطة بأصوله الموريشيوسية، وبالتعدد اللغوي والهوياتي الذي يسكنه، ويتسرب إلى كتابته ليمنحها ذلك النفس الرحب القادر على ردم المسافات بين عوالم متباعدة.

المكسيك والتحول

في قلب هذا الأفق الداخلي المتشعب، تبرز المكسيك بوصفها مركز الثقل في تجربة لو كليزيو. فقد اكتشفها في أواخر الستينات، وهو في الثامنة والعشرين من عمره، حين أقام فيها لأداء خدمته العسكرية، وشرع في دراسة لغتي المايا والناهواتل في جامعة مكسيكو.

منذ ذلك الحين، لم تعد المكسيك فضاء جغرافيا فحسب، بل غدت مختبرا حيا لتجربته الإنسانية والكتابية. وعلى مدى 15 عاما، جاب أنحاءها، منخرطا في حياة أبنائها، ومصغيا إلى طبقات تاريخها وثقافاتها، كما تشهد ترجمته "نبوءات تشيلام بالام" في ولاية يوكاتان، التي فتحت له بابا واسعا على المخيال ما قبل الكولونيالي.

هذه التجربة الغنية، التي طبعت مجمل أعماله، تجد اليوم صدى مكثفا في كتابه "مكسيكات ثلاث"، الصادر حديثا في باريس عن دار "غاليمار". ففي هذا العمل، يستعيد صاحب "الطوفان" ثلاث شخصيات محورية في الأدب المكسيكي، تنتمي إلى أزمنة مختلفة، لكنها تلتقي عند علاقة عضوية بالأرض، وإيمان عميق بحرية الكتابة باعتبارها شكلا من أشكال الوجود.

المكسيك الأولى هي مكسيك الأخت خوانا إينيس دي لا كروث، الشاعرة والراهبة في القرن السابع عشر، التي ولدت في نيبانتلا نتيجة علاقة غير شرعية بين جندي باسكي وامرأة كريولية، وكان يرجح أن يكون مصيرها معتما في مجتمع صارم الأعراف. لكن موهبتها المبكرة في الأدب والموسيقى فتحت لها أبواب بلاط نائب الملك، قبل أن تختار، في سن الثامنة عشرة، الانسحاب إلى الدير، لا هروبا، بل بحثا عن فضاء أرحب للمعرفة والكتابة.

في عزلتها المختارة، راسلت خوانا مثقفين من آفاق متعددة، وكتبت شعرا ومسرحا ونصوصا فلسفية تعكس جرأة لافتة في المزج بين الخيال الباروكي والتأمل في وضع المرأة وأسئلة المعرفة والحرية.

 كل كلمة في نصوص خوانا إينيس تحمل صدى قرون، وتكثف ثقافات وطنها المتداخلة

ومن خلال قراءة لو كليزيو، نلج عالمها من باب حميم: نرى الضوء يتسلل عبر المصاريع إلى صومعتها، نحس بالساعات التي تنتظم بين الصلاة والعمل الفكري، ونلمس ذلك التوتر الخلاق بين الصمت والكتابة لدى امرأة أنصتت إلى أعماقها لتمنحها صوتا.

نكتشف أيضا جانبا أساسيا في تجربة خوانا، يتمثل في إدخالها لغة الناهواتل إلى كتاباتها، وفي إحيائها الأشكال الشعبية، وتلاعبها الحر باللغة، بحيث تغدو كل كلمة في نصوصها حاملة لصدى قرون من التاريخ، ومكثفة للثقافات المتداخلة التي صنعت وطنها.

واقعية سحرية

المكسيك الثانية هي مكسيك خوان رولفو (1917 – 1986)، ابن ولاية خاليسكو، والكاتب القليل الإنتاج، العميق الأثر. فبمجموعته القصصية "السهل يحترق" (1953) وروايته "بيدرو بارامو" (1955)، ابتكر شكلا فريدا من الواقعية السحرية، متجذرا في عنف الأرض المكسيكية وشاعريتها في آن.

Wikimedia Commons
خوان رولفو

في عالم رولفو السردي، تتحول القرى إلى فضاءات أشباح، يتكلم فيها الموتى، وتعبر ذاكرة الثورات كل الوجوه والأمكنة. وينحاز لو كليزيو في قراءته لهذا الكاتب إلى البساطة القصوى في السرد، وإلى اقتصاد اللغة الذي يحتضن، رغم تقشفه، عواطف جياشة وأحداثا مأساوية ولحظات صمت كثيف تترسخ في الذاكرة.

بيدرو بارامو

يستحضر لو كليزيو أيضا رولفو المصور الفوتوغرافي، المتنبه إلى أدق التفاصيل، كأن الصورة تمتد حيث تعجز الكتابة. وفي هذا التقاطع بين الكلمة والصورة، يصبح الكاتب وسيطا يكشف كيف ينبثق الأدب من صميم الحياة، وكيف يتحول إلى شهادة مفسرة لتجربة جماعية.

أما المكسيك الثالثة، فتتجسد في شخص لويس غونثالث إي غونثالث (1925 – 2003)، المؤرخ والشاعر المتجذر في قريته سان خوسيه دي غراسيا، بين خاليسكو وميتشواكان. وعلى خلاف السرديات الكبرى للتاريخ، اختار الانحياز إلى المقياس الصغير: حياة الناس العاديين، تفاصيل القرى، والعادات المحلية. وهو اختيار لا ينطوي على بعد منهجي فحسب، بل يعكس موقفا معرفيا يعيد الاعتبار للهامشي واليومي بوصفهما مدخلا لفهم البنى العميقة التي تشكل التجربة الإنسانية.

