عشية "التجديد النصفي"... إلهان عمر تواجه حملة تجريدها من الجنسية الأميركية

اتهامات ضدها بتزييف وثائق التجنس والذمة المالية... وسلطات الهجرة تقتحم مسكنها في واشنطن وتصادر مقتنيات شخصية

رويترز
رويترز
النائبة الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي إلهان عمر (عن ولاية مينيسوتا) تتحدث لأنصارها عقب إعلان فوزها في الانتخابات التمهيدية للحزب، مينيابوليس، الولايات المتحدة، 13 أغسطس 2024

عشية "التجديد النصفي"... إلهان عمر تواجه حملة تجريدها من الجنسية الأميركية

أيام وتنطلق انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة (3 نوفمبر/تشرين الثاني) ومعها تتسارع وتتسع التحقيقات الفيدرالية التي تستهدف نائبة الكونغرس الديمقراطية إلهان عمر التي تواجه حملة ضارية من قبل الإدارة الجمهورية ترمي إلى تجريدها من جنسيتها الأميركية أو ربما على أقل تقدير التأثير على حظ ولاية مينيسوتا الانتخابية.

وتنصب التحقيقات على ما إذا كانت عمر ووالدها قد زيفا وثائق رسمية حصلا على أثرها على الجنسية بعد دخول الأراضي الأميركية كلاجئين هربا من الصراعات المسلحة في الصومال.

كما تخضع عمر لتحقيق آخر يتعلق باتهامات بتقديم بيان مزيف عن ذمتها المالية وهو الاتهام الذي سبق أن برأها منه تحقيق بالكونغرس.

دخلت عمر إلى الولايات المتحدة برفقة أسرتها عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، بعدما حصلت الأسرة على حق اللجوء. وبعد خمس سنوات، حصلت على الجنسية الأميركية في عام 2000.

وتدفع سلطات التحقيق بأن عمر تلاعبت في تاريخ ميلادها الذي دونته في أوراق الحصول علي الجنسية التي قدمها والدها نور عمر الذي كان مجندا بالجيش الأميركي حيث زعم حينها أنها كات في السابعة عشرة، ومن ثم يحق لها التجنس انتسابا إلى والدها. إلا أن السلطات تزعم أنها كانت في الثامنة عشرة، ومن ثم لم يكن لها الحق في الحصول على الجنسية تلقائيا اعتمادا على والدها بل كان ينبغي التقدم لها بشكل مستقل.

واستصدرت السلطات أمرا من المحكمة لاقتحام سكن نائبة مينيسوتا الديمقراطية في واشنطن العاصمة، حيث صادرت نحو 17 حرزا من بينها هواتف وحواسب شخصية وجواز سفر وصناديق مليئة بالأوراق.

وصرحت عمر في أول مقابلة تجريها بعد هذه المداهمة بأنها قررت إخلاء مسكنها في العاصمة الأميركية بعد أن عرف مكان إقامتها لاسيما في ظل تلقيها الكثير من التهديدات بالقتل والمضايقات من قبل عناصر من اليمين المتطرف والجمهوريين وخشيتها على أولادها الذين يزورونها من آن لآخر.

وتمثل هذه الحملة خرقاً للعرف الراسخ في وزارة العدل الأميركية، التي اعتادت تجنب القيام بملاحقات أو اتخاذ إجراءات قانونية بحق أي مرشح خلال الستين يومًا السابقة على الانتخابات. بيد أن الخروج عن الأعراف يكاد يكون السمة السائدة لحكم الرئيس ترمب الذي يجابه حزبه طوفانا ديمقراطيا في الانتخابات القادمة قد يكلفه خسارة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ.

