اعتداءات الحوثيين... كيف توحّد الدول ضدهم؟

يصعّد الحوثيون اعتداءاتهم على السعودية لإرضاء إيران بعد خسائرهم العسكرية في اليمن، فيما تهدد هجماتهم المطارات والمنشآت النفطية وتزيد عزلتهم وتفتح الباب أمام مواجهة أوسع

وزارة الإعلام السعودية/ رويترز
وزارة الإعلام السعودية/ رويترز
لقطة من تسجيل لكاميرات المراقبة تُظهر تصاعد الدخان واندلاع النيران وردود فعل الأشخاص لحظة وقوع هجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، بالمملكة العربية السعودية، في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026

اعتداءات الحوثيين... كيف توحّد الدول ضدهم؟

لا تعدو حرب التصعيد الجارية، التي أشعلتها جماعة الحوثيين في اليمن أوائل شهر أغسطس/آب الماضي، أن تكون نموذجاً معاداً للفشل الذي رافق حروب الجماعة منذ أن بدأتها عام 2004 بالتمرد على الدولة، مروراً بانقلابها على الإجماع الوطني في 21 سبتمبر/أيلول 2014، وصولاً إلى الحرب الشاملة التي تسببت فيها.

في ذروة حرب التصعيد القائمة، أعلنت القوات الحكومية دحر ميليشيات الجماعة من المواقع التي سيطرت عليها في مضيق باب المندب ومرتفعات جبال كهبوب المطلة عليه في محافظة تعز، فيما تواصل جبهات القتال الأخرى في صحراء مأرب والجوف ابتلاع موجاتها البشرية، موجةً بعد أخرى ونسقاً تلو آخر. وقوبلت هجماتها الإرهابية على الأعيان المدنية في الجارة السعودية برد عسكري فوري طال كثيراً من مخابئها، وشتت جحافلها، واستنزف الكثير من مقدراتها وقدراتها العسكرية، في معركة لا تزال فصولها تتوالى إلى أجل غير معلوم.

وكانت ميليشيات الجماعة الموالية لإيران قد استهدفت عدداً من المطارات السعودية والأصول النفطية والمدنية في مناطق مختلفة من المملكة، لكن أكثر تلك الهجمات دموية كان الهجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، في مجازفة غير مسبوقة، للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، إذ أصاب إحدى صالات الركاب، في اعتداء وصفه المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الرياض، اللواء الركن تركي المالكي، بأنه يرقى وفق القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية إلى "جريمة حرب مكتملة الأركان"، متوعداً بالرد عليه بحزم. وأسفر الاعتداء الأخير، وفقاً لما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، بعضهم سعوديون وبقيتهم من جنسيات مختلفة.

بمثل هذه الممارسات الرعناء، كشفت الميليشيات الحوثية، في ظل إدانة دولية واسعة لاعتداءاتها، أنها لا تزال أبعد ما تكون عن تعلّم أبجديات السياسة وأبسط قواعد القانون الدولي، إذ تواصل برعونة شديدة اللعب بالنار والتورط أكثر فأكثر في صراع لا طائل منه، سواء مع الداخل الذي حسم أمره بقرار لا رجعة عنه لمواجهتها وإلحاق الهزيمة بها، أو مع الخارج، في مسعى لجر المملكة العربية السعودية إلى نزاع أوسع تدرك الرياض أهدافه ومن يقف وراءه إلى جانب إيران. إلّا أن الجماعة لا تريد أن تدرك أنه صراع أكبر منها، ولا تعي أنه إنما يزيد عزلتها، وقد يجعل منها هدفاً بالقدر نفسه الذي تُستهدف به مخططات إيران في اليمن، سواء قررت الولايات المتحدة إعادة ضرب طهران، أو على نحو غير مباشر من خلال التحالف العربي وشركائه اليمنيين الذين تقف الرياض معهم في خندق واحد.

لماذا التصعيد؟

تجازف الميليشيات بكل ذلك سعياً وراء تحقيق أمور عدة، أولها إرضاء "الولي الفقيه" في طهران بطرق شتى، وأداء فروض الولاء والطاعة لقادة النظام الإيراني المنبوذ، لقاء ما بذلوه من جهد ومال في سبيل تمكين الجماعة من ترسيخ سلطتها رغماً عن إرادة الشعب اليمني.

وفي امتداد لهذا التخادم المكشوف بين طهران والحوثي، يحاول الأخير العمل بأقصى ما يستطيع ليبدو ليس مجرد وكيل محلي لـ"الحرس الثوري" في اليمن، بل ليكون بديلاً ينوب عنه في تنفيذ بعض مخططاته، وساعياً إلى وراثة وكلائه، كـ"حزب الله" اللبناني، الذين تكسرت أضلاعهم وخارت قواهم في سوريا ولبنان والعراق. لكن الحوثي يفعل ذلك على نحو يتجاوز المطلوب منه، لا بقصد استهداف الولايات المتحدة التي كرر التزامه، مرحلياً على الأقل، بعدم المساس بمصالحها، ولا إسرائيل التي تعهد، بحسب مصادر نقلت عنها "رويترز"، بعدم استهداف سفنها في باب المندب والبحر الأحمر، بل بتركيز خاص على الداخل اليمني.

