من "بوابة للجسد" في 1993 إلى "غصن وحيد للغناء" في 2023، أخذت تجربة الشاعر السعودي علي الحازمي تتقدم عبر دواوين متعاقبة تنوعت في رؤاها وأشكالها، وظلت في الوقت نفسه محتفظة بحساسيتها ونبرتها المغايرة.
يتضمن ديوان "يحرسني غيابك"، الصادر عن "دار ديوان" في القاهرة (2026)، نصوصا تمتد زمنيا عبر محطات متعددة من تجربة الشاعر، وتضع القارئ أمام عالم تتجاور فيه الذاكرة والحب والفقد والزمن والمكان والحلم، وتكشف محتوياته عن حضور عناوين تنتمي إلى مراحل شعرية مختلفة، في ترتيب يمنح المجموعة هيئة سيرة شعرية تتحرك عبر طبقات العمر والكتابة.
يضع الحازمي الغياب، منذ العنوان، في موقع مؤثر، فالغائب هنا يتحول إلى قوة حارسة، والفراغ يتحول إلى حضور، وتصبح الذاكرة كيانا يحمي الذات من التبدد، مما يمنح الكتاب مفتاحه الجمالي، ويظهر فقدا في ظاهر التجربة يصير وسيلة لاستبقاء المعنى، فالغياب يحرس، والذكرى تنقذ، والقصيدة تمنح الأشياء فرصة ثانية كي تعيش داخل اللغة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الديوان بوصفه محاولة لإعادة التعرف إلى الذات عبر مرايا الماضي، مع إبقاء الحاضر مفتوحا على سؤال المصير والوجود.
تتحرك قصائد الكتاب داخل ذاكرة كثيفة، والذاكرة عند الحازمي تتجاوز صندوق الصور القديمة، فهي فضاء حي تتبدل فيه الأزمنة، وتدخل فيه الطفولة والآباء الأوائل والأحبة والأمكنة في حوار مستمر. يظهر الماضي في صور طفل، وشجرة، وبيت، وطريق، ووجه، وصدى، وأغنية، وكل صورة من هذه الصور تؤدي وظيفة تتجاوز الوصف، إذ تتحول إشارة الى زمن شخصي يتسع حتى يصير زمنا إنسانيا. ففي قصيدة "يحرسني غيابك" يظهر الماضي في صورة طفل مقيم داخل الذاكرة، وتجاوره صور الورود والعطر والغيب والفجر، فيجعل التذكر فعلا حسيا وشعريا في آن واحد.
حضور من جهة أخرى
يمنح الكتاب الغياب مكانة مركزية، غير أن هذا الغياب يحمل طاقة مزدوجة، فهو وجع يترك أثره في الروح، وفي الوقت نفسه مساحة يتكاثر فيها الحضور. فعندما يغيب المحبوب، تبدأ الأشياء المحيطة به في استعادة صوته والإشارة إليه: الشجر والضوء والطريق والماء والصدى والعطر وحتى الفراغ. وبذلك يتحول الغائب إلى شبكة من العلامات الموزعة في العالم، ويغدو حضوره ممتدا في الأشياء التي تركها وراءه. من هنا يختصر العنوان هذه الرؤية في مفارقة لافتة، حين يجعل الغياب فعل حراسة، فالشاعر يقيم تحت حماية ذكرى شخص أو زمن، وكأن الفقد نفسه يتحول إلى شكل من أشكال البقاء.
وفي هذا السياق تأتي قصيدة "يحرسني غيابك" مركزا معنويا للمجموعة، إذ تتجمع فيها بعض الدلالات التي تحكم تجربة الكتاب. يقول الشاعر: "تسأل في براري الغيب/ عن فجر يعود إلى وصالك/ في الخيال، ولا يعود".
يجمع هذا المقطع بين البراري والغيب والفجر والوصال، وهي مفردات تنتمي إلى معجم الرحلة والانتظار والترقب. فالسؤال يتحرك في فضاء شاسع ومفتوح، والفجر يفتح احتمال العودة، بينما يظهر الوصال غاية تتقدم أمام ذات تبحث عن مخرج من التيه. وتكتسب الصورة هنا طبيعة مكانية ووجدانية في آن واحد، إذ تمنح "براري الغيب" المجهول هيئة أرض واسعة، فيما يمنح "الفجر" الترقب زمنا مضيئا. في هذا المعنى، يحول الشاعر الشوق إلى جغرافيا، ويمنح الانتظار تضاريس يمكن الذات أن تعبرها بحثا عن الوصال.