رغم مقاومة نواب الحزب الجمهوري المستميتة لدعوات الديمقراطيين بالتحقيق في تضخم ثروات ترمب وأفراد عائلته، فإنهم ثاروا وطالبوا بالتحقيق في مصدر الطفرة المالية التي طرأت على إلهان عمر

وإذا ثبت الاتهام فسيتم نزع الجنسية الأميركية عن إلهان عمر وترحيلها من البلاد. وتواجه عمر هذه الحملة فيما تخوض الانتخابات في دائرتها بمينيسوتا وسط توقعات بنجاحها للدورة الخامسة على التوالي. ويضع الجمهوريون عينهم على مقعد مينيسوتا بمجلس الشيوخ الذي خلا بتقاعد الديمقراطية تينا سميث. فرغم سيطرة الديمقراطيين على مقاعد مينيسوتا بالمجلسين، إلا أن آمال الجمهوريين في انتزاع هذا المقعد انتعشت مع تزايد استياء الناخب المنيسوتي إزاء فضائح طالت بعض برامج الخدمات الاجتماعية التي كان يديرها الديمقراطيون هناك.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب شديد بين المرشحة الجمهورية ميشيل تافويا والمرشح الديمقراطي نائب حاكم الولاية بيغي فلاناغان مع تقدم متأرجح للأخير بما بين ثلاث إلى أربع نقاط.

ويعتقد الجمهوريون أنهم بحملتهم على إلهان عمر يمكن أن يؤثروا على حظوظ المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الذي حرصت المرشحة الجمهورية على وصمه كجزء من منظمومة الديمقراطيين الفاشلة في إدارة الولاية. إلا أن هجمات فلانيغان تركز على إبراز الصلات بين تافويا وكل من الرئيس ترمب والقوميين الجمهوريين، وهي من القضايا التي تثير مشاعر الناخبين في مينيسوتا التي تضم أكبر جالية للصوماليين في الولايات المتحدة. وقد تؤدي هذه الحملة على عمر إلى رد فعل عكسي من الناخبين بالولاية، لاسيما عند ذكر الرئيس ترمب الذي هوت نسبة شعبيته إلى أدنى مستوى حيث بلغت 37 في المئة على مستوى البلاد والولاية أيضا.

رويترز
النائبة الأميركية إلهان عمر عن الحزب الديمقراطي – مينيسوتا تشغّل تسجيلا لبريد صوتي يتضمن رسالة معادية للمسلمين قالت إنها تلقتها من شخص مجهول، في مبنى الكابيتول بواشنطن، الولايات المتحدة، 30 نوفمبر 2021

ووفقا لمكتب الإحصاء الأميركي الرسمي، يعيش في مينيسوتا 84 ألفا من إجمالي 260 ألف شخص من أصول صومالية في الولايات المتحدة، أغلبهم يحملون الجنسية الأميركية، ولد 58 في المئة منهم على الأراضي الأميركية.

وتتهم عمر الرئيس ترمب بالسعي للانتقام منها سياسيا بسبب انتقاداتها الجريئة لسياساته وتصريحاته منذ عام 2019.

كما تواجه عمر مزاعم بأنها تزوجت من أخيها أحمد نور سعيد علمي عام 2009 لمساعدته على الحصول على الجنسية الأميركية، وهو ما وصفته عمر بالإشاعات السخيفة والمغرضة. ولم تتوفر أية أدلة على أن علمي الذي طلقت منه عام 2017 هو أخوها.

ورفضت عمر على لسان المتحدثة باسمها هذا الادعاء بشدة، واعتبرته جزءا من نظريات التآمر الباطلة والمقززة ضدها و"محاولة يائسة لتشويه سمعتها  لصرف الأنظار عن فشل رئاسة ترمب وعن عامين من الإخفاق الجمهوري في الكونغرس".

بيد أن صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن محققين سابقين أن تحقيقات أجريت إبان ولاية الرئيس باراك أوباما عام 2016 وجدت بعض الأدلة التي تثبت ذلك إلا أنه تم التغاضي عنها لمرور أكثر من خمس سنوات على الواقعة. وقد تشكل هذه التهمة جناية مدنية لا تستوجب الترحيل.

