هل يستعيد لبنان دوره كعقدة لوجستية بين المتوسط والشرق؟

مرفآ بيروت وطرابلس.. رأسمال اقتصادي جديد للبنان عبر الممر الهندي الأوروبي

رويترز
رويترز
رافعات الحاويات في ميناء بيروت، لبنان 15 يناير/كانون الثاني 2026

هل يستعيد لبنان دوره كعقدة لوجستية بين المتوسط والشرق؟

في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، أطلق في الهند "نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC Ports Club)، المتصل بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). وشارك لبنان في توقيع الإعلان المشترك لإطلاق النادي بمشاركة مرفأي بيروت وطرابلس.

تضع ​هذه المشاركة اللبنانية لبنان أمام تحدٍّ كبير، ألا وهو ضرورة العمل سريعا لإنقاذ الاقتصاد وانتشاله من الانهيار الذي يستمر منذ خريف عام 2019. فالعالم بات في مراحل متقدمة لا سيما في ما يتصل بتطوير وتوسيع شبكات النقل المتنوعة، وسلاسل الإمدادات الاقتصادية. وعلى لبنان بالتالي أن يقتنص لنفسه مكانا في هذا السيناريو، وأن يكون على جهوزية عالية ومستوى اقتصادي مناسب للاستفادة من هذا الجو، فضلا عن ضرورة ضمان الاستقرار الأمني والسياسي للتمكن من اللحاق بالتطورات الاقتصادية في العالم، وإثبات شراكته كقوة فاعلة وموقع يمكن الركون إليه.

النادي بحسب الخبراء، هو منصة تعاون بين الموانئ لتطوير مشاريع تجريبية قابلة للتوسع، وتسهيل التجارة والجمارك، والرقمنة وتبادل البيانات والطاقة والممرات الخضراء، وتعزيز سلاسل الإمدادات والربط اللوجستي.

وبحسب الإعلان المشترك، تضم الجهات الموقّعة إطلاق النادي مرفأَي بيروت وطرابلس في لبنان، وميناء الدقم في سلطنة عُمان، والسلطات المينائية القبرصية، وسلطة نظام موانئ البحر الأدرياتيكي الشرقي التي تشمل ميناء ترييستي الإيطالي، وهيئة الموانئ اليونانية (Hellenic Ports)، وميناء مرسيليا فوس الفرنسي، ومجموعة "أداني بورتس آند إس إي زد" الهندية.

أوفد ماكرون إلى الرئيس اللبناني جوزف عون مبعوثه الخاص إلى ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي جيرار ميستراليه، لترتيب هذه العملية، وقد نجحت

كما شاركت في ورشة العمل جهات بارزة من قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية في السعودية والإمارات، من بينها الهيئة العامة للموانئ السعودية (موانئ)، ومجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports Group)، ومجموعة موانئ دبي العالمية (DP World)، من دون أن يتضح بعد ما إذا كانت مشاركتها تعني انضمامها رسميا إلى النادي.

لم يكن لبنان ضمن الأطراف الثمانية الموقّعة مذكرة التفاهم التأسيسية لممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي (IMEC)، التي أُعلنت في سبتمبر/أيلول 2023، وضمت الهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي. إلا أن انضمام مرفأَي بيروت وطرابلس إلى "نادي موانئ IMEC" يفتح أمام لبنان المجال لتعزيز ارتباط مرافئه بالشبكات اللوجستية المرتبطة بالممر، من دون أن يعني ذلك انضمامه رسميا إلى الاتفاق التأسيسي.

ماكرون أسهم بصورة أساسية في إشراك لبنان في ربط الموانئ ​

علمت "المجلة" من مصدر ديبلوماسي في الهند، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعب دورا كبيرا في إشراك لبنان في هذا الممر. وأوفد إلى الرئيس اللبناني جوزف عون مبعوثه الخاص إلى ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي جيرار ميستراليه، لترتيب هذه العملية، وقد نجحت.

أ.ف.ب
ناقلة بضائع ترسو في ميناء طرابلس، لبنان، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، 22 أغسطس/آب 2022

وقال ميستراليه في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن مصر ولبنان وسلطنة عُمان واليونان وقبرص أبدت اهتماما بالانضمام إلى الممر. وأضاف أن أي توسعة لنطاقه الجغرافي أو لعضويته تتطلب موافقة الحكومات الثماني الموقّعة مذكرة التفاهم التأسيسية، مشيرا إلى احتمال بحث المسألة خلال اجتماع وزاري مرتقب قبل نهاية العام.

​ولهذا التطور معنى جيو سياسي واقتصادي كبير بالنسبة إلى لبنان، إذ بات يعتبر جزءا من شبكة الموانئ التي تبنى حول ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي ولم يصبح بعد جزءا رسميا من الاتفاق الحكومي الأصلي.