عتقد جماعة الحوثيين أن بوسعها انتزاع ما لم تنتزعه إيران نفسها من السعودية، متناسيةً أن ذلك لن يزيد أوضاعها الداخلية إلّا تعقيداً، ومزيداً من الخنق والحصار عسكرياً واقتصادياً

على خط أزمة التصعيد الدائرة، دخلت طهران عارضة "المساعدة في تسهيل حوار بين السعودية والميليشيات بغية خفض التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنه"، بحسب بياناتها، ولم تعلّق الرياض على ذلك. وتشير تقارير أممية وغربية إلى أن الميليشيات الحوثية تهاجم السعودية بصواريخ ومسيّرات إيرانية، وبمساعدة خبراء إيرانيين يعملون إلى جانبها في توجيهها نحو المملكة بما يوفرونه من معلومات وإحداثيات وتقنيات متطورة. ودأبت إيران على محاولة المساواة بين السعودية كدولة والحوثيين كميليشيات، وتكرار الحديث عن أن قرار الحوثيين "مستقل" ولا علاقة لها به، بل ردّت مراراً على من يطلبون منها الوساطة في حل الصراع اليمني بالقول إنهم "طرقوا الباب الخطأ"، متغافلة عن أن الخلاف ليس مع الرياض، بل هو في الأساس بين الميليشيات، التي لا يعترف بها أحد غير إيران، والحكومة اليمنية الشرعية التي يعترف بها العالم كله باستثناء طهران.

لماذا العداء للجوار؟

تعتقد جماعة الحوثيين أن بوسعها انتزاع ما لم تنتزعه إيران نفسها من السعودية، متناسيةً أن ذلك لن يزيد أوضاعها الداخلية إلّا تعقيداً، ومزيداً من الخنق والحصار عسكرياً واقتصادياً، إذ يتجاهل قادة الميليشيات الحوثية ومن يقف وراءهم أن السعودية في نهاية المطاف بلد محوري، سواء بدوره الجيوسياسي في المنطقة أو بقوته الاقتصادية على المستوى العالمي.

تنعم السعودية وشعبها بقدر من الاستقرار والازدهار والرفاه يجعل الرياض، مع شقيقاتها الخليجيات، في دائرة الاستهداف من قبل إيران، البلد المجاور المضطرب وغير المستقر، الذي لا يخفي غيرته من ذلك، خصوصاً أنه يملك الموارد الطبيعية ذاتها المتوفرة لدى دول الخليج العربية المجاورة.

يتعرض دور السعودية في اليمن لقدر كبير من الإساءة وسوء الفهم لأسبابه ومقتضياته ودوافعه، من دون أدنى اعتبار للفاتورة الثقيلة التي يتعين على الرياض سدادها لقاء دفاعها عن أمنها القومي، ومنه اليمن، واستجابتها لدعوة الجانب اليمني لدعم حكومته الشرعية المعترف بها دولياً واستعادة دولته. ومن هذه الكلفة ما تتعرض له مدن السعودية ومطاراتها وأصولها النفطية وأعيانها المدنية من اعتداءات غير مبررة من جانب جماعة الحوثيين.

يحاول السعوديون حصر النزاع المسلح الدائر في اليمن داخل حدود جارتهم الجنوبية بوصفه حرباً يمنية-يمنية، حرصاً من الرياض على عدم امتداده إلى دول الجوار، فيما تصر جماعة الحوثيين على وصفه بأنه صراع يمني-سعودي، وهو توصيف فيه الكثير من الخفة والتسطيح، ويثير الشفقة والسخرية من "الجماعة الانقلابية" التي تدّعي تمثيل الشعب اليمني في مواجهة السعودية، التي جاء تدخلها في اليمن بناءً على طلب من قيادته الشرعية المنتخبة، مستنداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2216.

الأمور واضحة دون حاجة إلى مزيد من التبيان، وتتلخص في أن ما يحدث الآن في اليمن ليس بالمطلق حرباً يمنية-يمنية، رغم كونه كذلك بسبب الانقلاب الحوثي المشؤوم، وليس بالضرورة حرباً بالوكالة، فاليمنيون يدافعون عن أرضهم في وجه الأطماع الإيرانية، ويقاتلون من أجل استعادة دولتهم بمساعدةٍ طلبتها قيادتهم الشرعية المعترف بها دولياً من الرياض.

