إشارات السماء... التنجيم في القاهرة المملوكية

أثره امتد من العمارة إلى الحروب وأروقة الحكم

Chris J Ratcliffe/Getty Images for Sotheby's
Chris J Ratcliffe/Getty Images for Sotheby's
متخصص في الأعمال الفنية يحمل أسطرلابا مملوكيا مصنوعا من النحاس المطعم بالفضة والذهب

إشارات السماء... التنجيم في القاهرة المملوكية

في الفصل الرابع من كتابها "الطاعون والحجر الصحي والجيوسياسية في الدولة العثمانية" (2012)، ترصد الباحثة والأستاذة بيرسن بولموش Birsen Bulmuş، كيف تقاطعت ممارسات الفلك القديم مع معتقدات شعبية عميقة حول تأثير الأجرام السماوية في حياة البشر وصحتهم. فتشير إلى أن التنجيم الفلكي الشخصي اعتمد على تحديد المنجمين للبرج الطالع وقت الولادة عبر الهيئة الفلكية أو قراءة قسمات الوجه، كشكل الحواجب، ليبنوا بناء على ذلك تماثيل معدنية مصغرة ترتبط بالكوكب الحاكم للشخص. فاستخدموا النحاس لمن كان حاكمه الزهرة، والقصدير لمن يحكمه المشتري، وكانوا ينقشون على هذه التماثيل طلاسم روحانية للوقاية من الأوبئة. كما اعتقدوا بقدرتهم على تعديل الطالع النحس وتحويله إلى سعد عبر عقاقير ذات تأثير روحي، متأثرين برصد اقترانات كوكبية مثل زحل والمريخ المرتبطة بظهور الأوبئة والبخار الفاسد في الهواء.

طلاسم عمرانية

ولم تقتصر هذه الممارسات على الأفراد، لكنها امتدت لهندسة وتعمير المدن، بابتداع نوع من الطلاسم للمدن والعمران لحماية الحواضر من الطاعون والآفات، عبر نصب مجسمات معدنية في الأماكن العامة، مثل طلسم الثعبان النحاسي بميدان الخيل في إسطنبول، والذي لا يزال موجودا ويعرف باسم عمود الثعبان أو العمود الملتوي، وهو يقع في ساحة مسجد السلطان أحمد، وأيضا باستخدام أحجار اليشم لتطهير الهواء واستجلاب المطر، وإلقاء تعاويذ فلكية لطرد الفئران والعقارب من مدن كبغداد ودمشق.

وتتكامل هذه الرؤى مع علم الحروف والأعداد والتمائم الروحية، حيث دمجت الحروف العربية وأرقامها بأسماء الله الحسنى والآيات وفق حساب الجمل لتركيب صيغ وقائية. وشمل ذلك تكرار أسماء محددة بعدد مرات معين بناء على شفرات رقمية لردع الأرواح والجن المسببة للأمراض، ورسم دوائر طلمسية تتضمن أدعية لتعلق كتمائم حول العنق أو شرب مائها كإكسير للشفاء، مع كتابة الأدعية على أظافر المريض بحسب مكان البثور، أو تدوين الأسماء على صفائح فضية توضع تحت أختام صخرية لربط القوى السماوية بالأرض، أو كتابتها مباشرة على جبهة الشخص لحمايته.

لكن المثير للتأمل فيما رصدته الباحثة كان ما نقله الرحالة العثماني إوليا جلبي عن هدم السلطان بايزيد الثاني لعمود طلمسي قديم، أنشأ الإمبراطور قسطنطين جزءا منه، وذلك أثناء بناء مساجد جديدة في وسط إسطنبول. وفور هدم العمود، ضرب الطاعون المدينة بشكل مفاجئ وتوفي ابن السلطان بالمرض نفسه: الطاعون. ونتيجة لذلك، أدرك السلطان بايزيد خطأه في إزالة الطلسم، وسارع إلى إعادة بنائه وتشيده من جديد لاستعادة الحماية للمدينة من الوباء.

واليوم وبينما نتندر على هذه الأحداث ونصمها بالهوس أو الخزعبلات، وبينما يلجأ الناس لكروت التاروت ويقرأون حظك اليوم في سرية خوفا من اتهامهم بالضلال أو التفاهة أو الجهل، فقد يغيب عن بالنا أن التنجيم وحسابات الفلك كانا جزءا من صنع القرار في بلاط الحكم في العالم الإسلامي، وفي دول عديدة زاهرة وقتها، كمصر المملوكية.