السفير اللبناني لدى الهند هادي جابر، أوضح لـ"المجلة"، "أن انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى "نادي موانىء الممر الاقتصادي" إنجاز كبير للبنان في خضم الأزمات العديدة التي يعاني منها ويسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية." وأضاف: "يشكل هذا الأمر نقلة نوعية في تطوير القطاعات اللوجستية والتجارية والطاقوية، ويسهم في ترسيخ وجود لبنان على الساحة الإقليمية والدولية. كما نعتبر هذا التطور الإيجابي لبنة إضافية في ترسيخ العلاقات الثنائية بين لبنان والهند".

أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند مرفأ بيروت أو مرفأ طرابلس. نحن اليوم نحجز للبنان موقعا في مسار لوجستي عالمي آخذ في التطور، ونؤسس لمرحلة يصبح فيها المرفأ جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة

رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمرفأ بيروت مروان النفّي

وهذه المشاركة لافتة بدخول مرفأي بيروت وطرابلس معا هذا المسار الاقتصادي، الأمر الذي يعطي لبنان فرصة ليطرح نفسه بوابة متوسطية بديلة ضمن الشبكة، لا سيما أن الممر يُبحث الآن بطريقة تسمح بـ"مسارات متعددة"، وليس بمسار واحد حصري.

دور جديد لمرفأي لبنان

قال رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمرفأ بيروت مروان النفّي لـ"المجلة": "نحن هنا بدعم فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، ومتابعة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، وبالتنسيق مع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، نعمل على وضع لبنان في المكان الذي يستحقه على الخريطة العالمية. الانضمام إلى نادي موانئ IMEC يفتح أمامنا بابا للتعاون مع موانئ ومؤسسات دولية، وتبادل الخبرات والتقنيات، والعمل على تطوير وتعزيز التكامل بين المرافئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية".

وأوضح النفي: "بالنسبة إلينا، فإن أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند مرفأ بيروت أو مرفأ طرابلس. نحن اليوم نحجز للبنان موقعا في مسار لوجستي عالمي آخذ في التطور، ونؤسس لمرحلة يصبح فيها المرفأ جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة. ووجودنا على هذا الخط اللوجستي المهم يمكن أن يغيّر ليس فقط طبيعة العمل في مرفأ بيروت، وإنما جزءا من الهوية الاقتصادية للبنان. طموحنا أن ينتقل لبنان إلى موقع البلد الذي يملك القدرة على تقديم أفضل الخدمات اللوجستية، وأن تصبح مرافئه نقاط عبور تربط بين المناطق والأسواق والقارات. ولهذا نعتبر أن وجود بيروت وطرابلس معا في هذا المسار هو عنصر قوة للبنان. وكلما استطعنا أن نربط مرافئنا ببعضها وبشبكات النقل الإقليمية والدولية، وأن نطوّر بنيتنا التحتية وقدراتنا التشغيلية والتكنولوجية، ازدادت فرص لبنان في الاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد".

رويترز
صورة جوية تظهر ميناء بيروت عقب انفجاره في 4 أغسطس/آب، 2020

وأشار النفي إلى أن "هذه الخطوة هي في اتجاه إعادة تعريف الدور الاقتصادي للبنان، والاستفادة من موقعه الجغرافي ومن قدراته البحرية واللوجستية ليكون جسرا حقيقيا بين الشرق والغرب".

ويعتبر ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي مشروعا متعدد الوسائط يربط الهند بالخليج بحرا، ثم يربط الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل عبر شبكة نقل برية وسكك حديد، وصولا إلى البحر المتوسط، ومنه إلى أوروبا. ولا يقتصر المشروع على نقل البضائع، بل يشمل أيضا تطوير البنية التحتية للموانئ والسكك الحديد، وكابلات الكهرباء والاتصالات الرقمية، وشبكات نقل الهيدروجين النظيف.

لم يعد ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا مجرد مشروع لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا، بل أصبح جزءا من التحولات الكبرى التي تعيد رسم خريطة التجارة والنفوذ وسلاسل الإمداد في العالم

أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور محمد موسى

ومع انضمام مرفأَي بيروت وطرابلس إلى "نادي موانئ IMEC" في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتعزز فرص لبنان للاندماج في شبكات الربط اللوجستي المرتبطة بالممر. وقد يفتح ذلك المجال أمام تطوير مسارات بحرية وبرية بديلة تربط الموانئ اللبنانية بنقاط العبور في الخليج وشرق المتوسط وأوروبا، بما فيها موانئ قبرص واليونان وترييستي ومرسيليا. غير أن هذا التصور يظل احتمالا لتوسيع شبكة الربط، وليس مسارا جديدا معتمدا رسميا حتى الآن.

