الاحتجاجات الفرنسية... حصان طروادة اليميني المتطرّف

الاحتجاجات الفرنسية... حصان طروادة اليميني المتطرّف

استمع إلى المقال دقيقة

منذ اليوم الأول للاحتجاجات التي عمّت المدن الفرنسية، يحاول اليمين الفرنسي المتطرّف تسييس شكل الاحتجاج وتنميط المحتجين، فادّعى أن الاحتجاجات مؤامرة حبكها وينفذها اليسار الفرنسي والمهاجرون، ووصف المحتجين بأنهم أجانب وغزاة ويعكسون تنامي نفوذ الإسلاميين في فرنسا.

من خلال تعليقات مسؤوليه، لا يبدو اليمين الفرنسي المتطرّف مهتماً بتشريح جذور الأزمة الاجتماعية التي جرّت أكثر من 500 ألف فرنسي إلى الشارع، بقدر ما هو مهتم باستخدام أصول بعض المحتجين كمعيار لتشويه حركة الاحتجاجات.

فمن جهة، نفى أن تكون الاحتجاجات تعبيرا عن مطالب اجتماعية، ومن جهة أخرى، لم يرَ فيها سوى مهاجرين خرجوا من أحياء فقيرة، وبالتالي حكم عليها بأنها مواجهة بين الدخلاء والأصلاء وتهديد للهوية الفرنسية.

لكن، ليس اليمين المتطرّف وحده من يسوّق لهذه الفكرة، فبعض الإعلام الفرنسي المحافظ شكّك باكرا في "نقاء" الحراك الطلابي، وزعمت تقارير صحافية أن "الطلاب المسلمين" في فرنسا خرقوا صفوف الاحتجاجات.

الحكومة الفرنسية من جهتها، ألمحت إلى دور لتيار اليسار الرديكالي وحزب "فرنسا الأبية" بالذات؛ اللذين ينتهجان سياسة تساهل مع المهاجرين، في التحريض على أعمال العنف والشغب، برغم حرصها على عدم اتهام المهاجرين بالضلوع في التخريب بشكل مباشر.

فقد حمّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "جماعات صغيرة من أقصى اليسار" إضافة إلى "مكسّرين" مسؤولية العنف والشغب في الشوارع، أما وزير التربية إدوارد جيفري فرأى أن الاحتجاجات لم تعد مجرد حركة طلابية، بل تحولت إلى حركة "عنف حضري".

يشكّل الإصرار على تشويه الاحتجاجات بالنسبة إلى اليمين الفرنسي المتطرّف، حصان طروادة الذي سيخترق به أسوار الانتخابات الرئاسية في مايو 2027، ولو كان ذلك على حساب قيم الجمهورية الفرنسية الخامسة

خارج فرنسا، يتجاهل اليمين الشعبوي والقومي في أوروبا والولايات المتحدة بدوره، الأسباب الموضوعية التي أشعلت فتيل الاحتجاجات الفرنسية. هو أساسا لا يرى في المهاجرين سوى مجموعات بشرية مستوردة تسعى إلى تخريب أوروبا والحضارة الغربية، ومع تصاعد العنف وانتشار فيديوهات الحرق والنهب والتكسير في المدن الفرنسية، تحوّلت هذه المشاهد إلى "أدوات توكيد" لخطابه الفوقي والعنصري، فظهرت تصريحات من قبيل أن هذه الاحتجاجات ظاهرها مطلبي، لكن غايتها هي سيطرة الإسلام على فرنسا.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أوائل المسؤولين الذين ربطوا الاحتجاجات الفرنسية بقضايا الهجرة وبالمسلمين، وزعم أن تدفّق المهاجرين قد دمّر فرنسا، ودعا ماكرون إلى إغلاق حدوده.

بينما اتهم نائبه جيه دي فانس عبر منصة "إكس" الأحزاب الليبرالية الأوروبية باستيراد مهاجرين من العالم الثالث تحت شعار التنوّع والتعاطف، دون التفكير بالعواقب الاجتماعية والثقافية لهذا السلوك، وحذّر من مستقبل مماثل قد ينتظر الولايات المتحدة.

وفي حين ظهر على شاشة شبكة "نيو ماكس" الأميركية المحافظة فيديو لأعمال عنف من باريس كُتب تحته مقديشيو (ادّعت لاحقا أنه خطأ بالطباعة)، تخطّت قناة "فوكس نيوز" حدود التعليق المعقول على الاحتجاجات، بعدما وصفتها بأنها نتيجة تحالف "الأحمر والأخضر"، في إشارة إلى أحزاب اليسار والجماعات الشيوعية والمسلمين المهاجرين، باعتبار أنهم يشتركون تاريخيا في معاداة الغرب وثقافته.

اليمين الإسرائيلي لم يكن بمنأى عن هذه التصنيفات، فزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حركة "حماس" أصبحت موجودة في باريس وتقف وراء التحريض والعنف والاضطرابات التي تشهدها فرنسا.

ربما يسعى اليمين الفرنسي المتطرّف إلى شيطنة الاحتجاجات ليحقق أهدافا سياسية وطموحات انتخابية، لكنه حين يقفز عن حقيقة كونها بدأت كاعتراض طلابي على أوضاع تربوية خاصة، ثم تطوّرت إلى غضب سياسي اجتماعي وطرحت أسئلة حقوقية وطنية، يصبح كمن يستجير من الرمضاء بالنار.

ذلك أن حصر النقاش حول دوافعها وأسبابها بقضايا الهجرة والعرق واللون والدين والطبقة الاجتماعية، يحرّف معناها السياسي، ويحوّلها من حراك حقوقي مطلبي إلى تحدٍ قومي وثقافي.

وهذا يستوجب قراءة مختلفة للمشهد. فإذا شكّلت مشاركة فرنسيين من أصول مهاجرة أو مسلمة في حراك مطلبي، استفزازا يستنهض مشاعر الإسلاموفوبيا والعنصرية وأمراضا اجتماعية وثقافية أخرى لدى حراس الفضيلة الفرنسيين، فإن ردة الفعل هذه، سوف تسمح عاجلا أو آجلا في التعامل مع أي حراك مطلبي كتحدٍ أمني وأزمة هوية، فتتعطّل عملية الإصلاح وتضيق مساحة النقاش السياسي.

وبحسب مهتمين بالاحتجاجات الفرنسية، يشكّل الإصرار على تشويه حركة الاحتجاجات بالنسبة إلى اليمين الفرنسي المتطرّف، حصان طروادة الذي سيخترق به أسوار الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2027، ولو كان ذلك على حساب قيم الأخوّة والحرية والمساواة التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية الخامسة.

font change