كما برأت لجنة القيم المؤلفة من أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي عمر من شبهة الإثراء المفاجئ في السنة المالية الأخيرة. وصوتت بأغلبية ساحقة برفض جميع المزاعم ضدها. وأوضحت عمر في بيانات الذمة المالية أن ثروتها زادت بعد ضم أصولها إلى أصول زوجها المليونير الذي يعمل في مجال استثمار رأس المال، بالإضافة إلى خطأ في الإفصاح الأول من قبل المحاسب المالي.

ورغم مقاومة نواب الحزب الجمهوري المستميتة لدعوات الديمقراطيين بالتحقيق في تضخم ثروات ترمب وأفراد عائلته، فإنهم ثاروا وطالبوا بالتحقيق في مصدر الطفرة المالية التي طرأت على عمر. وزاد ترمب متهما عمر بالتربح غير الشرعي من أنظمة الخدمات الاجتماعية في مينيسوتا، وهو ما نفته عمر بشدة. وأكد مكتب المحاسبة والرقابة بالكونغرس براءة عمر من أي مزاعم بالتربح أو التضخم غير الشرعي لثروتها، فيما اتهمت عمر الرئيس ترمب وبعض الجمهوريين باستهدافها سياسيا.

مواقف القيادة الديمقراطية انزوت واقتصرت على بيان صدر على استحياء من جانب الرئيس الأسبق باراك أوباما بعد ستة أيام من المداهمة لسكن عمر وصف فيه تصرفات إدارة ترمب بالمروعة

وقد أعلنت عمر تحديها لما أسمته بمحاولات الترهيب التي يمارسها ترمب وإدارته من خلال وزارة العدل التي قالت إنه حولها إلى سلاح ضد خصومه السياسيين، مؤكدة أن هذه المحاولات لن ترهبها ولن تسكتها. وأردفت أن ترمب ظل على مدى 10 سنوات يستهدفها بأكاذيب لا أساس لها وحملات تشويه لا تنتهي وأن هذه أحدث حلقة في هذا المسلسل.

وأصدرت السلطات أكثر من 12 أمر استدعاء في هذه القضية من بينهم أقارب لعمر. وأشارت وسائل إعلام يمينية إلى أن المحققين الفيدراليين حصلوا على عينات من الحمض النووي (DNA) الخاص بعمر لتحليلها كجزء من التحقيقات الجارية.

وكرر ترمب هجومه على الأميركيين من أصول صومالية ونعتهم بالمجرمين والقتلة والإرهابيين "الذين جاءوا من بلاد تعمها الفوضى والإجرام ليعلموا الأميركيين كيف يحكمون".

ونأى ترمب بنفسه عن عملية المداهمة التي نفذتها قوة من سلطات الهجرة والجمارك. وقال: "إنها شخص بشع، لكن لا علاقة لي بهذا الأمر إذ إنه يخص وزارة العدل".

ويحول الدستور الأميركي دون نزع الجنسية عن أي مواطن مولود بالولايات المتحدة لكنه يتيح تجريد المتجنسين بالطرق الأخرى في عدة حالات منها التلاعب في الأوراق المؤهلة للجنسية أو إخفاء ارتكاب جرائم أو العمل مع منظمات إرهابية أو محظورة في الولايات المتحدة.

كما لم يسجل التاريخ الأميركي أي سابقة في نزع الجنسية عن عضو بالكونغرس. وحتى لو باتت جنسية عمر على المحك، فإن ذلك سيمر بإجراءات قانونية طويلة بما يعني أنه لن يكون هناك عملية ترحيل قبل نهاية الانتخابات النصفية بأي حال. 

وكانت المحكمة العليا الأميركية قد قضت في سابقة عام 1967 بأن الجنسية حق أصيل كفله التعديل الرابع عشر للدستور ولا يمكن نزعها عن أي مواطن من قبل الحكومة إلا في حالات بعينها تتعلق بالاحتيال في الحصول عليها أو دخول المتجنس إلى البلاد بشكل غير شرعي.

كما أن تجريد مشرع من جنسيته سيواجه تحديات قانونية ودستورية كبيرة تتعلق بالفصل بين السلطات وبسلطة الكونغرس في القيام بذلك.

