إدفارد ستاخورا كتب الحياة بلا قناع

كتابه المترجم تجربة فريدة بين الترحال والبحث الوجودي

 Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
الكاتب والشاعر البولندي إدفارد ستاخورا

إدفارد ستاخورا كتب الحياة بلا قناع

بعد ستة وأربعين عاما على رحيله، يصل أخيرا إلى القارئ الفرنكوفوني أحد أهم الأصوات الأدبية البولندية في القرن العشرين، إدفارد ستاخورا (1937 – 1979)، الذي صدرت حديثا الترجمة الفرنسية الأولى لأحد كتبه، "Się" (نفس)، عن دار "أرفوين" الباريسية، بعنوان "مشية العقرب".

تفتح هذه الترجمة نافذة على تجربة أدبية فريدة تمتد بين الترحال الجغرافي والبحث الوجودي، لتتبدد إهمالا طال أمده لشاعر وروائي وقاص مدهش لم ينل بعد الاهتمام الذي يستحقه خارج وطنه، على الرغم من قيمة الأعمال التي تركها خلفه، ومن أثرها البليغ في الأدب البولندي المعاصر.

في بولندا، كما نقرأ في المقدمة التي وضعها لوران بينون لهذا العمل — وهو من نقله إلى الفرنسية بالتعاون مع ليليانا أورلوفسكا — "الأسطورة التي تحيط بستاخورا تلامس أحيانا حدود العاطفة التقديسية". لكن بينون يتدارك قائلا إن صلة ستاخورا الوثيقة بمعاصريه وبلده لا تعني إمكان حصره في إطار وطني أو زمني ضيق، إذ "لا شيء يتعارض مع روحه أكثر من وضعه في زمان أو مكان محددين".

ويضيف: "ترحاله المستمر، وقراره الواعي بأن "يصبح يتيما"، وكل ما في مساره الشخصي يدعو إلى تجاوز كل ما يكبل الإنسان — بما في ذلك قيد اسمه الشخصي. فكل خطوة خطاها تكشف عن عطش إلى التوسع والتحرر".

استنساخ المدى

من هذه المقدمة، نعرف أيضا أن ستاخورا لم يولد في بولندا، بل في فرنسا، حيث أمضى سنواته الإحدى عشرة الأولى. ومن هذا التباين المبكر بين لغتين احتفظت كتاباته بأثر واضح وعميق، إذ لم يألف تماما القواعد النحوية للغة البولندية. وقد أربكت غرابة تعبيره قراءه الأوائل، بما بدا لهم انحرافا عن الاستعمال المألوف للكلمات، حتى خيل لبعضهم أن لغته تشوبها اختلالات مقصودة.

كل ما كتبته إنما استنسخته من المدى. لم أفعل سوى نقل كل هذا من هناك، لأضعه هنا، على المدى الأبيض للأوراق

مع ذلك، ظل ستاخورا مخلصا لخطه الخاص، من غير توق إلى تجاوز أو تلاعب لغوي، بحسب مترجمه. فقد كان مشروعه الأدبي يقوم، في جوهره، على البقاء ملتصقا بتدفق الحياة نفسه، وعلى التقاطه كما يحضر في لحظة فيضه.

من هذا المنطلق، يقول: "كل ما كتبته إنما استنسخته من المدى. لم أفعل سوى نقل كل هذا من هناك، لأضعه هنا، على المدى الأبيض للأوراق". وبين هذين المديين، يسري نفس واحد، تشهد كثافته الحية على صدق ما نقله.

ولأنه ابتعد عن القوالب الجاهزة والبنى المصطنعة وكل ما هو اعتباطي، فإن في نصوصه شيئا بكرا وأصيلا يمسك بالقارئ، وينفذ إلى أعماقه، وربما يملك القدرة على تغييره، ليجعل من قراءته تجربة اقتراب من حساسية خاصة ترى العالم في حالة ولادة دائمة.