عندما تناغمت الأرض مع السماوات

هل الفلك هو نفسه التنجيم؟ هذا تساؤل يمكن الإجابة عنه بالعودة إلى الأصل، وتجاوز الطلاسم والممارسات الشعبية، لأن فهم هذه الظواهر يتطلب أولا إدراك طبيعة العلاقة التاريخية بين علم الفلك وعلم التنجيم.

كان التنجيم وحسابات الفلك جزءا من صنع القرار في بلاط الحكم في العالم الإسلامي، وفي دول عديدة زاهرة وقتها، كمصر المملوكية

يقوم الفارق الجوهري بين العلمين على طبيعة الاهتمام والهدف، فعلم الفلك، الذي عرف قديما بعلم النجوم، هو العلم الرياضي البحت المختص برصد حركة الأجرام السماوية ومداراتها، وكان يهتم بدراسة حركة الأفلاك والنجوم وإعداد التقاويم. أما علم التنجيم، فسمى بعلم أحكام النجوم، وكان التنجيم بمثابة التطبيق العملي لعلم الفلك، إذ اعتمد المنجمون تماما على الحسابات الفلكية الدقيقة لمعرفة مواقع الكواكب والأبراج، واستخدموا تلك الحسابات لتفسير تأثير حركة الكواكب على حياة البشر ومصائرهم، وعلى الأحداث الأرضية. ومن هنا يفهم سر ارتباطهما وعدم الفصل بينهما بصرامة في التراث الإسلامي خلال القرون الوسطى.

في المجلد الأول من كتابه المعنون "في تناغم مع السماوات: دراسات في ضبط الوقت الفلكي والأجهزة في الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى" (2004)، يوضح الباحث البريطاني ديفيد أ. كينغ أن علم الفلك لم يكن مجرد نظريات مجردة في السماء، وإنما تحول إلى ممارسات عملية واضحة داخل المجتمع الإسلامي، فيرصد كيف استخدمت الحسابات الفلكية لضبط أوقات اليوم والصلوات الخمس عبر ابتكار جداول دقيقة ومخططات ظل حسابية تغطي أيام السنة. كما يسلط الضوء على الدور الاجتماعي والمهني المهم للمؤقتين والمؤذنين الذين عملوا في المساجد والمؤسسات كخبراء في علم الفلك العملي لتنظيم الحياة اليومية للناس. ولا يتوقف الأمر عند حدود الوقت، بل امتد ليشمل العمارة وتصميم المباني، إذ استخدمت الحسابات الفلكية بدقة لتحديد اتجاه القبلة في المساجد، وتوجيه الملاقف الهوائية للاستفادة القصوى من حركة الرياح وتحسين التهوية.

 WILLIAM WEST / AFP
السفير الكويتي لدى أستراليا ناصر المزيّن يتفحص أسطرلابا نحاسيا خلال التحضير لمعرض يضم أكثر من 120 قطعة من أبرز نماذج الفن الإسلامي

أما في المجلد الثاني من الكتاب نفسه، فينتقل ديفيد أ. كينغ لتناول الأدوات العلمية والعملية الشائعة التي أتاحت تنفيذ هذه الحسابات على أرض الواقع. ويشرح كيف اعتمد الناس على الأرباع الزمنية الشاملة والساعات الشمسية لقياس الوقت ومعرفته بدقة خلال ساعات النهار. والأهم من ذلك، يبرز الكاتب دور الفلك في تطوير الأسطرلابات، التي كانت أدوات معرفية وملاحية وحسابية متكاملة، فتميزت بنقش قوائم المدن والإحداثيات الجغرافية على ظهورها، ما جعلها جهازا علميا شاملا يعكس مدى تقدم الحضارة الإسلامية في ربط الرياضيات والفلك باحتياجات الإنسان اليومية والملاحة وتحديد المواقع.

الظريف أن أحد أقدم النماذج لتلك الحسابات وكيف استفاد منها الناس هي المزولة، تلك الساعة المنحوتة في أعمدة المساجد أو على أحد بلاطات الأرضية في الأسواق والميادين العامة، لتنبىء الناس عبر الظل واتجاهه بمواقيت الصلاة وساعات اليوم، وهي موجودة حتى هذه اللحظة في العديد من مساجد القاهرة الأثرية، أبرزها المزولة المنحوتة على أحد أعمدة مسجد السلطان الناصر محمد بن قلاوون بالقلعة، إذ اهتم المماليك بالفلك وبالتنجيم، بشدة.