فرصة اقتصادية ومالية

هناك فرصة كبيرة أمام مرفأ طرابلس لإدخاله في شبكة موانئ ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، لجهة تعزيز دوره كبوابة للبضائع المتجهة إلى شرق المتوسط، وفتح المجال أمام خدمات لوجستية ونقل بحري جديدة.

​كما أن دخول مرفأي بيروت وطرابلس معا، يعني أن لبنان يدخل عبر نقطتين وليس عبر نقطة واحدة. مع الإشارة إلى أن مسارات الكهرباء والغاز الإقليمي عبر سوريا إلى لبنان عبر طرابلس، ستعيد ترتيب منطقة الشمال على خريطة الاقتصاد الإقليمي، ويجعلها مؤهلة كشبكة اقتصادية، ونقطة ارتكاز تجاري. بالإضافة إلى ذلك، سيتيح هذا التطور فرصة تطوير الموانئ اللبنانية تقنياً، عبر التعاون وتبادل الخبرات والتدريب والرقمنة، وقابلية التشغيل البيني للأنظمة وتعزيز الأمن السيبراني. وكل ذلك يعد مكاسب مهمة للموانئ اللبنانية، تضاف إلى الجهد الحكومي النشط لتطوير المرفأين وتوسعتهما.

أ.ف.ب
حاويات الشحن في ميناء موندرا في مدينة موندرا الهندية، 11 يناير/كانون الثاني 2024

في هذا الإطار، قال أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور محمد موسى لـ"المجلة":"لم يعد ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا مجرد مشروع لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا، بل أصبح جزءا من التحولات الكبرى التي تعيد رسم خريطة التجارة والنفوذ وسلاسل الإمداد في العالم. وفي هذا السياق، فإن دخول مرفأي بيروت وطرابلس إلى شبكة الموانئ المرتبطة بالممر يفتح أمام لبنان فرصة تتجاوز بكثير العائدات المباشرة للمرافئ، لأنها تضع موقعه الجغرافي في قلب معادلة جديدة تتشكل على وقع الحروب والعقوبات واضطراب طرق التجارة الدولية".

وقال: "إن العالم لم يعد يبحث فقط عن أقصر طريق أو أقل كلفة، بل أصبح يبحث عن الطرق الأكثر أمنا والأكثر قدرة على الاستمرار في حال تعرض أحد الممرات الرئيسة للإغلاق أو الاضطراب. فالبحر الأحمر، ومضيق هرمز، وقناة السويس، والحرب الروسية–الأوكرانية، والتوترات الإقليمية، كلها أثبتت أن سلاسل الإمداد يمكن أن تتحول في أيام إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي. ومن هنا تزداد قيمة الموانئ التي تستطيع أن تكون جزءًا من شبكة بديلة ومرنة".

وأوضح موسى أنه "بالنسبة إلى لبنان، تكمن أهمية ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا سياسيًا في أنه يعيد وضع البلاد أمام خيار استراتيجي مختلف. فلبنان ليس مضطرا لأن يكون جزءا من الخط الأصلي للممر حتى يستفيد منه، بل يستطيع أن يتحول إلى عقدة متوسطية مكملة له، خصوصا عبر مرفأي بيروت وطرابلس. وهذا يعني فتح قنوات أوسع مع الهند ودول الخليج وأوروبا، وتعزيز ارتباط لبنان بشبكات التجارة الدولية بدل بقائه أسير أزماته الداخلية وموقعه الهامشي في حركة الاقتصاد الإقليمي".

الأهم أن لبنان يستطيع أن يقدم نفسه للممر ليس كمنافس للموانئ الأخرى، بل كشبكة احتياطية ومرنة في شرق المتوسط. ففي عالم يتجه نحو تنويع طرق التجارة، تصبح الموانئ البديلة ذات قيمة متزايدة

أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور محمد موسى

وشرح موسى أن "الأثر يمكن اقتصاديا أن يكون أكبر من مجرد استقبال الحاويات. فالمرفأ الناجح يولّد حوله اقتصادا متكاملا يشمل التخزين وإعادة التصدير والتوضيب والتصنيع الخفيف والنقل والتأمين والتمويل والخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية ومراكز البيانات والخدمات الرقمية. وإذا استطاع لبنان تطوير مرفأيه وربطهما بشبكة نقل حديثة، فإنه يستطيع الانتقال تدريجيا من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستهلاك والتحويلات والسياحة إلى اقتصاد يستفيد أيضا من موقعه كمنصة عبور وخدمات".

