سنّة العراق... الطائفية تنحسر ولكن التهميش السياسي مستمر

المزاج الشعبي يختلف عن المشهد السياسي

Shelly Kittleson
Shelly Kittleson
قوات عراقية محلية من محافظة صلاح الدين تشارك في عملية ضد تنظيم "داعش" في جبال حمرين في 25 ديسمبر 2017

سنّة العراق... الطائفية تنحسر ولكن التهميش السياسي مستمر

عمان– قال أحد أبناء عشيرة الجبور في محافظة صلاح الدين لـ"المجلة" في 18 أكتوبر/تشرين الأول، إن "الإحباط" هو الشعور الغالب في أوساط العرب السنّة في العراق.

وأضاف الرجل، الذي يعمل في منظمة غير حكومية وفضّل عدم الكشف عن اسمه: "لم يعد الناس يرون صراعا بين السنّة والشيعة، وإنما صراعا داخل البيت الشيعي نفسه، تخوضه الميليشيات والأحزاب السياسية على الثروات الطائلة والسلاح المنتشر في البلاد."

وكان مجلس القضاء الأعلى العراقي قد أصدر، الشهر الماضي، توجيهات لرصد الخطاب الطائفي في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، قبيل انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي تشكل لمحاربة تنظيم "داعش"، في 30 سبتمبر/أيلول. ويندرج هذا الإجراء ضمن سلسلة من التدابير التي اتخذتها السلطات خلال السنوات الماضية لمنع تجدد الصراع الطائفي الذي شهدته البلاد عقب الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003.

وعلى مدى أكثر من عقدين منذ ذلك الحين، هيمنت الأحزاب السياسية الشيعية على الحكم في العراق، ويرتبط كثير منها بفصائل مسلحة. وفي غياب إحصاءات دقيقة عن التركيبة المذهبية للسكان، ولا سيما مع انتشار الأسر المختلطة، تشير معظم التقديرات إلى أن السنّة يشكلون 40 في المئة أو أقل من مجموع السكان، فيما تقل نسبة العرب السنّة عن 30 في المئة.

وقال الشيخ مروان الجبارة، المتحدث باسم مجلس عشائر صلاح الدين، لـ"المجلة" إن "السنّة يشعرون بأنهم مستبعدون سياسيا من دائرة صنع القرار، وأن مشاركتهم لا تتجاوز الحضور الشكلي."

وأضاف أن "القرارين الأمني والسياسي بيد القوى الشيعية، في ظل اختلال واضح في إدارة الدولة، ولا سيما داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية. ولهذا تبدو الآفاق السياسية قاتمة، لا سيما وأن السنّة يرون أن ما يسمى حملة مكافحة الفساد تستهدفهم وحدهم، وتركز على محافظات ذات غالبية سنّية."

وأشار الجبارة إلى أن المزاج الشعبي يختلف عن المشهد السياسي، قائلا: "أعتقد أن العراقيين تجاوزوا الطائفية تماما. فهي ما زالت حاضرة في الأوساط السياسية، لكنها فقدت تأثيرها بين عامة الناس. أما الميليشيات، فقد نقلت نفوذها من الشارع إلى الاقتصاد، وأصبحت توظف قوتها المالية لدعم أذرعها السياسية والسيطرة على مؤسسات الدولة ومناصبها الرئيسة. و(عصائب أهل الحق) مثال واضح، إذ دخلت الساحة السياسية بقوة السلاح أولا، ثم بقوة المال."

لا يمكن الحديث عن استقرار دائم ما دامت هناك عائلات عاجزة عن العودة إلى منازلها، بعد سنوات طويلة من فقدان تنظيم (داعش) السيطرة على مناطقها

وأكد أن "المجتمع العربي السنّي يتطلع إلى انسحاب قوات (الحشد الشعبي) والفصائل المسلحة من المدن، فهذه القوى تحول دون عودة النازحين إلى بعض المناطق، ويمنع وجود (الحشد) هؤلاء من الرجوع إلى ديارهم."

ناشط من الأنبار يندد بـ"العقاب الجماعي" 

ينحدر محمد ديلان، البالغ من العمر 31 عاما، من مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار ذات الغالبية السنّية. وهو ناشط سياسي عمل مع مجتمعات مهمشة ومتضررة من الحروب داخل العراق وخارجه. وتنصب مخاوفه على استمرار وجود فصائل مسلحة خارج سلطة الحكومة، فضلا عن قضية النزوح التي أثارها الشيخ الجبارة.