حين تحولت العلوم الباطنية والنجوم إلى ركائز في الحكم

يعتبر العصر المملوكي (1250 - 1517م) محطة بارزة تداخلت فيها العلوم الفلكية والتنجيمية بعمق مع آليات الحكم وصنع القرار في مصر والشام، رغم التمييز النظري الواضح بين الفلك كعلم رياضي والتنجيم كعلم للتنبؤ. وقد تجسد هذا الارتباط بوضوح في تبنى المماليك عند توليهم حكم مصر والشام في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي التقاليد الفنية والفلكية المشرقية ودمجها في بلاطهم الرسمي، فظهرت الصور الفلكية للأبراج والكواكب على التحف المخصصة للسلاطين والأمراء الكبار لتعمل كطلاسم تحمي الحاكم من السوء وتجلب له التوفيق. كما عكست هذه الرموز السيادة الكونية للحاكم، ولهذا تميزت التحف النحاسية المملوكية المطعمة بالذهب والفضة بالجمع بين دوائر البروج ومشاهد الحياة اليومية.

استخدمت الحسابات الفلكية بدقة لتحديد اتجاه القبلة في المساجد، وتوجيه الملاقف الهوائية للاستفادة القصوى من حركة الرياح وتحسين التهوية

وربما كان تبني المماليك لتقليد "سحر الحروف" المرتبط بالشيخ الصوفي أحمد البوني، هو ما أدى إلى انتقال هذه العادة من هامش المجتمع إلى صلب الحياة الفكرية الرئيسية، لتصل بمرور الوقت إلى بيوت الحكام والسلاطين وكبار الضباط والبيروقراطيين بعد أن كان مقصورا على مجتمعات صوفية مغلقة.

فيؤكد الباحث الأميركي نواه غاردنر، في دراسته "النجوم والأولياء: التنجيم الباطني لدى الصوفي الروحاني أحمد البوني" أنه عند تحليل كتاب البوني "لطائف الإشارات في الحروف العلويات" الذي أتمه بالقاهرة عام 1225م يتبين أن تعامل البوني مع التنجيم يعبر عن منظومة باطنية وفلسفية معقدة، تعيد ربط العلوم الخفية بالفكر الصوفي الإسلامي، وتم كل هذا بتشجيع من المماليك، وأدت هذه البيئة الداعمة في القاهرة المملوكية إلى جذب كبار المفكرين والعلماء الناطقين بالفارسية من الشرق، الذين قاموا بتطوير ونقد العلوم الخفية ودمجها مع الفلسفة الأفلاطونية والفيثاغورية المحدثة، لتصبح البيئة الفكرية للعلوم الخفية التي تشكلت في القاهرة المملوكية هي النموذج والمرجع الأساسي لعلماء البلاط والملوك في العوالم الإسلامية اللاحقة، من العثمانيين والصفويين والمغول، حتى القرن السابع عشر.

في المقابل، شهد العصر المملوكي موجة من المعارضة والهجوم الحاد ضد هذه الممارسات من جانب كبار علماء الدين وفلاسفة تلك الفترة، إذ سعى أعلام مثل ابن تيمية وابن خلدون إلى مهاجمة البوني وتصنيفه بعد وفاته كساحر أو مبتدع. وفي السياق ذاته، وثق مؤرخون بارزون مثل المقريزي سيرة البوني في كتابه "المقفى الكبير"، وتحول قبره في مدافن القرافة بالقاهرة خلال تلك الفترة إلى موقع شهير للزيارة وطلب البركة.

The Metropolitan Museum of Art
حوض مزخرف بعلامات الأبراج الفلكية والألقاب الملكية، وهو قطعة من المشغولات المعدنية الإسلامية تُنسب إلى مصر أو سوريا، وتعود إلى أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر.

لكن التأثير الأكبر لتأثر المماليك بالفلك والتنجيم تمثل في حضور "منجم الحاضرة" داخل البلاط السلطاني، حيث كان السلاطين يستشيرون هؤلاء الخبراء لتحديد الأوقات السعيدة والمباركة لشن الحروب، وتوقيع المعاهدات، وتولية المناصب، وصولا إلى تشييد القصور. وتشهد المصادر التاريخية، مثل كتابات المقريزي وابن تغري بردي، أن سلاطين بارزين مثل الظاهر بيبرس والناصر محمد بن قلاوون كانوا يعيرون اهتماما بالغا لنبوءات المنجمين المتعلقة بفترات حكمهم واستقرار ملكهم وحركات تمرد الأمراء.

