في الفصل الرابع من كتابها "الطاعون والحجر الصحي والجيوسياسية في الدولة العثمانية" (2012)، ترصد الباحثة والأستاذة بيرسن بولموش Birsen Bulmuş، كيف تقاطعت ممارسات الفلك القديم مع معتقدات شعبية عميقة حول تأثير الأجرام السماوية في حياة البشر وصحتهم. فتشير إلى أن التنجيم الفلكي الشخصي اعتمد على تحديد المنجمين للبرج الطالع وقت الولادة عبر الهيئة الفلكية أو قراءة قسمات الوجه، كشكل الحواجب، ليبنوا بناء على ذلك تماثيل معدنية مصغرة ترتبط بالكوكب الحاكم للشخص. فاستخدموا النحاس لمن كان حاكمه الزهرة، والقصدير لمن يحكمه المشتري، وكانوا ينقشون على هذه التماثيل طلاسم روحانية للوقاية من الأوبئة. كما اعتقدوا بقدرتهم على تعديل الطالع النحس وتحويله إلى سعد عبر عقاقير ذات تأثير روحي، متأثرين برصد اقترانات كوكبية مثل زحل والمريخ المرتبطة بظهور الأوبئة والبخار الفاسد في الهواء.
طلاسم عمرانية
ولم تقتصر هذه الممارسات على الأفراد، لكنها امتدت لهندسة وتعمير المدن، بابتداع نوع من الطلاسم للمدن والعمران لحماية الحواضر من الطاعون والآفات، عبر نصب مجسمات معدنية في الأماكن العامة، مثل طلسم الثعبان النحاسي بميدان الخيل في إسطنبول، والذي لا يزال موجودا ويعرف باسم عمود الثعبان أو العمود الملتوي، وهو يقع في ساحة مسجد السلطان أحمد، وأيضا باستخدام أحجار اليشم لتطهير الهواء واستجلاب المطر، وإلقاء تعاويذ فلكية لطرد الفئران والعقارب من مدن كبغداد ودمشق.
وتتكامل هذه الرؤى مع علم الحروف والأعداد والتمائم الروحية، حيث دمجت الحروف العربية وأرقامها بأسماء الله الحسنى والآيات وفق حساب الجمل لتركيب صيغ وقائية. وشمل ذلك تكرار أسماء محددة بعدد مرات معين بناء على شفرات رقمية لردع الأرواح والجن المسببة للأمراض، ورسم دوائر طلمسية تتضمن أدعية لتعلق كتمائم حول العنق أو شرب مائها كإكسير للشفاء، مع كتابة الأدعية على أظافر المريض بحسب مكان البثور، أو تدوين الأسماء على صفائح فضية توضع تحت أختام صخرية لربط القوى السماوية بالأرض، أو كتابتها مباشرة على جبهة الشخص لحمايته.
لكن المثير للتأمل فيما رصدته الباحثة كان ما نقله الرحالة العثماني إوليا جلبي عن هدم السلطان بايزيد الثاني لعمود طلمسي قديم، أنشأ الإمبراطور قسطنطين جزءا منه، وذلك أثناء بناء مساجد جديدة في وسط إسطنبول. وفور هدم العمود، ضرب الطاعون المدينة بشكل مفاجئ وتوفي ابن السلطان بالمرض نفسه: الطاعون. ونتيجة لذلك، أدرك السلطان بايزيد خطأه في إزالة الطلسم، وسارع إلى إعادة بنائه وتشيده من جديد لاستعادة الحماية للمدينة من الوباء.
واليوم وبينما نتندر على هذه الأحداث ونصمها بالهوس أو الخزعبلات، وبينما يلجأ الناس لكروت التاروت ويقرأون حظك اليوم في سرية خوفا من اتهامهم بالضلال أو التفاهة أو الجهل، فقد يغيب عن بالنا أن التنجيم وحسابات الفلك كانا جزءا من صنع القرار في بلاط الحكم في العالم الإسلامي، وفي دول عديدة زاهرة وقتها، كمصر المملوكية.
عندما تناغمت الأرض مع السماوات
هل الفلك هو نفسه التنجيم؟ هذا تساؤل يمكن الإجابة عنه بالعودة إلى الأصل، وتجاوز الطلاسم والممارسات الشعبية، لأن فهم هذه الظواهر يتطلب أولا إدراك طبيعة العلاقة التاريخية بين علم الفلك وعلم التنجيم.