في أبريل/ نيسان 1969، كتب ستاخورا في دفتر يومياته: "اكتشفت أن الأبدية، لكي تكون هي ذاتها لا غير، لا بد أن تبدأ يوما ما، في مكان ما، انطلاقا من شخص ما — مثلا: الآن، هنا، انطلاقا من نفسي". ويرى بينون في هذه الجملة مقياسا لسعة المسعى الذي انخرط فيه الكاتب، ملاحظا أن "إعلانا كهذا قد يبدو ضربا من الجنون لو لم يكن صاحبه يتطلع في الحقيقة إلى ما هو أكثر جوهرية وتجردا من الذات — بالانطلاق من الذات تحديدا".

ويضيف: "في قصائد ستاخورا كما في نصوصه النثرية، تبدو كلمته دائما في حالة بدء. كلمة استهلالية لأنها تكتشف أكثر مما تصف. نحن هنا أمام تكون مستمر، ولادة متواصلة، حيث لا يمكن تصور الفعل والقول منفصلين".

وفي هذا السياق، يستشهد بقول الشاعر: "الساقان والكلمات تتقدم معا. الكلمات وحدها لا تتقدم أبدا، لأنها عندئذ كلمات بلا أساس"، ليصف لغته بأنها "لغة التجربة، بمعنى أنها تحقق نوعا من المخاض الحقيقي للوجود، وهي أيضا فريدة في استمراريتها".

 IGNAZ HOFBAUER COURTESY OF SERGE PLANTUREUX / AFP
صورة يُعتقد أنها للشاعر الفرنسي آرثر رامبو التقطت في فيينا عام 1876 عندما كان في الحادية والعشرين من عمره

عن مسيرة ستاخورا في مجملها، يكتب بينون: "حين نراه يسلك، على حد تعبير رامبو، "الطريق الكبرى في كل الأحوال"، ندرك إلى أي حد كانت مسيرته صلبة لا تلين، مسيرة لا يهم فيها إلا "استنزاف الذات في عمل يقظ. وليس من دون شيء من الرهبة نراه يسير بلا انقطاع على مثل هذا الخيط المتقد، حيث لا يقوى حتى أكثر الناس عزما على الثبات إلا بشكل متقطع".

يقظة كاملة

أما النصوص النثرية الاثنا عشر التي يتألف منها كتاب ستاخورا الصادر حديثا بالفرنسية، فلا تندرج ضمن أي نوع أدبي محدد، بل تتخذ أشكالا متعددة، ويعكس الواحد الآخر كوجوه مشكال ضوئي، لكنها تستجيب في مجموعها لتيار داخلي واحد. وهي نصوص لا يمكن وصفها بالسيرة الذاتية إلا إذا أخذنا الكلمة في معناها الأول: "كتابة الحياة"، إذ إنها سرديات عن يقظة كاملة، لا عن تجربة شخصية بعينها.

غلاف "مشية العقرب"

في هذه النصوص، ثمة تفاصيل كثيرة عن المجتمعات التي عبرها الشاعر، وقد صاغها أحيانا بروح دعابية حيوية، ودائما بتعاطف كائن منفرد يراقب العالم من مسافة قريبة. ثمة أيضا تسجيل لأدق أفعاله — أو بالأحرى أفعال من يبدو قرينه الآخر، ميشال كاتني (وفي البولندية، كلمة Katny تعني "ابن الزاوية" أو "المنزوي").

مع ذلك، فإن هذا الراوي لا يبوح حقا بشيء عن ذاته، ولا يستسلم قط للتحليل النفسي، فلا نعرف عنه إلا تلك اللحظات التأسيسية التي يختار هو نفسه الإفصاح عنها، والتي تشكل محطات قدره: "إنه الزمن نفسه الذي يتذكرني، وهو الذي يملي".

يبدو ستاخورا مشدودا بكليته نحو ما يسميه "الطيف الحقيقي"، حيث كل لحظة مليئة بالمعنى والاحتمال

هذا الدرب المغلق، المراوغ، الذي لا غاية مسبقة له، يفتح — بحسب بينون — فضاء تأمليا بالغ العمق في حركته، مستقلا عن أي طريق روحي مرسوم سلفا. درب لا يؤدي إلى أي مكان محدد، لكنه، بضرورته الوجودية، أبعد ما يكون عن الضلال.

هكذا نتبعه من بلد إلى آخر، ومن قارة إلى أخرى، لا سيما بين بولندا والمكسيك، و"كأنه ظل يعبر سماء يتماهى فيها نصفا الكرة الأرضية".

