حين توجت الأكاديمية السويدية الكاتب الفرنسي جان ماري لو كليزيو بجائزة نوبل للآداب عام 2008، لم تستند في تبرير قرارها إلى مهاراته السردية والكتابية، بقدر ما شددت على كونه "كاتب قطيعة، ومغامرة شعرية، ونشوة حسية، ومستكشف إنسانية تقع ما وراء الحضارة السائدة، وما دونها".
وبقدر ما يبدو هذا التوصيف دقيقا بالنظر إلى طبيعة أعمال لو كليزيو، المنشغلة في معظمها بأسئلة المنفى والتهجين الثقافي، والانجذاب إلى حضارات الشعوب الأصلية للقارة الأميركية، فإنه لا يحيط تماما بمنابع هذه الأعمال، المرتبطة بأصوله الموريشيوسية، وبالتعدد اللغوي والهوياتي الذي يسكنه، ويتسرب إلى كتابته ليمنحها ذلك النفس الرحب القادر على ردم المسافات بين عوالم متباعدة.
المكسيك والتحول
في قلب هذا الأفق الداخلي المتشعب، تبرز المكسيك بوصفها مركز الثقل في تجربة لو كليزيو. فقد اكتشفها في أواخر الستينات، وهو في الثامنة والعشرين من عمره، حين أقام فيها لأداء خدمته العسكرية، وشرع في دراسة لغتي المايا والناهواتل في جامعة مكسيكو.
منذ ذلك الحين، لم تعد المكسيك فضاء جغرافيا فحسب، بل غدت مختبرا حيا لتجربته الإنسانية والكتابية. وعلى مدى 15 عاما، جاب أنحاءها، منخرطا في حياة أبنائها، ومصغيا إلى طبقات تاريخها وثقافاتها، كما تشهد ترجمته "نبوءات تشيلام بالام" في ولاية يوكاتان، التي فتحت له بابا واسعا على المخيال ما قبل الكولونيالي.
هذه التجربة الغنية، التي طبعت مجمل أعماله، تجد اليوم صدى مكثفا في كتابه "مكسيكات ثلاث"، الصادر حديثا في باريس عن دار "غاليمار". ففي هذا العمل، يستعيد صاحب "الطوفان" ثلاث شخصيات محورية في الأدب المكسيكي، تنتمي إلى أزمنة مختلفة، لكنها تلتقي عند علاقة عضوية بالأرض، وإيمان عميق بحرية الكتابة باعتبارها شكلا من أشكال الوجود.
المكسيك الأولى هي مكسيك الأخت خوانا إينيس دي لا كروث، الشاعرة والراهبة في القرن السابع عشر، التي ولدت في نيبانتلا نتيجة علاقة غير شرعية بين جندي باسكي وامرأة كريولية، وكان يرجح أن يكون مصيرها معتما في مجتمع صارم الأعراف. لكن موهبتها المبكرة في الأدب والموسيقى فتحت لها أبواب بلاط نائب الملك، قبل أن تختار، في سن الثامنة عشرة، الانسحاب إلى الدير، لا هروبا، بل بحثا عن فضاء أرحب للمعرفة والكتابة.
في عزلتها المختارة، راسلت خوانا مثقفين من آفاق متعددة، وكتبت شعرا ومسرحا ونصوصا فلسفية تعكس جرأة لافتة في المزج بين الخيال الباروكي والتأمل في وضع المرأة وأسئلة المعرفة والحرية.



