الفيديرالي الأميركي يغيّر قواعد اللعبة… اجتماعات أقل وتضخم عنيد وأسواق قلقة

معادلة نقدية معقدة قد تمتد تداعياتها إلى الأسواق العالمية ودول الخليج

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش يتحدث خلال مؤتمر صحفي أعقب قرار لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بشأن أسعار الفائدة، في واشنطن العاصمة، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026

الفيديرالي الأميركي يغيّر قواعد اللعبة… اجتماعات أقل وتضخم عنيد وأسواق قلقة

في اجتماعه السابق الذي انعقد في 16 سبتمبر/أيلول الماضي، رفع الاحتياطي الفيديرالي الأميركي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات، في إشارة إلى أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد. لكن اجتماع البارحة حمل مفارقة مختلفة إذ لفت إلى أن الاقتصاد الأميركي يزداد قوة، في حين أن الأسعار لا تتراجع بالقدر المطلوب. ففضّل البنك المركزي التريث بدلا من مواصلة التشديد فورا. وبينما كان تثبيت الفائدة متوقعا، لم يبدد القرار مخاوف الأسواق، إذ إنه نقل التوتر إلى سوق السندات، فارتفعت عوائد الآجال الطويلة وسط مخاوف من استمرار التضخم وتزايد تكلفة الدين الأميركي.

تثبيت سعر الفائدة في مقابل استمرار التضخم العنيد

أبقى مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأربعاء، مفضلا التريث في اتخاذ أي قرار جديد في شأن تكاليف الاقتراض إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة الأسبوع المقبل في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، في انتظار مزيد من البيانات في شأن التضخم الذي وصفه البنك المركزي بأنه "لا يزال مرتفعا".

إلا أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي كيفن وارش أكد أن الاعتبارات السياسية لم تؤثر في قرار البنك المركزي. وأضاف: "أمضيت يومين مع زملائي في الطابق العلوي، ولم أسمع كلمة واحدة عن السياسة، ولم أسمع أي إشارة إلى السياسة أو الانتخابات أو ما سيحدث خلال الأسبوع المقبل أو نحو ذلك"، في إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وجاء قرار تثبيت الفائدة بغالبية 10 أصوات مقابل صوتين، لإبقاء سعر الفائدة المرجعي ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 في المئة و4 في المئة، بالتزامن مع تحسين تقييم البنك المركزي لأداء الاقتصاد، الذي قال إنه ينمو "بوتيرة قوية". وأبدى رئيس الاحتياطي الفيديرالي ثقته بإمكان خفض التضخم من 3.7 في المئة حسب مؤشر أسعار المستهلكين الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي في 14 أكتوبر/تشرين الأول إلى مستهدفه البالغ 2 في المئة دون الاضطرار إلى إبطاء النمو الاقتصادي أو زيادة البطالة.

التغيرات في الإنتاجية، التي بدأت قبل طفرة الذكاء الاصطناعي، قد تتيح للاقتصاد الأميركي تحقيق معدلات نمو أعلى دون التسبب في زيادة مماثلة في التضخم

كيفين وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي

وقال وارش، خلال مؤتمر صحافي أعقب اجتماع السياسة النقدية الذي استمر يومين، إنه يتوقع أن تُظهر بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، المقرر صدورها اليوم (29 أكتوبر/تشرين الأول)، قوة الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي وتسارع النمو، مقارنة بالنصف الأول من العام. لكنه أشار إلى أنه لا يرى أن الاقتصاد ينمو بوتيرة مفرطة أو يولّد ضغوطا تضخمية ناتجة من الطلب تستدعي كبحه.

وأضاف أن التغيرات في الإنتاجية، التي بدأت قبل طفرة الذكاء الاصطناعي، قد تتيح للاقتصاد الأميركي تحقيق معدلات نمو أعلى دون التسبب في زيادة مماثلة في التضخم. وقال إن الهدف ليس "عرقلة حركة الاقتصاد ودفع الناس إلى البطالة"، مؤكدا اعتقاده بأن تحقيق مستهدف التضخم لا يتطلب بالضرورة هذه التكلفة الاقتصادية.

أ.ف.ب
أحد الأشخاص يتسوق في متجر للبقالة في ميامي، فلوريدا، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026

وأوضح وارش أن أسعار الفائدة المرتفعة بدأت تُظهر أثرها في تشديد شروط الائتمان، بما قد يحد من استثمارات الشركات. كما أشار إلى أن تراجعات سوق الأسهم الأخيرة قد تسهم في تهدئة التضخم إذا أدت إلى تقليص الإنفاق لدى الأسر الأكثر ثراءً. في المقابل، عكست أحدث بيانات لجنة السوق المفتوحة الفيديرالية استمرار المخاوف من الضغوط التضخمية، مع احتمال الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي. ويخشى بعض مسؤولي الاحتياطي الفيديرالي أن يؤدي الطلب القوي، المدعوم بالإنفاق الاستهلاكي ونشاط الذكاء الاصطناعي، إلى دفع الأسعار نحو مزيد من الارتفاع.

