في الأزمات الكبرى تنكشف هشاشة الإنسان، وتنكشف أكثر في الألفة التي تنشأ مع هذه الأزمات بمرور الزمن. فالحروب والكوارث البيئية والانهيارات الاقتصادية، وتدفق الأخبار المروعة على مدار الساعة، ليست أحداثا استثنائية تقطع إيقاع الحياة اليومية فحسب، لكنها تحولت إلى خلفية مألوفة لا تثير إلا قدرا محدودا من الدهشة. وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة للقلق في أن الإنسان المعاصر فقد إحساسه بأن معرفة ما يجري حوله تستدعي فعلا أو تغييرا. من هنا تحديدا يكتسب سؤال الفيلسوف الفرنسي أوليفييه ديلي "ما الجدوى؟" دلالته الحقيقية، فهو يكشف عن خلل أصاب علاقة الإنسان بالعالم، حتى غدا المستقبل نفسه يبدو وعدا انطفأ قبل أن يتحقق.
في كتابه الأخير "ما الجدوى؟: علاجات فلسفية لفقدان المعنى" (منشورات ليليونيد، 2026)، يفكك أوليفييه ديلي آليات هذا الإحساس أكثر مما يعنى بعوارضه. وهو لا يكتب من موقع الواعظ الذي يملك وصفة للخلاص، ولا من موقع الفيلسوف الذي يكتفي بتكرار التشخيصات المألوفة حول "أزمة الحضارة الغربية". على العكس من ذلك، ينطلق من فرضية أكثر تواضعا وأكثر طموحا في آن واحد: إذا كان العالم قد أصبح يبدو بلا أفق، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بكيفية استعادة التفاؤل، إنما بكيفية فهم الأسباب التي جعلت التفاؤل نفسه يبدو فكرة قديمة.
معضلة غير فردية
قد يوحي عنوان الكتاب بأنه ينتمي إلى موجة الكتب التي تتاجر بالقلق الوجودي وتعد القارئ باستعادة توازنه الداخلي، غير أن القراءة تكشف سريعا أن ديلي يسير في الاتجاه المعاكس تماما. فهو يرفض تحويل فقدان المعنى إلى أزمة نفسية، ويرى أن الإلحاح المعاصر على البحث عن السعادة الفردية يخفي، في كثير من الأحيان، عجزا عن مواجهة الأسباب البنيوية التي أنتجت هذا الشعور بالفراغ. ليست المشكلة، في نظره، أن الإنسان فقد الثقة بنفسه، بل أن العالم الذي يعيش فيه لم يعد يقدم إطارا مقنعا يمنح أفعاله معنى يتجاوز حدود النجاح الشخصي أو الاستهلاك اليومي.




