ديزل بوتين يشعل الخلاف بين ترمب وزيلينسكي

ديزل بوتين يشعل الخلاف بين ترمب وزيلينسكي

استمع إلى المقال دقيقة

حين بدت فرص روسيا في تحقيق أهدافها من الحرب في أوكرانيا تتضاءل، جاء تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخير، بما يعكسه من مثالية بعيدة عن الواقع، ليهدد بقلب مسار الصراع بصورة حاسمة لصالح موسكو.

وعلى الرغم من أن الحرب في أوكرانيا طالت أكثر من الحرب العالمية الأولى، وكبدت الروس خسائر بشرية فادحة ووضعتهم تحت ضغوط هائلة، ظل احتمال أن يعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين النصر فيها بعيدا للغاية.

وفي ظل ركود الاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات الغربية، وتفاقم أزمة نقص الجنود بسبب الخسائر التي تكبدتها روسيا في ساحات القتال، والمقدرة بنحو 1.5 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، لم تكن التطورات تسير في مصلحة بوتين.

وزادت الهجمات الأوكرانية المتصاعدة على البنية التحتية الروسية من سوء موقف بوتين، بعدما ألحقت الطائرات المسيرة والصواريخ أضرارا جسيمة بمنشآت النفط والغاز الحيوية في روسيا.

ويعتمد الاقتصاد الروسي اعتمادا كبيرا على عائدات قطاع الطاقة، الذي لطالما شكل مصدرا مهما للدخل. لذلك، تركت قدرة أوكرانيا على ضرب منشآت النفط والغاز في عمق الأراضي الروسية، وصولا إلى سيبيريا، أثرا كبيرا في قدرة بوتين على تمويل ما يسميه "العملية العسكرية الخاصة" ضد أوكرانيا. وكان تقويض هذه القدرة تحديدا أحد الأهداف الرئيسة لكييف من تلك الهجمات.

لكن الكفة التي مالت بوضوح لمصلحة أوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة قد تميل الآن في الاتجاه المعاكس بسبب تدخل ترمب الأخير. فهذا التدخل لا يهدد فقط بإعادة الأفضلية الميدانية إلى روسيا، بل قد يمنح بوتين في النهاية فرصة إعلان النصر في الحرب.

ومنذ بداية ولايته الثانية، اتسمت علاقة ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالتوتر. وبعد المشادة الكلامية الشهيرة بينهما في المكتب البيضاوي في فبراير/شباط من العام الماضي، ظل موقف ترمب من زيلينسكي متقلبا، بين انتقاد صريح لطريقة إدارته للحرب والإشادة به أحيانا بوصفه حليفا مهماً.

لكن الخلاف الأخير بين الزعيمين، والذي جاء بعد إعلان الرئيس الأميركي المفاجئ اتفاقه مع بوتين على أن تزود روسيا الولايات المتحدة بإمدادات الديزل التي تحتاج إليها بشدة، دفع التوتر بينهما إلى مستوى جديد تماما، وقد تكون لذلك تداعيات كارثية على المجهود الحربي الأوكراني.

وينظر إلى اتفاق الديزل بين ترمب وبوتين، الذي أعقبه إعلان الرئيس الأميركي إعفاء من العقوبات يسمح باستيراد 300 ألف طن من الديزل الروسي، على أنه محاولة يائسة من البيت الأبيض لاحتواء الضغوط الداخلية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة الشهر المقبل.

ومع تراجع شعبية ترمب في استطلاعات الرأي، وتزايد الضغوط على إدارته بسبب الحرب مع إيران، تتصاعد داخل البيت الأبيض المخاوف من أن يخسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس، في ضربة قد تلحق أضرارا بالغة بما تبقى من ولاية ترمب.

وأثار اتفاق ترمب مع بوتين على تزويد الولايات المتحدة بكميات إضافية من الديزل، بعدما تعهدت روسيا بتوفير 1.5 مليون طن أخرى بحلول نهاية العام، انتقادات واسعة، إذ ينطوي على خرق واضح لنظام العقوبات الذي فرضه الغرب على موسكو منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022.

وامتدت ردود الفعل الغاضبة إلى أنصار الحزب الجمهوري وحلفاء واشنطن، الذين اتهموا البيت الأبيض بخيانة أوكرانيا. كما أعاد الاتفاق إشعال التوتر بين ترمب وزيلينسكي، وأثار مخاوف جدية بشأن استعداد واشنطن لمواصلة دعم كييف في حربها.

ردّ زيلينسكي على اتفاق ترمب المفاجئ مع بوتين بجولة على عواصم أوروبية لحشد مزيد من الدعم لأوكرانيا، وهاجم موقف الرئيس الأميركي بشدة، واصفا اتفاق الديزل مع روسيا بأنه "انتصار" لبوتين

وبدا توتر علاقة ترمب بزيلينسكي واضحا في تصريحاته عند إعلان الاتفاق مع بوتين، إذ ألقى باللوم على الرئيس الأوكراني في الارتفاع الحاد لأسعار الديزل، مدعيا أن السبب الرئيس هو إصراره على مواصلة استهداف منشآت النفط الروسية.

لكن السبب الأبرز وراء ارتفاع تكاليف الطاقة عالميا هو الحرب مع إيران، التي لم يكن لزيلينسكي أي دور في إشعالها، في وقت تواصل فيه طهران عرقلة تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز.

غير أن ذلك لم يمنع ترمب من تحميل الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية مسؤولية ارتفاع الأسعار، ومطالبة كييف بأن "توقف هجماتها فورا" إذا أرادت استمرار الدعم الغربي.

وذهب ترمب أبعد من ذلك، فكرر دعوته إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة في أوكرانيا، بعدما أرجئت بسبب الحرب، حتى "يتمكن الأوكرانيون من اختيار زعيم جديد يستطيع إبرام اتفاق،" أي زعيما مستعدا لقبول شروط ترمب لإنهاء الحرب، وهي شروط يرى كثير من الأوكرانيين، ومن بينهم زيلينسكي، أنها ترقى إلى استسلام كامل لموسكو.

وردّ زيلينسكي على اتفاق ترمب المفاجئ مع بوتين بجولة على عواصم أوروبية لحشد مزيد من الدعم لأوكرانيا، وهاجم موقف الرئيس الأميركي بشدة، واصفا اتفاق الديزل مع روسيا بأنه "انتصار" لبوتين.

وزاد غضب زيلينسكي بعدما أفادت تقارير بأن الجيش الأميركي، بتوجيه من ترمب على الأرجح، فرض قيودا على استخدام أوكرانيا نظام إيلون ماسك للاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ما أضعف قدرة كييف على اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية المتجهة نحو أهداف داخل أوكرانيا.

وقال زيلينسكي إن الاتفاق جعله يشعر بأن ترمب "خانه"، محذرا من أن "هناك أناسا سيموتون" بسبب قرار تقييد وصول أوكرانيا إلى "ستارشيلد"، النسخة العسكرية من "ستارلينك".

وفي مقابلة مع برنامج "بيرس مورغان دون رقابة"، قال زيلينسكي: "هذا موقف لن ينصفه التاريخ". وعندما سأله مورغان إن كان يشعر بالخيانة على خلفية ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية، أجاب: "نعم، بالفعل".

ومع تمسك ترمب بموقفه في خلافه الأخير مع زيلينسكي، تبدو أوكرانيا مقبلة على شتاء طويل وقاس، في وقت تتراجع فيه رغبة البيت الأبيض في مواصلة دعمها عسكريا، بينما يسعى بوتين إلى استغلال الموقف إلى أقصى حد.

font change