كيف أدار سلاطين المماليك الدولة بالأفلاك والطلسمات؟

في قراءة متعمقة لهذه الظاهرة، يسلط الباحث نواه غاردنر في كتابه "ابن خلدون في مواجهة أصحاب العلوم الباطنية في بلاط السلطان برقوق" (2020)، الضوء على تحول العلوم الباطنية من ممارسات فردية إلى أداة فاعلة لتوجيه السياسة واكتساب الشرعية داخل القصر. فيبين غاردنر كيف نجح أصحاب علم الحروف والمنجمون في التسلل إلى غرف صنع القرار، والوصول إلى دائرة الخواص والأمراء والسلطان برقوق نفسه، لتقديم استشارات وتنبؤات كانت تستغل وقت الأزمات والتهديدات السياسية. في المقابل، يوثق الكتاب الصراع الفكري والسياسي الذي قاده العلامة ابن خلدون أثناء توليه منصب القضاء في القاهرة، حيث وجه هجوما شديدا، مصحوبا بفتاوى ورسائل تحذيرية للسلطان برقوق، من خطورة الاعتماد على هؤلاء الممارسين وعلى تنبؤاتاهم المهدوية، معتبرا أن اتكاء السلطة على تلك المخطوطات والتقارير السرية يمثل تهديدا مباشرا للشرعية الدينية واستقرار الدولة.

ربما كان تبني المماليك لتقليد "سحر الحروف" المرتبط بالشيخ الصوفي أحمد البوني، هو ما أدى إلى انتقال هذه العادة من هامش المجتمع إلى صلب الحياة الفكرية الرئيسية، لتصل بمرور الوقت إلى بيوت الحكام والسلاطين

فيذكر تقي الدين المقريزي في كتابه "السلوك" في عدة مواضع العديد من الحوادث المتعلقة بلحظة جلوس السلاطين على العرش أو حتى لحظة خروج مواكب الجيش السلطاني من القاهرة عبر باب النصر متوجهة إلى ثغور الشام، وإنها كانت تحسب بدقة لزوم توافقها مع طالع فلكي معين. فلم يكن الخروج عشوائيا، وإنما كان ينتظر أحيانا أيام أو يؤجل ساعات حتى يخبر المنجم السلطان أن الكواكب قد دخلت في "بيوت السعد"، لتبدأ حركة الجيش وسط هالة من التعبئة النفسية للجنود بأن النصر مضمون بأمر الأفلاك والسماء، فضلا عن الأرض.

ويذكر ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" والمقريزي في "السلوك" تفاصيل دسائس القصر، وكيف أن بعض الأمراء الطامحين في انتزاع الملك كانوا يزاحون عن طريق اتهامهم بتدبير الفتن، وحين أراد البلاط إضفاء هيبة سياسية وشرعية على التخلص من أمير قوي يخافه السلطان، كانوا يستعينون بالمنجمين المعتمدين لرفع تقارير تفيد بأن "طالع" الأمير يشير إلى الخيانة وشق عصا الطاعة مع اقتراب نحس فلكي، ليصدر السلطان مرسوما بالقبض عليه بحجة "درء الفتنة العظمى التي دلت عليها دلائل الأفلاك"، وربما حادثة قتل الأمير تنكز البجاوي، نائب الشام الأقوى في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون، هي أبرز أمثلة هذه الدسائس التنجيمية.

 Amir MAKAR / AFP
زوار يتجولون ليلا في قلعة قايتباي التاريخية، التي شُيدت في عهد السلطان المملوكي الأشرف قايتباي