أ.ف.ب
لقطة من مقطع مصور نشرته قوات "المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة اليمنية تُظهر إطلاق صاروخ من منصة محمولة على مركبة باتجاه مقاتلي الحوثيين على جبهة الكدحة غرب تعز، اليمن ، في 8 سبتمبر 2026

 

أخفق الحوثيون مراراً وتكراراً، في الداخل والخارج، في الترويج لأيديولوجيتهم العنصرية والمناطقية، كما فشلوا في تقديم أنفسهم نموذجاً لسلطة تحتكم إلى تشريعات أو قوانين أو أنظمة


ومثلما لليمنيين كامل الحق في الاستعانة بالشقيق العربي الجار والأقرب للدفاع المشروع عن أنفسهم في مواجهة التدخلات الإيرانية، وبتر ذراعها التي تمردت على الدولة وانقلبت عليها وأشعلت الحرب، وجعلت طهران من هذه الذراع مخلباً لإيذاء الجار السعودي وتهديد الأمن والسلم في المنطقة، فإن للسعودية الحق ذاته في الرد على مصادر الخطر الذي يتهددها انطلاقاً من داخل اليمن، وهي لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالوكالة، فلديها من القدرة العسكرية ما يمكّنها من ذلك، ومن المسوغات ما يكفي لحماية أمنها إزاء أي خطر يحيق بها أياً كان مصدره، أو الوكيل الذي ينوب عن إيران في تصديره عبر أراضي الجوار، سواء في اليمن أو العراق، لاستهداف منشآتها النفطية أو مطاراتها ومدنها. كما أن السعودية، أو أي بلد آخر، لا تحتاج إلى إذن أو ضوء أخضر من أحد للدفاع عن نفسها وسلامة أراضيها، فالرياض لديها أكثر من مبرر قانوني لذلك، وفي مقدمته حق الدفاع عن النفس بمقتضى القانون الدولي.

أخطاء وحقائق

يعتقد بعض العرب أن جماعة الحوثيين شكّلت "حالة عربية" في تحدي إسرائيل خلال حربها على قطاع غزة، التي أحيا الإسرائيليون قبل أيام الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر الذي أشعلها. والمثير للاستغراب أن إعجاب هؤلاء بما قام به الحوثيون كان في جانب منه نكايةً بحكوماتهم التي يرون أنها لم تفعل ما فعلته الميليشيات، غير مدركين أن ما فعله الحوثيون لم يكن "نصرةً لغزة"، بل التزام بدور الجماعة في "محور الممانعة" الإيراني. ويغفل هؤلاء، عن عمد أو دونه، عن الفاتورة التي دفعها اليمنيون من مقدراتهم جراء الحملات الجوية العنيفة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على اليمن، والتي لم تؤثر على الميليشيات بقدر ما أضرت بالبنى التحتية الأساسية لعموم اليمنيين.

 كما يتجاهل بعض العرب أن هجوم السابع من أكتوبر وفّر للحكومة الإسرائيلية ذريعة لشن حرب مدمرة على غزة، خلصت لجنة تحقيق أممية إلى أنها ترقى إلى إبادة جماعية، وهو ما ترفضه إسرائيل، وللسعي إلى تصفية القضية الفلسطينية واستهداف قادة "المقاومة"، ومنهم رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، الذي اغتيل في طهران خلال استضافة "الحرس الثوري" الإيراني له، في بلد يتهمه كثيرون بالتحريض على هجوم "حماس".

رويترز
يتصاعد الدخان جراء انفجار خلال ضربات استهدفت أفراداً ومعدات وتحركات تابعة لميليشيا الحوثي، في موقع حُدّد بأنه تعز باليمن، وذلك في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو نُشر في الأول من أكتوبر 2026

والأدهى من كل ذلك أن يعبّر بعض العرب اليوم، تصريحاً أو تلميحاً ومن خلال وسائل إعلام عربية، عن امتنانهم لحرب الحوثيين "المزعومة" في تعز ومأرب وغيرهما، على أساس أنها تستهدف "الإخوان المسلمين" و"القاعدة" و"داعش"، في حين يعلم هؤلاء أنه لا يوجد في اليمن تنظيم يجاهر بانتمائه إلى "الإخوان"، وأن إرهاب "القاعدة" و"داعش" لم يبلغ، على امتداد نشاطهما في اليمن، بعض ما بلغه إرهاب الحوثيين وبطشهم خلال سنوات قليلة.

أخفق الحوثيون مراراً وتكراراً، في الداخل والخارج، في الترويج لأيديولوجيتهم العنصرية والمناطقية، كما فشلوا في تقديم أنفسهم نموذجاً لسلطة تحتكم إلى تشريعات أو قوانين أو أنظمة، فهم في الأساس يقاتلون بلا قضية وطنية مشروعة أو قرار سياسي مستقل. وقد فشلوا في ذلك كله، سواء خلال تمردهم المسلح على نظام الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح وحروبهم الدموية معه، أو خلال حربهم الطويلة عقب انقلابهم على الدولة وسيطرتهم على العاصمة صنعاء، كما فشلوا في التحول إلى شبه سلطة، ناهيك عن أن تتحول ميليشياتهم إلى دولة. ولعل النجاح الوحيد الذي حققه الحوثيون هو قدرتهم على الاحتفاظ بكل هذا التاريخ من الفشل في جميع تلك الظروف والمراحل.

font change

مقالات ذات صلة