وقال ديلان لـ"المجلة": "أشعر بقلق عميق على مستقبلنا السياسي والأمني، خصوصا في ظل أداء الأحزاب السنّية الحالية. فهذه الأحزاب لم تستطع تحويل مشاركتها في الحكومة إلى ضمانات حقيقية تكفل حقوق الناس وأمنهم. ووجود ممثلين للسنّة في الحكومة والبرلمان لا يعني بالضرورة قيام شراكة ديمقراطية عادلة. فالشراكة الحقيقية تقتضي المشاركة الفعلية في صنع القرار، وصون الحقوق، ومحاسبة من ينتهكها."

Shelly Kittleson

وأضاف: "القضية الجوهرية بالنسبة إلي هي قدرة الدولة، بعد الانسحاب الأميركي، على حماية مواطنيها وإخضاع جميع الجماعات المسلحة لسلطتها. فالسيادة تبقى منقوصة إذا غادرت القوات الأجنبية، بينما تظل القرارات العراقية رهينة سلاح خارج عن سيطرة الدولة."

وتابع: "لا أرى أن اندلاع حرب طائفية واسعة أمر محتوم، ولا يبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحا اليوم. فالمجتمعات التي عانت ويلات الحرب والنزوح لا تريد تكرار تلك التجربة. لكن رفض الحرب وحده لا يكفي لمنع وقوعها."

وأوضح: "الجمع بين القوة المسلحة والنفوذ داخل البرلمان والحكومة يخل بالتوازن السياسي ويقوض المنافسة الديمقراطية. والمشكلة أن بعض الجماعات تشارك في العمل السياسي مع احتفاظها بقوات مسلحة قادرة على الضغط على خصومها والتحرك خارج مؤسسات الدولة. ودخول البرلمان ينبغي أن يعني الخضوع لسلطة القانون، لا الحصول على غطاء سياسي يحمي السلاح."

وحذر من أن "ارتباط بعض الفصائل بإيران وتحركها وفق مصالح إقليمية يعرضان العراق لخطر الانجرار إلى حروب لا يملك مواطنوه أي سلطة على قرار خوضها."

وأشار ديلان إلى أن استمرار حرمان سكان بعض المناطق من العودة إلى ديارهم، ولا سيما في جرف الصخر، يشكل اختبارا حقيقيا لسلطة الدولة.

وقال: "لا يمكن الحديث عن استقرار دائم ما دامت هناك عائلات عاجزة عن العودة إلى منازلها، بعد سنوات طويلة من فقدان تنظيم (داعش) السيطرة على مناطقها. وينبغي معالجة المخاوف الأمنية من خلال تطبيق القانون والمساءلة الفردية، بدلا من حرمان مجتمع بأكمله من حق العودة."

"حزام بغداد" مخاوف من نفوذ الميليشيات و"أياد خفية"

قال رجل في الأربعينات من عمره، ينتمي إلى عشيرة المشاهدة في بلدة الطارمية الواقعة على المشارف الشمالية للعاصمة العراقية، ضمن المنطقة المعروفة بـ"حزام بغداد"، لـ"المجلة" في 19 أكتوبر/تشرين الأول، إن "هناك اتجاهين في أوساط السنّة". وفضّل الرجل عدم الكشف عن اسمه لدواع أمنية.

السكان اليوم منشغلون بالاستقرار وإعادة الإعمار والتطلع إلى المستقبل، ولا يرغبون في العودة إلى صراعات الماضي

وأوضح: "ترى الغالبية أن انسحاب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة خطوة تكتيكية، وتتوقع أن تعقبه ضربة قوية للميليشيات." وأضاف أن أصحاب هذا الاتجاه يأملون في "إقامة علاقات دبلوماسية تصون حقوق الطرفين، وتشكل حصنا في مواجهة النفوذ الإيراني."

وتابع: "أما الاتجاه الآخر، الذي يمثله بعض السياسيين وأنصارهم، وهم أقلية داخل المجتمع السنّي، فيرى أن النفوذ الأميركي لم يعد ذا شأن، وأن الأميركيين غير قادرين على تفكيك الميليشيات أو الحد من قوتها."

