تغدو الكتابة عند الشاعر اللبناني عقل العويط رحلة داخل النفس الإنسانية، تتجاور فيها حساسية الشاعر مع عين متأملة ترصد ارتعاشات العالم وتلتقط تفاصيله الدقيقة، فهو يكتب كمن يصغي إلى اللغة وهي تولد في كل مرة من جديد، ويمنح القصيدة مساحة رحبة لاختبار طاقاتها واحتمالاتها، فتتحول إلى مغامرة مستمرة في ملاحقة المعنى واستكشافه.
تقوم مجموعة "كحياة في الجحيم"، الصادرة عن "دار رياض الريس" في بيروت (2026)، على تصور شعري يجعل الجحيم بنية معرفية وجمالية تنتظم من خلالها علاقة الذات بالعالم والذاكرة بالتاريخ والجسد بالموت، والشعر بنفسه. ومن هذه الزاوية يضع الشاعر "الحياة" و"الجحيم" في تركيب واحد، فينشأ توتر دلالي بين مجالين يفترض الوعي انفصالهما. الحياة تمر عبر الجحيم، والجحيم يغدو أحد أشكال اختبار الحياة، فيما يدخل الشعر في هذه المعادلة بوصفه الوسيط القادر على تحويل التجربة من واقعة وجودية إلى مادة لغوية قابلة للتأمل وإعادة البناء.
خرائط
وتتواصل هذه الرؤية عبر مسار المجموعة الذي ينتقل بين خرائط شخصية وتاريخية وأسطورية وفنية، حتى يبدو أن العالم بأسره دخل في حيز شعري واحد، فالمدن والذاكرة والأسماء والشخصيات والأجساد والأديان والفنون والموت والحب تتجاور داخل نسيج لغوي متوتر، وتتبادل وظائفها الرمزية. وهنا تكمن خصوصية المجموعة، إذ يكتب الشاعر الجحيم من داخله، ويحول الذات إلى نقطة التقاء بين جحيم شخصي وآخر جمعي. ومن ثم يغدو الإنسان مركزا تتقاطع عنده أسئلة اللغة والذاكرة والتاريخ والموت، وتصبح القصيدة مساحة تستوعب هذا الكم من الخراب.
يكتسب اختيار قصيدة "مفتاح" في بداية المجموعة خصوصية لافتة، فالعتبة هنا تؤدي وظيفة تأويلية، وتضع القارئ أمام مفهوم الكلمة بوصفها قوة مؤسسة للوجود. يقول الشاعر: "وكلمةٌ هي مفتاحٌ/ هي لعنةٌ/ هي حياتك/ وقصيدة".


