في 9 سبتمبر/أيلول 2026، عاد الشاعر والمفكر السعودي محمد العلي إلى زاويته "وقوفا بها" في مجلة "اليمامة"، بعد انقطاع عن الكتابة فيها. واختار لمقال عودته عنوان "الصدأ". بدأ من يأس أثقلته مشاهد الحروب، حتى كاد يجد في الصمت مخرجا، ثم قرر استئناف الكتابة بسؤال عن "اللاشيء". لم يكن السؤال بعيدا عن حال الكاتب الذي يفتش عما يمكن للكلمات فعله حين تتزاحم الوقائع أمامه. وبعد أقل من سبعة أسابيع، في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، رحل عن 94 عاما. وبين عودته تلك وبداياته قبل عقود طويلة، لا تظهر حياة سارت في اتجاه واحد، بل تجربة تغيرت فيها أشكال القصيدة وبعض القناعات، بينما ظلت مسائل قديمة تعود إليه كلما ظن أنه ابتعد عنها.
الطريق الذي لم يختره
ولد محمد عبدالله العلي عام 1932 في العمران بالأحساء، وتعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب، وحفظ القرآن الكريم، وذهب مع والده إلى النجف وهو صغير ليدرس العلوم الدينية. كان الأب يريد له أن يصبح رجل دين، غير أن الابن اتجه إلى تعليم آخر، ودرس في العراق، حيث حصل على البكالوريوس من كلية الفقه عام 1962، ثم عاد إلى السعودية ليعمل في التعليم والصحافة.
روى بعد سنوات أن دعم أبيه انقطع حين غادر المسار الذي اختير له، فاضطر إلى العمل. واستمر يرتدي العمامة فترة بعد خروجه من الحوزة، قبل أن يخلعها لدى عودته إلى بلده. في هذا التفصيل الصغير زمنان لا يتطابقان في سيرته ومسيرته: زمن تتبدل فيه القناعة، وزمن أطول تتغير فيه هيئة الإنسان وعلاقاته وسبل عيشه. وهو اختلاف ستراه يتكرر، على نحو آخر، في شعره ومواقفه.



