لم يعد الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا حول ميناء عصب مجرد نزاع بشأن استخدام منشأة بحرية أو تأمين منفذ للتجارة الدولية، بل أصبح تعبيراً عن تناقض بنيوي بين دولتين خرجتا من تجربة تاريخية مشتركة، لكنهما انتهتا إلى تصورين متعارضين لمعنى السيادة، والأمن، والحدود، والدولة.
فبالنسبة لإثيوبيا، يمثل ميناء عصب فقداناً تاريخياً للوصول المباشر إلى البحر، وهو ما تحول مع النمو السكاني والاقتصادي إلى مصدر قلق استراتيجي. وبالنسبة لإريتريا، يمثل الميناء جزءاً من السيادة الوطنية التي تحققت بعد حرب استقلال طويلة، وليس أصلاً اقتصادياً يمكن فصله عن استقلال الدولة نفسها. وتزداد خطورة هذا التناقض، حين تتداخل المصالح الاقتصادية مع صراعات السلطة الداخلية وشبكات التحالفات الإقليمية والتدخلات الخارجية، في منطقة تعاني أصلاً من تآكل مؤسسات الدولة واستمرار النزاعات المسلحة.
تعود الجذور الحديثة لهذه المعضلة إلى التوسع الاستعماري الإيطالي في القرن التاسع عشر. فقد بدأت السيطرة الإيطالية على عصب عام 1869، عبر شركة الملاحة روباتينو التي تحصلت على حق إدارة الميناء من السلطات المحلية، قبل أن تنتقل هذه الإدارة إلى الدولة الإيطالية عام 1882، ويصبح الميناء جزءاً من مستعمرة إريتريا الإيطالية التي أُعلنت عام 1890. وجاء هذا التوسع في سياق افتتاح قناة السويس سنة 1869، وتزايد التنافس الأوروبي على الموانئ، والممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر.
فقدت إيطاليا السيطرة على شرق أفريقيا، وانتقلت إدارة عصب- بل إريتريا كلها- إلى الاحتلال البريطاني في عام 1941، ثم أصبح موضوع إدارتها محلاً للمداولات الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى 2 ديسمبر/كانون الأول 1950، عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 390 الذي أوصى بإقامة اتحاد فيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا، ودخل هذا الترتيب حيز التنفيذ عام 1952.

جمعت هذه الترتيبات بين مبدأين:
الاعتراف بالحاجة المشروعة لإثيوبيا إلى وصول كافٍ إلى البحر.
منح إريتريا حكماً ذاتياً بمؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية في الشؤون الداخلية، ضمن اتحاد فيدرالي تحت سيادة التاج الإثيوبي.
لم يمنح القرار إثيوبيا ملكية أبدية منفصلة لميناء عصب، لكنه لم يكن أيضاً مجرد اتفاق تجاري بين دولتين مستقلتين، بل أنشأ اتحاداً ذا سيادة اتحادية، واختصاصات محددة، وحكم ذاتي إريتري. وهذه الدقة القانونية ضرورية عند تقييم الروايات المتعارضة فيما يخص القضية اليوم.