وقال: "تبرز هنا أهمية طرابلس بصورة خاصة، إذ يمكن أن تتحول إلى بوابة لوجستية في اتجاه المشرق، بينما تستطيع بيروت أن تؤدي دورا تجاريا وماليا وخدماتيا. ولا ينبغي النظر إلى المرفأين كمتنافسين، بل كجزء من منظومة واحدة قادرة على خدمة التجارة اللبنانية والإقليمية. وإذا أمكن مستقبلا إعادة تفعيل شبكة السكك الحديد وربطها بالشبكات الإقليمية، فإن لبنان يمكن أن يستقبل بضائع لا يكون مقصدها النهائي الأراضي اللبنانية، بل سوريا والعراق والأردن والأسواق المجاورة".

أ.ف.ب
صورة جوية لمدينة بيروت، لبنان، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2024

ولفت إلى أنه من الناحية المالية، "تكمن أهمية الممر في إمكان خلق مصادر جديدة ومستدامة للعملة الأجنبية. فلبنان يحتاج إلى اقتصاد ينتج تدفقات حقيقية بالدولار، وليس فقط إلى تدفقات مرتبطة بالاستهلاك أو التحويلات. ورسوم المرافئ والتخزين والنقل والتأمين وإعادة التصدير والخدمات المالية. والصناعات المرتبطة بالتجارة يمكن أن تشكل مع الوقت منظومة إيرادات بالعملات الأجنبية، وتساعد في إعادة بناء الثقة بالاقتصاد اللبناني."

ماذا عن التحديات؟

أكد موسى أن هذه الفرصة ليست تلقائية. فالجغرافيا وحدها لا تكفي. وتابع: "يحتاج لبنان إلى موانئ أكثر كفاءة، وجمارك رقمية، وطاقة مستقرة، وطرق نقل حديثة، واتصالات متطورة، ومناطق لوجستية، وتشريعات واضحة للاستثمار، وضبط فعلي للتهريب، وأمن مستدام للمرافئ والطرق. فالممرات التجارية الدولية لا تختار فقط الموقع الأفضل، بل تختار أيضا البيئة الأكثر سرعة وأمانا واستقرارا. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية. فالأزمة المالية والاقتصادية التي أضعفت قدرة الدولة على الاستثمار يمكن أن تصبح عائقا أمام الاستفادة من الممر". إلا أن موسى أشار إلى أن موقع لبنان الجغرافي نفسه يمكن أن يصبح وسيلة لجذب الاستثمارات الخارجية إذا نجح في تحويل المرافئ والبنية اللوجستية إلى مشاريع استثمارية قابلة للحياة.

لبنان… شبكة مرنة؟

أوضح موسى ايضا "الأهم أن لبنان يستطيع أن يقدم نفسه للممر ليس كمنافس للموانئ الأخرى، بل كشبكة احتياطية ومرنة في شرق المتوسط. ففي عالم يتجه نحو تنويع طرق التجارة، تصبح الموانئ البديلة ذات قيمة متزايدة، خصوصا عندما ترتفع مخاطر الحرب أو التأمين أو إغلاق الممرات البحرية. ومن هنا فإن دخول لبنان إلى منظومة ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا يجب ألا يُقرأ كخبر مرفئي فقط، إنما كإشارة إلى احتمال إعادة تعريف موقع لبنان في المنطقة. فالدولة التي كانت تُعرّف تاريخيا من خلال دورها المالي والتجاري والثقافي تستطيع اليوم أن تضيف إلى هذه الأدوار وظيفة جديدة: أن تكون عقدة لوجستية بين المتوسط والمشرق، وجزءا من شبكة أوسع تربط آسيا بالخليج وأوروبا".

وقال موسى ايضا: "في زمن تبدل الخرائط، قد تصبح الجغرافيا اللبنانية من جديد رأس مال استراتيجيا. لكن تحويل هذا الرأس المال إلى قيمة اقتصادية يتطلب قرارا سياسيا واضحا: هل يريد لبنان أن يبقى مجرد سوق صغيرة على هامش طرق التجارة الجديدة، أم يريد أن يتحول إلى منصة عبور وخدمات تستفيد من موقعها بدل أن تكون أسيرة له؟ إن ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا قد لا يكون الحل السحري للأزمة اللبنانية، لكنه يمكن أن يكون أحد مفاتيح الخروج منها إذا جرى التعامل معه كخطة اقتصادية وطنية طويلة المدى، لا كمشروع مرفأ أو اتفاق ظرفي. وفي عالم تتزايد فيه مخاطر سلاسل الإمداد، تصبح قدرة لبنان على توفير طريق بديل وآمن وفعال قيمة استراتيجية قد تساوي، على المدى البعيد، قيمة موارده المالية والطبيعية مجتمعة".

font change