ففي كتابه "قرية في حالة ترقب"، يحول الحميمي إلى مادة كونية، رابطا المصائر الفردية بالتحولات الكبرى، من الإصلاحات الزراعية إلى الثورات، وصولا إلى الفقر المستمر. ولو كليزيو، الذي ارتاد "كلية ميتشواكان" التي أسسها غونثالث، يبرز قوة هذا النهج القائم على الربط الوثيق بين المكان والكلمة، بين التاريخ والإنسان، حيث تغدو القرية عالما مكتفيا بذاته، ويصير اليومي سردا، وكل تفصيل حدثا وذاكرة.

JULIEN DE ROSA / AFP
جان ماري لو كليزيو، رئيس لجنة تحكيم جائزة رونودو الأدبية، خلال إعلان الفائز بالجائزة في باريس، 2024.

رؤى متقاطعة

من خلال هذه الشخصيات الثلاث، يقترح لو كليزيو ثلاث زوايا للنظر إلى المكسيك: خوانا، التي جعلت العزلة شرطا لحرية التفكير والكتابة، ورولفو، الذي استقى حداثته الروائية من صمت القرى وذاكرة الموتى، وغونثالث، الذي منح التاريخ المجهري صوتا للبسطاء. ثلاثة أزمنة، وثلاثة فضاءات، وثلاث رؤى لبلد هجين، متعدد، حي، تغدو فيه الكتابة مساحة تجمع بين الحميمية والمقاومة.

في عالم رولفو السردي، تتحول القرى إلى فضاءات أشباح، وتعبر ذاكرة الثورات الوجوه والأمكنة

وبهذا البناء الثلاثي، لا يرسم لو كليزيو بورتريهات أدبية فحسب، بل يخلق تجربة حسية كاملة: مكسيك تسمع وتلمس، إيقاعها الريح والمطر وهمس أبنائها. المكسيك التي شكلت حساسيته، ولا تزال تتردد في نصوصه.

قراءة "مكسيكات ثلاث" هي إذن تجربة غامرة، يرافق الكاتب فيها قارئه في أروقة دير سانتا باولا، بين أطلال القرى، وعلى الدروب الوعرة، حيث يلتقي الحجر بالتاريخ، واللغة بالصمت. وهو لا يكتفي بالتحليل، بل يتقمص أدوارا متعددة: راو وشاهد ومترجم ودليل.

ففي تعامله مع نصوص خوانا، يسعى إلى استعادة نفسها الشعري بما فيه من سخرية ووقار. وفي قراءته نثر رولفو، يبرز ثقل الماضي وجمال التجريد، وكيف يتحول الألم إلى ضياء. أما مع غونثالث، فيستكشف قيمة الذاكرة المحلية، والروابط التي تشد الإنسان إلى أرضه.

CARL DE SOUZA / AFP
امرأة من السكان الأصليين من شعب بوريبيتشا تحمل البخور خلال احتفالات «النار الجديدة» في ولاية ميتشواكان المكسيكية، 2024.

أفق إنساني

ولا ينفصل هذا العمل عن رؤية أوسع لمكسيك متعددة الطبقات: ما قبل الإسبانية، والاستعمارية، والحديثة. وهي طبقات لا تتعاقب فحسب، بل تشكل كل واحدة الأخرى وتتعايش معها ضمن نسيج حي تتجاور فيه القسوة والجمال، وتتجاوب الأصوات عبر الزمن.

ومن خلال هذا التصور، يذكرنا لو كليزيو بأن التاريخ ليس ماضيا منقطعا، بل كيان حي، وأن الثقافة سيرورة متصلة، والكتابة وسيلة لفهم هذا التعقيد والعيش فيه. وخلف كل شخصية يستعيدها، تلوح أيضا ملامح بحثه الشخصي عن عالم تعددي، هجين.

تكمن قوة الكتاب أيضا في إنسانيته العميقة. فمؤلفه لا يتحدث فيه من موقع العارف، بل من موقع الرفيق الذي يسير مع القارئ عبر تضاريس النصوص والأمكنة، ويشاركه دهشته وتساؤلاته، ويصغي معه إلى تنوع الإيقاعات واللغات والسرديات، ويستكشف برفقته ذلك الارتباط العضوي الذي يشد الإنسان إلى أرضه وثقافته.

الكتابة، في نهاية المطاف، سبيل لسكن العالم ولمس ذاكرته ومشاركة جماله الهش

وفي هذا المسار، لا تبدو الكتابة فعلا منفصلا عن الحياة، بل امتدادا لها، ووسيلة لإعادة صياغة العلاقة بين الذاكرة والمكان.

يدعو لو كليزيو أيضا قارئه إلى تقاسم شغفه بالأدب المكسيكي، وبالطريقة التي استطاع بها هؤلاء الكتاب الثلاثة أن يحولوا إرثهم إلى تعبير حي وشامل يجعل من الكتابة صدى للحياة، وجوابا على عنف التاريخ، ونشيدا للحرية والفكر.

في المحصلة، يقرأ "مكسيكات ثلاث" بوصفه تحية وتأملا معا، ودعوة إلى الإصغاء والرؤية والإحساس. نص يربط بين الأزمنة والأمكنة والبشر، ويكشف كيف يمكن للأدب أن يكون جسرا حيا بينها.

وحين نفرغ من قراءته، لا نغادره تماما، بل نبقى في ذلك النفس الدافئ الذي يشيعه، مع إحساس بأن الكلمات، حين تكون مأهولة بالتجربة، قادرة على تجاوز الحدود، وأن الكتابة، في نهاية المطاف، سبيل لسكن العالم ولمس ذاكرته ومشاركة جماله الهش.

font change