 Wojtek RADWANSKI / AFP
مجذفون بولنديون يقودون أطوافا سياحية في نهر دونايتس داخل متنزه بينيني الوطني في جنوب بولندا، 2018

إنها تنقلات لا تنقطع، لكنها ليست سفرا بالمعنى المعتاد، ولا نفيا — إلا إذا فهمنا المنفى على هذا المقياس: برزخا بين الأرض والسماء. وإذا كان الزمن يستحيل فيها فضاء، فإن الأمكنة الجغرافية، بقسوتها وهيبتها غالبا، تبدو كأنها تمتلك قوة جذب مغناطيسية تعيد تشكيل ملامح الزمن، وتمنح القارئ إحساسا بأن المكان والحركة جزء من التجربة الوجودية نفسها.

الطيف الحقيقي

في هذا الاندفاع يرى بينون شيئا من روح "دون كيخوتة"، لا في مطاردة عمالقة متخيلين، بل في كثافة الحضور. يبدو ستاخورا مشدودا بكليته نحو ما يسميه "الطيف الحقيقي"، حيث كل لحظة مليئة بالمعنى والاحتمال. والوفاء هنا هو الكلمة المفتاح: وفاء لذلك الانبهار الذي باسمه تغدو "كل لحظة هي الأخيرة والأولى" في آن، ووفاء أيضا لحاسة سمع داخلية هي المبدأ الوسيط. إذ أن أثر الصوت لا ينفصل عن فعل الإنصات، وعن الخطاب الذي يتوقف عليه كل شيء.

لكن مثل هذا الاتصال لا يخلو من أخطار، وفق مترجمه. فالتمزقات الداخلية تأتي على قدر ضغط هذا التدفق، ولا مجال هنا لارتداء أي درع واق. وقد كان الثمن فادحا، كما ستشهد على ذلك لاحقا "يوميات" أيامه الأخيرة التي كتبها ستاخورا قبيل أن يضع حدا لمغامرته الأرضية. وهي صفحات مذهلة في صفائها ونصاعتها، تلقي نظرة أخيرة على صراعه مع الشياطين التي لم تكف عن تعذيبه، وعلى تلك المشاركة الوجدانية المتوقدة في العالم التي جسدها هذا الصراع.

في هذا المعنى يمكن أن نفهم ما يسميه الشاعر "حدبة الإنسان"، أي ذلك الثقل الملازم للشرط الإنساني العام، الذي هو في الوقت نفسه دعوة حازمة إلى عدم الاستسلام. فهي تعبير عن مسؤولية الإنسان في مواجهة الواقع، عن حمله لأعباء وجوده، وفي الوقت ذاته عن تواصل ووعي دائمين بالحياة والآخرين.

ويعتبر بينون أن حمل معاناة الواقع على الكتفين، وتحملها، والتكفل بها، وتحرير الحياة من التمثلات التي تعوقها، مسؤولية مفرطة تستحضر الكاتبة المتصوفة إيتي هيليسوم ويومياتها التي كتبتها في معسكر الاعتقال، إذ "استند كلاهما إلى مراقبة ذاتية دائمة، لإنجاز مهمة في هذا العالم لا يمكن أن تختزل في مجرد الأثر المكتوب". هنا، يلتقي المسار الإنساني والفلسفي مع التجربة الفردية، ليصبح الأدب أداة فهم أعمق للحياة والتجربة البشرية.

كلمته تحمل في طياتها نارها وضياءها، وتغرف بلا انقطاع من منبع الأسئلة، مفجرة في كل سطر مادة تغذي الروح

في خاتمة مقدمته، يستحضر بينون السؤال الذي طرحه ستاخورا في أحد نصوصه: "هل من الممكن أن يكون الإنسان شمسا؟"، منطلقا من فكرة أن "الشمس لا تحتاج إلى شيء ولا إلى مساعدة أحد، ولذلك تستطيع أن تكون عطاء خالصا". ليخلص إلى أن هذا الشاعر، وإن عجز في طبيعة الحال عن تحقيق مثل هذه الأمنية، فإن كلمته تحمل في طياتها نارها وضياءها، وتغرف بلا انقطاع من منبع الأسئلة، مفجرة في كل سطر مادة تغذي الروح.

font change