وأضاف: "لذلك يدعو أصحاب هذا الرأي إلى التعاون مع الأذرع السياسية للميليشيات، للتكيف مع الواقع القائم وتحقيق مكاسب مادية والحيلولة دون انفراد تلك الميليشيات بالساحة. كما يحرصون على الحفاظ على علاقات جيدة معها لضمان حصتهم من الثروات المتقاسمة."

وعن الأوضاع في الطارمية، قال: "الوضع الأمني مستقر نسبيا، لكنه لا يزال خاضعا لنفوذ الميليشيات، وفي مقدمتها حركة (حزب الله النجباء). وقد عانى السكان من الاضطهاد والهيمنة الاقتصادية نتيجة هذا النفوذ، إذ استولت الميليشيات على أراض لإقامة مراكز اقتصادية تابعة لها، وتواصل ابتزاز الأهالي وفرض الإتاوات عليهم."

واستشهد بقضية مقتل صفاء المشهداني، قائلا: "حتى اليوم، لا يزال مصير المتورطين في قتل صفاء المشهداني مجهولا، بسبب ضلوع الميليشيات في القضية تحديدا. وفي البداية، ساد شيء من الأمل عندما تولى علي الزيدي رئاسة الوزراء، وتحدث عن ملاحقة الفاسدين وحدد مهلة لتسليم السلاح."

Shelly Kittleson
يقف شيخ من قبيلة المشهداني عند مدخل ديوانه، حيث يظهر خارج الديوان ملصق لـ "الشهداء" الذين قُتلوا على يد تنظيم "داعش" في البلدة الواقعة شمال بغداد. الطارمية، العراق 20 مارس 2023

واستدرك: "لكن بعد تمديد تلك المهلة، أصبح واضحا للجميع أن تفكيك الميليشيات أو نزع سلاحها لن يتحقق من دون دعم أميركي وإرادة أميركية حازمة تدفع الحكومة العراقية إلى التحرك."

ومن بين جميع أبناء المجتمع العربي السنّي الذين تحدثت إليهم "المجلة"، كان هذا الرجل من حزام بغداد أشدهم تخوفا من احتمال عودة تنظيم "داعش"، أو جماعات مشابهة، إلى شن هجمات في المستقبل.

وقال: "لن تكون هذه الهجمات بحجم ما شهدناه عام 2014، وإنما ستقتصر على عمليات محدودة تنفذها خلايا صغيرة تتبع أسلوب الكر والفر، وتستهدف أشخاصا سبق أن قاتلوا التنظيم". وأشار إلى أن "كثيرا من الشبان الذين يعانون القمع على أيدي الحكومة والميليشيات لا يزالون عاطلين عن العمل ويعيشون في فقر مدقع."

وفي معرض حديثه عن الطارمية وحزام بغداد، قال الشيخ مروان الجبارة، المتحدث باسم مجلس عشائر صلاح الدين، لـ"المجلة": "هناك أياد خفية تسعى إلى تحويل الطارمية إلى بؤرة توتر، لتهيئة الظروف أمام بعض الميليشيات لتوسيع نفوذها والاستيلاء على أراضي السكان وبساتينهم، وبسط سيطرتها على المناطق الواقعة شمال بغداد."

وأضاف: "من المؤكد أن تنظيم داعش الإرهابي لم يعد قادرا على العودة، لكن يمكن استغلال فلوله المتفرقة، أو حتى مجرد اسمه، لتشويه صورة مناطق بعينها في العراق. لقد تجاوزت المناطق ذات الغالبية السنّية مرحلة الإرهاب، ويرفض المجتمع السنّي رفضا قاطعا أي وجود لتنظيم داعش."

إشادة بتحسن الأوضاع في الموصل

قال أحد أبناء عشيرة شمر، وهي من كبريات العشائر العراقية، في محافظة نينوى، لـ"المجلة": "الأوضاع في نينوى، وفي أوساط المجتمع السنّي عموما، مستقرة ومطمئنة نسبيا في الوقت الراهن. ويشعر كثير من السكان بمزيد من الأمن والارتياح بفضل وجود الجيش العراقي والقوات الأمنية والحشد العشائري السنّي، وما تؤديه هذه القوات من دور إيجابي في الحفاظ على الأمن والاستقرار المحلي."

وأضاف الرجل، الذي خدم في الأجهزة الأمنية العراقية لأكثر من عشر سنوات، وفضّل عدم الكشف عن اسمه: "أما المخاوف المتعلقة بالصراع الطائفي أو بتنظيم (داعش)، فإن السكان اليوم منشغلون بالاستقرار وإعادة الإعمار والتطلع إلى المستقبل، ولا يرغبون في العودة إلى صراعات الماضي."