وقال وارش إن تجميع مزيد من البيانات حتى الاجتماع المقبل في ديسمبر/كانون الأول سيساعد اللجنة في تحديد المسار المناسب للسياسة النقدية لضمان عودة التضخم إلى مستهدفه الأساس.

في المقابل، اعتبر أندرو هولنخورست، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى "سيتي غروب" أن الاقتصاد قد يكون أضعف مما يعتقد الفيديرالي. ورأى هولنخورست أن وارش يبالغ في تقدير مدى انتشار القوة الاقتصادية بين قطاعات الاقتصاد الأميركي، مضيفا أن ذلك قد يجعل البنك المركزي أكثر عرضة للمفاجآت الاقتصادية السلبية. وقال إن وارش "يبالغ في تقدير اتساع نطاق القوة في الاقتصاد الأميركي، نما يعني أنه قد يحتاج إلى قدر محدود نسبيا من الأخبار السلبية حتى تتغير الصورة المتفائلة".

جاء القرار على الرغم من استمرار الضغوط التضخمية، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، ولا سيما الديزل الذي يشكل مدخلا أساسيا لقطاعات النقل والزراعة والصناعات الأخرى

 أما برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين لدى "أنيكس لإدارة الأصول" (Annex Wealth Management) فشكك في التقييم المتفائل الذي قدمه الفيديرالي للاقتصاد، متسائلا عن المؤشرات التي استند إليها البنك لرفع تقييمه من "نمو متين" إلى "نمو قوي". وأشار إلى أن متوسط مكاسب الوظائف الأسبوعية وفق بيانات شركة المعالجة الآلية للبيانات (ADP)، وهي شركة أميركية متخصصة في خدمات الرواتب وإدارة الموارد البشرية، وتصدر تقريرا دوريا عن التوظيف في القطاع الخاص الأميركي، اتجه إلى التراجع منذ اجتماع يوليو/تموز، كما لفت إلى تباطؤ توقعات النمو الصادرة عن نموذج "جي دي بي ناو" (GDPNow) التابع لبنك الاحتياطي الفيديرالي في أتلانتا.

معارضة داخل الفيديرالي

شهد الاجتماع معارضة عضوين في لجنة السياسة النقدية، إذ أيدت محافظة الاحتياطي الفيديرالي ليزا كوك، في أول مخالفة لها لقرار في شأن السياسة النقدية، رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. كما عارضت القرار بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيديرالي في كليفلاند، والمعروفة بمواقفها المتشددة، داعية بدورها إلى زيادة الفائدة.

رويترز
أحد المتداولين يعمل بينما تعرض الشاشات مؤتمرا صحافيا لرئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي كيفن وارش، نيويورك، الولايات المتحدة، 29 يوليو/تموز 2026

وجاء القرار على الرغم من استمرار الضغوط التضخمية، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، ولا سيما الديزل الذي يشكل مدخلا أساسيا لقطاعات النقل والزراعة والصناعات الأخرى. كما أظهرت بيانات التضخم الأخيرة ارتفاعا أكبر من المتوقع في أسعار المنتجين، مما عزز المخاوف من اتساع نطاق الضغوط السعرية في الاقتصاد. وتأتي هذه التطورات قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي ستحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، أم سيتمكن الديمقراطيون من تعزيز نفوذهم الرقابي. ويحتل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة موقعا محوريا في الحملات الانتخابية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد انتقد مرارا الاحتياطي الفيديرالي بسبب عدم خفض أسعار الفائدة بوتيرة أكبر، كما اتهم أعضاء في مجلسه باتخاذ مواقف "عدائية" و"حزبية" بعد قرار رفع الفائدة في سبتمبر/أيلول. لكن وارش أكد أن الاعتبارات السياسية لم يكن لها أي دور في قرار تثبيت الفائدة الأخير.