إلا أن مواقف القيادة الديمقراطية انزوت واقتصرت على بيان صدر على استحياء من جانب الرئيس الأسبق باراك أوباما بعد ستة أيام من المداهمة لسكن عمر وصف فيه تصرفات إدارة ترمب بالمروعة. وقال أوباما: "إن الإدارة الفيدرالية ألقت بثقلها في ملاحقة نائبة منتخبة تحترم القانون لمجرد أنها تجرأت على انتقاد الرئيس".

إلهان عمر أول أميركية صومالية مسلمة تحصل على عضوية مجلس نواب منيسوتا عام 2016 ممثلة عن الدائرة "B60" حيث تقيم منذ 20 عاما. وفي عام 2018 أصبحت أول لاجئة أفريقية تنتخب عضوا بالكونغرس الأميركي

وحذر أوباما من أن الديمقراطيين ربما يفعلون الشيء نفسه إذا تولوا الحكم. ولزم باقي قادة الحزب الصمت المريب، إذ توارى زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ تشاك شومر وزعيمهم بمجلس النواب حكيم جيفريز ونائبة الرئيس السابقة كمالا هاريس والمرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون ولم يسمع لهم صوت. وكان من الطبيعي أن تأتي أقوى الأصوات دفاعا عن عمر من مجموعة التقدميين، وفي مقدمتهم السيناتور بيرني ساندرز ونائبة نيويورك ألكساندريا أوكاشيو كورتيز، ونائبة ميشيغن رشيدة طليب وعمدة نيويورك زهران ممداني.

وخرجت السيناتورة إيمي كلوبوشار، التي تخوض السباق على منصب حاكم مينيسوتا، بتصريح هزيل تساءلت فيه عن سر توقيت الحملة على عمر دون أن تعرب عن ثقتها في براءتها. ودعا بعض المعلقين قيادات الحزب إلى عقد مؤتمرات صحافية ومسيرات للتعبير عن مؤازرتهم لعمر والمطالبة بالكف عن هذه الممارسات اليمينية المعادية للإسلام والمسلمين.

رويترز
تجمع لأنصار النائبة الديمقراطية إلهان عمر عقب مداهمة السلطات الفيدرالية لمنزلها في منطقة واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 12 أكتوبر 2026

ويبدو أن مواقف عمر من القضايا الشرق أوسطية، مثل دعمها للقضية الفلسطينية وانتقادها الدائم لإسرائيل ومطالبتها بوقف الدعم العسكري لها، ودعوتها إلى إدارة الهجرة والجوازات واستبدالها بقوات لتأمين وأمن المجتمعات، وإنشاء نظام للتأمين الصحي الشامل، إلى جانب كونها عضوا نشطا بمجموعة التقدميين وواحدة من عضوتين مسلمتين بالكونغرس، قد جعلها واحدة من المشاغبين الذين ينظر إليهم قيادات الحزب كعبء سياسي ومصدر لخسارة دعم اللوبيات الصهيونية للحزب.

ومن ثم أصبحت عمر، في نظر الحرس القديم للحزب، بمثابة عقبة أمام طموحات استرداد السلطة، لاسيما مع التخوف من تمكن سلطات التحقيق من العثور على أدلة تدينها أو أي من أفراد عائلتها بانتهاك القانون، وهو ما يمكن أن يعرض الديمقراطيين للحرج.

وأصبحت إلهان عمر أول أميركية صومالية مسلمة تحصل على عضوية مجلس نواب مينيسوتا عام 2016 ممثلة عن الدائرة "B60" حيث تقيم منذ 20 عاما. وفي عام 2018 أصبحت أول لاجئة أفريقية تنتخب عضوا بالكونغرس الأميركي وأول سيدة ملونة تمثل مينيسوتا وثاني امرأة مسلمة تنتخب لعضوية النواب. ورغم الأموال الطائلة التي أنفقت من قبل اللوبيات الصهيونية، تمكنت عمر من الفوز في أربع انتخابات لعضوية الكونغرس فيما تخوض السباق مجددا للحصول على ولاية خامسة وسط توقعات بفوزها.

font change

مقالات ذات صلة