لا تعدو حرب التصعيد الجارية، التي أشعلتها جماعة الحوثيين في اليمن أوائل شهر أغسطس/آب الماضي، أن تكون نموذجاً معاداً للفشل الذي رافق حروب الجماعة منذ أن بدأتها عام 2004 بالتمرد على الدولة، مروراً بانقلابها على الإجماع الوطني في 21 سبتمبر/أيلول 2014، وصولاً إلى الحرب الشاملة التي تسببت فيها.
في ذروة حرب التصعيد القائمة، أعلنت القوات الحكومية دحر ميليشيات الجماعة من المواقع التي سيطرت عليها في مضيق باب المندب ومرتفعات جبال كهبوب المطلة عليه في محافظة تعز، فيما تواصل جبهات القتال الأخرى في صحراء مأرب والجوف ابتلاع موجاتها البشرية، موجةً بعد أخرى ونسقاً تلو آخر. وقوبلت هجماتها الإرهابية على الأعيان المدنية في الجارة السعودية برد عسكري فوري طال كثيراً من مخابئها، وشتت جحافلها، واستنزف الكثير من مقدراتها وقدراتها العسكرية، في معركة لا تزال فصولها تتوالى إلى أجل غير معلوم.
وكانت ميليشيات الجماعة الموالية لإيران قد استهدفت عدداً من المطارات السعودية والأصول النفطية والمدنية في مناطق مختلفة من المملكة، لكن أكثر تلك الهجمات دموية كان الهجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، في مجازفة غير مسبوقة، للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، إذ أصاب إحدى صالات الركاب، في اعتداء وصفه المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الرياض، اللواء الركن تركي المالكي، بأنه يرقى وفق القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية إلى "جريمة حرب مكتملة الأركان"، متوعداً بالرد عليه بحزم. وأسفر الاعتداء الأخير، وفقاً لما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، بعضهم سعوديون وبقيتهم من جنسيات مختلفة.
بمثل هذه الممارسات الرعناء، كشفت الميليشيات الحوثية، في ظل إدانة دولية واسعة لاعتداءاتها، أنها لا تزال أبعد ما تكون عن تعلّم أبجديات السياسة وأبسط قواعد القانون الدولي، إذ تواصل برعونة شديدة اللعب بالنار والتورط أكثر فأكثر في صراع لا طائل منه، سواء مع الداخل الذي حسم أمره بقرار لا رجعة عنه لمواجهتها وإلحاق الهزيمة بها، أو مع الخارج، في مسعى لجر المملكة العربية السعودية إلى نزاع أوسع تدرك الرياض أهدافه ومن يقف وراءه إلى جانب إيران. إلّا أن الجماعة لا تريد أن تدرك أنه صراع أكبر منها، ولا تعي أنه إنما يزيد عزلتها، وقد يجعل منها هدفاً بالقدر نفسه الذي تُستهدف به مخططات إيران في اليمن، سواء قررت الولايات المتحدة إعادة ضرب طهران، أو على نحو غير مباشر من خلال التحالف العربي وشركائه اليمنيين الذين تقف الرياض معهم في خندق واحد.
لماذا التصعيد؟
تجازف الميليشيات بكل ذلك سعياً وراء تحقيق أمور عدة، أولها إرضاء "الولي الفقيه" في طهران بطرق شتى، وأداء فروض الولاء والطاعة لقادة النظام الإيراني المنبوذ، لقاء ما بذلوه من جهد ومال في سبيل تمكين الجماعة من ترسيخ سلطتها رغماً عن إرادة الشعب اليمني.
وفي امتداد لهذا التخادم المكشوف بين طهران والحوثي، يحاول الأخير العمل بأقصى ما يستطيع ليبدو ليس مجرد وكيل محلي لـ"الحرس الثوري" في اليمن، بل ليكون بديلاً ينوب عنه في تنفيذ بعض مخططاته، وساعياً إلى وراثة وكلائه، كـ"حزب الله" اللبناني، الذين تكسرت أضلاعهم وخارت قواهم في سوريا ولبنان والعراق. لكن الحوثي يفعل ذلك على نحو يتجاوز المطلوب منه، لا بقصد استهداف الولايات المتحدة التي كرر التزامه، مرحلياً على الأقل، بعدم المساس بمصالحها، ولا إسرائيل التي تعهد، بحسب مصادر نقلت عنها "رويترز"، بعدم استهداف سفنها في باب المندب والبحر الأحمر، بل بتركيز خاص على الداخل اليمني.