ماذا يعني تقليص عدد اجتماعات الفائدة؟

لعل من أبرز ما جاء في الاجتماع الأخير هو إعلان وارش تعديلا في طبيعة اجتماعات لجنة السوق المفتوحة الفيديرالية، بحيث يُخصص اجتماع واحد من الاجتماعات الثمانية السنوية في عام 2027 لمناقشة استراتيجيا السياسة النقدية على المدى الطويل، من دون تصويت على أسعار الفائدة أو إصدار بيان في شأن القرار، على أن يرتفع العدد إلى اجتماعين من هذا النوع في عام 2028، مقابل ستة اجتماعات لاتخاذ قرارات الفائدة. ولا يعني ذلك إلغاء الاجتماعات الدورية، إنما إعادة تخصيص بعضها لمناقشة القضايا الهيكلية التي تواجه البنك المركزي، وفق ما نقلته "رويترز" في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

لا تقتصر آثار قراراته على الاقتصاد الأميركي، إذ تؤثر في عوائد سندات الخزانة والدولار وتدفقات رؤوس الأموال وتكاليف التمويل عالميا، مما يجعل تحركات الفائدة الأميركية عاملا مؤثرا في قرارات المستثمرين والشركات والحكومات

ويأتي التغيير في وقت يواجه فيه الفيديرالي معادلة صعبة بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو والتوظيف، مما يثير تساؤلات في شأن مدى ملاءمة تقليص محطات التصويت على الفائدة في مرحلة تتسم بتقلب المؤشرات الاقتصادية. فمن جهة، قد يتيح تخصيص وقت أكبر للاستراتيجيا مراجعة أدوات السياسة النقدية وتحدياتها الطويلة الأجل، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى إطالة الفواصل بين قرارات الفائدة المجدولة، بما يزيد أهمية البيانات الاقتصادية وتصريحات مسؤولي البنك في توجيه توقعات الأسواق. ومع ذلك، يحتفظ الفيديرالي بإمكان عقد اجتماعات استثنائية واتخاذ قرارات بين الاجتماعات المجدولة إذا استدعت الظروف ذلك.

ارتفاع عوائد السندات الطويلة الأجل

ارتفعت عوائد السندات لبطويلة الأجل بعد تصريحات رئيس الاحتياطي الفيديرالي، واتسع الفارق بين عائدي السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى 34.1 نقطة أساس، في إشارة إلى زيادة الضغوط على آجال الاستحقاق الطويلة.

أ.ف.ب
مبنى بورصة نيويورك (NYSE) في مدينة نيويورك، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026

ويعكس هذا الاتجاه مخاوف تتجاوز قرارات الفائدة المباشرة، إذ قد يؤدي استمرار النمو القوي بالتزامن مع التضخم المرتفع إلى الحد من قدرة الفيديرالي على خفض الفائدة مستقبلا، فضلا عن زيادة تكاليف الاقتراض الحكومي الأميركي في ظل المخاوف المتعلقة بالعجز المالي. ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى لتعويض مخاطر الاحتفاظ بالسندات الطويلة الأجل، خصوصا مع تزايد عدم اليقين في شأن التضخم والاحتياجات التمويلية للحكومة. في المقابل، شكك بعض المحللين في التقييم المتفائل للفيديرالي، معتبرين أن مؤشرات سوق العمل وتوقعات النمو تشير إلى احتمال فقدان الاقتصاد بعض زخمه. وقد يجعل ذلك التوقعات الاقتصادية أكثر عرضة للمفاجآت السلبية، فيما تظل السندات الطويلة الأجل تحت ضغط المخاوف من التضخم واستدامة الدين العام.

لماذا تهم قرارات الفيديرالي العالم؟

يُعدّ الاحتياطي الفيديرالي البنك المركزي للولايات المتحدة، وتتمثل مهمته في إدارة السياسة النقدية بما يدعم هدفين رئيسين حددهما الكونغرس الأميركي، هما تحقيق أقصى مستوى من التوظيف واستقرار الأسعار، وهو ما يُعرف بـ"التفويض المزدوج". ويستخدم البنك أدوات نقدية، في مقدمتها تحديد النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيديرالية، للتأثير في تكاليف الاقتراض والائتمان والإنفاق والاستثمار، بما يساعد في احتواء التضخم ودعم النشاط الاقتصادي وسوق العمل. ويستهدف الفيديرالي تحقيق معدل تضخم يبلغ 2 في المئة على المدى الطويل، وفق التغير السنوي في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE).

ولا تقتصر آثار قراراته على الاقتصاد الأميركي، إذ تؤثر في عوائد سندات الخزانة والدولار وتدفقات رؤوس الأموال وتكاليف التمويل عالميا، مما يجعل تحركات الفائدة الأميركية عاملا مؤثرا في قرارات المستثمرين والشركات والحكومات. وتكتسب هذه القرارات أهمية خاصة لدول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار، إذ غالبا ما تدفعها هذه الروابط إلى مواءمة أسعار الفائدة المحلية مع التحركات الأميركية للحفاظ على استقرار أسعار الصرف، وإن اختلفت استجابة كل دولة وفق ظروفها الاقتصادية.

font change