بينما تبرز فين دي بلوك، الأستاذة وباحثة بجامعة خنت في بلجيكا، في أطروحتها لنيل الدكتوراه عام 2020، والمعنونة "إعادة رسم الحدود: علم النجوم في سلطنة القاهرة أواخر القرن الخامس عشر" أن "علم أحكام النجوم" و"علم الحروف" في العصر المملوكي لم يكونا مجرد شعوذة أو خرافات عامة، بل كانا يمثلان أدوات استشارية وتكتيكية رفيعة المستوى تستخدمها نخبة السلاطين والأمراء والعلماء لإدارة الأزمات وحسم قرارات الحرب والسلم؟ فبتحليلها لمخطوطات مملوكية توثق تأثير التنجيم وحساب الحروف على مجريات معركة أضنة عام 1485 بين المماليك والعثمانيين، فقد أشارت الخرائط الفلكية وحسابات علم الجمل إلى أن حظوظ القائد المملوكي أزبك من ططخ ضعيفة في مواجهة القائد العثماني أحمد بن هرسك. وبناء على هذه النتائج، امتنع أزبك عن قيادة الجيش بنفسه لتفادي الهزيمة وقرر تكليف نائبه تمراز بقيادة القوات نظرا لتفوق القيمة الحسابية لاسمه، إذ كان حساب اسم "تمراز" يساوي 9، وهو ما يتفوق حسابيا على اسم "أحمد" صاحب الرقم 8. وأسفر هذا القرار التكتيكي عن تحقيق الجيش المملوكي للنصر وأسر القائد العثماني حيا.

حين أراد البلاط إضفاء هيبة سياسية وشرعية على التخلص من أمير قوي يخافه السلطان، كانوا يستعينون بالمنجمين المعتمدين لرفع تقارير تفيد بأن "طالع" الأمير يشير إلى الخيانة

وفي مقالة بعنوان "نهاية متوسطية: نبوءات الإمبراطورية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر" (2018)، يوضح المؤرخ الأميركي كورنيل فلايشر كيف شهدت القاهرة في عهد السلطان قانصوه الغوري انتشارا واسعا لمخطوطات التنبؤات وأدبيات الجفر والتقارير الفلكية القائمة على اقترانات الكواكب. ويذكر أن البلاط المملوكي استخدم هذه الأدبيات كخطاب سياسي وإعلامي للخاصة لإثبات الشرعية، والتنبؤ بمصير الصراع مع العثمانيين والصفويين، وتبرير التوقيتات والقرارات العسكرية في أواخر عمر السلطنة.

REUTERS/Mohamed Abdel Ghany
مشهد داخلي للقبة التاريخية لضريح السلطان قايتباي، التي شُيدت بين عامي 1472 و1474 في عهد السلطان المملوكي الأشرف قايتباي، عقب مراسم إعادة افتتاحها في القاهرة، 20 يوليو 2026.

ففي بدايات القرن السادس عشر، ومع تزايد التهديدات العسكرية من جانب العثمانيين والصفويين، كان سلاطين المماليك يواجهون صعوبة كبيرة في إقناع كبار الأمراء المماليك "الذين يمتلكون خشداشية وجيوشا خاصة" بالخروج في حملات عسكرية إلى الشام، في حين كان المنجمون يرفعون تقارير تنجيمية سرية للسلطان الغوري حول اقتران المشتري وزحل ودخولهما في البروج النارية أو الترابية. وكان السلطان يستخدم هذه التقارير أمام مجلس الخواص والأمراء لتبرير تأجيل خروج الجيش أو تحديد ساعة معينة للزحف، معلنا أن الفلك يشير إلى "نحس" في طالع القائد الخصم أو "سعود" في طالع السلطنة. والعجيب أن هذا التكتيك كان يمنح السلطان حجة قاطعة تمتص معارضة الأمراء، وتجعل قرار تحريك أو إيقاف الجيش يبدو توقيتا كونيا إلهيا لا بديل عنه، لا مجرد قرار سياسي يمكن نقضه أو معارضته.

لم يكن الفلك والتنجيم في القاهرة المملوكية مجرد ممارسات هامشية، إذ شكلا أداة سياسية واستراتيجية متقدمة لإدارة الأزمات وحماية القرار السلطاني وتثبيت الشرعية أمام الخصوم والأمراء

في المحصلة، يتبين أن الفلك والتنجيم في القاهرة المملوكية لم يكونا مجرد ممارسات هامشية، إذ شكلا أداة سياسية واستراتيجية متقدمة لإدارة الأزمات وحماية القرار السلطاني وتثبيت الشرعية أمام الخصوم والأمراء. ومع تطور الزمن واختلاف الأدوات، بدءا من الأسطرلابات النحاسية وتقارير الأفلاك وصولا إلى الخوارزميات والنماذج التنبؤية المعاصرة، تظل حاجة الإنسان ثابتة في البحث عن ما يمنحه يقين المستقبل.

font change