تقنيات الكتابة في القصيدة العربية الحديثة لم تحظ، حتى الآن، بما تستحقه من اهتمام وتبصر. كيف تكتب هذه القصيدة، أو بالأحرى، كيف تندرج على صفحاتها المقاطع والسطور والجمل والمفردات، توضع في خلال ذلك النقاط والفواصل والحركات وغيرها من علامات.
هذه الأسئلة جديرة بأن تطرح، خصوصا لأن القصيدة الحديثة رمت إلى
تغليب تقاليد الكتابة على تقاليد الشفاهة التي احتضنت القصيدة العمودية. وهي جديرة أيضا بأن تطرح، لأن الكلام على تقنيات الكتابة وعناصرها بات جزءا أساسيا من الكلام على بناء القصيدة الحديثة. وفي قضية البناء، هناك اختلافات واضحة سجلتها القصيدة الحديثة إزاء القصيدة العمودية.
في كتابة القصيدة العربية الحديثة، هل هناك منطق في الانتقال من سطر
إلى سطر، من مقطع إلى مقطع، وفي استعمال علامات الوقف على أنواعها، وهل هناك منطق يقوم عليه بناء القصيدة؟ في هذا الشأن، نورد الأفكار والملاحظات الآتية:
أولا: في معظم الكتابات الشعرية العربية الحديثة، لا نتبين منطقا معينا لترتيب السطور، ومعظم كتاب الشعر لا يأبهون بذلك، ويتركون للسطر أن ينتهي ليبدأ بعده سطر آخر، دون سبب واضح.كأنما السطور تلقى على الصفحة عشوائيا. وأنا في كلامي هذا أقصد القصائد الحديثة الموزونة، ولا أقصد قصائد النثر، أي الشعر المنثور الخالي من الوزن، ذلك أن القصائد الموزونة فيها من الضوابط، أو بالأحرى من محطات الكلام، ما لا نجده في قصائد النثر.
في القصيدة الحديثة الموزونة، التي يحلو للبعض تسميتها بقصيدة التفعيلة، يمكن الوزن أن يكون عاملا مساعدا في تحديد السطور وترتيبها، ونحن نعرف أن السطر في هذه القصيدة يحتوي على عدد من التفاعيل يمكن له أن يتزايد أو
يتناقص من سطر إلى آخر. فالتقطيع الوزني أو العروضي من شأنه أن يساعد
الكاتب في تقديره لطول السطر أو قصره. وإذا وجدت القوافي، ونحن نعرف أن
كاتب القصيدة الحديثة يسمح لنفسه بالتخلي جزئيا أو كليا عن التقفية، فإنها
تكون حاسمة في تحديد نهايات السطور. يبقى أن المعاني، معاني الجمل في السطور، يمكنها أن تكون عاملا مساعدا في ترتيب هذه الأخيرة. ومع ذلك،
أي على الرغم من وجود عوامل تهدي إلى تحديد السطور وترتيبها، نلاحظ أن
قلة قليلة من القصائد الحديثة هي التي تتضمن منطقا في تساوق السطور والمقاطع فيها.
ثانيا: نستطيع القول إن النقاط والفواصل يمكنها أن تلعب دورا ليس بالهين، إذا ما وضعت على نحو سديد. يمكنها أن توضح الحدود بين الجمل في داخل
السطور. وهذا له انعكاس على البناء العام للقصيدة من ناحية، ويساعد في تمهيد سبل القراءة من ناحية ثانية. وهنا أيضا، أي في ما يتعلق بسبل القراءة التي يمكنها أن تكون متعددة بتعدد القراء، يلعب وضع الحركات على حروف مختارة داخل الكلمات دورا ليس بالهين هو الآخر.
ثالثا: في ما يتعلق ببناء القصيدة، هناك ظاهرة كانت مكروهة في الشعر العمودي، وغدت من مقومات الشعر الحديث. هذه الظاهرة تسمى التضمين، وكانت قديما تسمى أيضا المعاظلة. وتتلخص بأن البيت في القصيدة العمودية قد ينتهي عروضيا دون أن ينتهي معنويا، فيحتاج المعنى إلى أن يستمر في البيت التالي لكي يكتمل. وهذا ما كان يستكرهه القدماء، إذ كانوا يستحسنون اكتمال البيت عروضيا ومعنويا، أي يفضلون التطابق بين المعنى والوزن في البيت الواحد. ومن الأمثلة على عدم التطابق، أو بالأحرى على التضمين، هذان البيتان المنسوبان إلى قيس بن الملوح:
كأن القلب ليلة قيل يغدى
بليلى العامرية أو يراح
قطاة هزها شرك فباتت
تجاذبه وقد علق الجناح
المعنى لا يكتمل في البيت الأول، ويستمر في البيت الثاني. هذا هو التضمين الذي استكرهه النقاد والبلاغيون القدامى، ثم أصبح قواما للقصيدة الحديثة الموزونة (قصيدة التفعيلة). فالسطور في هذه الأخيرة تترابط في ما بينها معنويا، بحيث يستمر المعنى من سطر إلى آخر. ومن النادر أن يكتفي سطر معين بذاته، فلا يحتاج معنويا إلى غيره، ويحصل فيه التطابق بين الوزن والمعنى.
لا ننكر أن بعض القصائد الحديثة تتمتع بأبنية محكمة أو مقنعة. إلا أن ذلك لا يعني أن قضية بناء القصيدة أعطيت حقها من قبل الشعراء والنقاد، في التجربة العربية الحديثة
في القصيدة العمودية التي تقوم على نظام البيت، لم تكن الظواهر التي تكلمنا عليها مصدر إشكالات كبيرة. أما في القصيدة الحديثة، التي أحلت نظام السطر محل نظام البيت، فقد برزت هذه الإشكالات، دون أن تحظى باهتمام كبير من قبل الشعراء، كتاب القصائد. وترك الأمر لنوع من الفوضى أو الاستخفاف، مما جعل القصائد الحديثة، في معظمها ولا أقول فيها كلها، تبدو مفتقرة إلى أي نظام. وبدت ادعاءات البناء في أغلب القصائد الحديثة مجرد أوهام.
لا ننكر في الختام أن بعض القصائد الحديثة تتمتع بأبنية محكمة أو مقنعة. إلا أن ذلك لا يعني أن قضية بناء القصيدة أعطيت حقها من قبل الشعراء والنقاد، في التجربة العربية الحديثة. وذلك على الرغم من كثرة النظريات
المتعلقة بوحدة القصيدة وتماسكها، ومن شيوع مصطلحات ملتبسة مثل "الوحدة العضوية"، وما شاكله.
بناء القصيدة ليس بالمسألة البسيطة. إنه كيان تدخل في تشكيله عناصر كثيرة التنوع والتعدد. وما سقناه في هذه المقالة ليس سوى ملاحظات تلامس هذه المسألة ملامسة رفيقة، وإن كانت توضح جوانب في كتابة القصيدة الحديثة لم ينتبه لها الكثيرون من المعنيين بهذه الكتابة.