ووصف العلاقة مع الفصائل المسلحة ذات القيادة الشيعية بأنها "معقدة".

ألقت التحولات الإقليمية، ومنها التطورات في سوريا واتساع النفوذ الإيراني، بظلال ثقيلة على العراق

وأوضح: "لا شك في أن هذه الفصائل احتفظت بنفوذ أمني واقتصادي في المناطق المحررة من (داعش)، غير أن القيادات السنّية المحلية ومؤسسات الدولة تواصل جهودها لإعادة التوازن وترسيخ سلطة المؤسسات المدنية. أما مستقبل الانقسام الطائفي بعد الانسحاب الأميركي، فيعتمد إلى حد كبير على أداء الدولة العراقية. فإذا طبقت الحكومة القانون بعدالة وأولت الاستقرار ما يستحقه من اهتمام، فسيكون بوسع الناس تجاوز هذه الانقسامات."

وأكد أن "الحكومة المحلية والأجهزة الأمنية التابعة للدولة تتمتع اليوم بحضور قوي في وسط نينوى ومدينة الموصل، مركز المحافظة"، مضيفا أن "السكان يلمسون استقرارا فعليا، وتحسنا في أداء الشرطة المحلية، وعودة الحياة والحركة إلى المدينة."

التحولات الإقليمية تلقي بظلالها على العراق

وفي إجابته على سؤال حول أسباب ترك بعض الشبان وظائفهم في الشرطة بمحافظة صلاح الدين والانضمام إلى قوات الحشد العشائري خلال الحرب على تنظيم "داعش" بين عامي 2014 و2017، قال الشيخ مروان الجبارة: "كان بعضهم يرى في الانضمام إلى التشكيلات العشائرية السنّية المنضوية تحت مظلة (الحشد الشعبي) وسيلة لاكتساب القوة اللازمة لحماية مناطقهم."

وكان عدد من هؤلاء الشبان قد أبلغوا مراسلة "المجلة"، خلال مقابلات ميدانية أجرتها معهم آنذاك، أنهم اتخذوا هذا القرار لما وفره لهم من حرية أكبر في الحركة.

Shelly Kittleson
شرطي في الموصل، العراق. 9 يونيو 2023

وأضاف الجبارة: "ساهم ذلك أيضا في سد فراغ أمني كان من المرجح أن تملأه فصائل شيعية وثيقة الصلة بإيران لولا تدخل تلك التشكيلات. ومع ذلك، لا تتمتع الألوية والأفواج السنّية داخل (الحشد الشعبي) بالامتيازات نفسها التي تحظى بها التشكيلات الشيعية، كما أنها أقل عددا وتسليحا. ويثير هذا التفاوت لدى البعض شعورا بانعدام الثقة، وكأن هناك ترددا في تمكين السنّة من امتلاك قوة عسكرية حقيقية."

وقال الجبارة لـ"المجلة": "أعتقد أن الشبان السنّة قبل عشر سنوات كانوا يبحثون عن أسرع السبل لتحرير مناطقهم من قبضة تنظيم (داعش) الإرهابي. أما اليوم، فقد تغير المزاج العام، وأصبحوا يتطلعون إلى دولة مستقرة ذات مؤسسات فاعلة. وقد ألقت التحولات الإقليمية، ومنها التطورات في سوريا واتساع النفوذ الإيراني، بظلال ثقيلة على العراق."

وأضاف: "تحول المزاج الشعبي من التأييد المطلق للقوات غير النظامية إلى تأييد محدود ومشروط. أما الذين يواصلون دعم هذه القوات اليوم، فهم المستفيدون من القوى المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، التي تهيمن حاليا على صنع القرار في العراق."

من جانبه، شدد محمد ديلان على ضرورة عدم اختزال القضية في صراع مذهبي، قائلا لـ"المجلة": "من المهم أن لا تُقدَّم هذه القضية على أنها خلاف بين السنّة والشيعة. فمعارضة الميليشيات تعني رفض السلاح الخارج عن سلطة القانون، ولا تعني معاداة أي مكوّن من مكونات الشعب العراقي. ويتطلب السلام وجود دولة تعامل الجميع على قدم المساواة، ولا تجعل من هوية الإنسان سببا للاشتباه فيه أو لتقييد حقوقه."

font change

مقالات ذات صلة